السعادة والصفاء

السعادة والصفاء

سر الوصول إلى السعادة والصفاء والسلام النفسي ،أسراروأنوار القلوب التى صفت وأشرقت بعلوم الإلهام وأشرفت على سماوات القرب وفاضت بعلوم لدنية ومعارف علوية وأسرار سماوية



    تصفية التصوف

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 1135
    تاريخ التسجيل : 29/04/2015
    العمر : 51

    تصفية التصوف

    مُساهمة من طرف Admin في الإثنين ديسمبر 14, 2015 5:06 pm

    بسم الله الرحمن الرحيم

    في الحقيقة أننا نحاول في هذا العصر أن نعود بالإسلام وأهله إلى عصوره الزاهرة الأولى التي كان عليها الحبيب صلى الله عليه وسلَّم وصحبه، لأنه كانت عصور إشتدَّ فيها الظلام وانتشر الجهل فتفشَّت أعراف وعادات نسبها الناس للإسلام ظلماً وبهتاناً والإسلام منها بريء، فنحن نحاول أن نعيد هذا الصفاء الأول للصوفية على النهج الذي كان عليه الحبيب الأعظم.


    فالصوفية والتصوف منهج علم وعمل، محاضراتٌ نظرية ثم يدخل الإنسان بذاته في ورشة عملية لا يراه ولا يطلع فيها إلا ربُّ البرية، لكي يتجمل بهذه الأحوال، وتظهر عليه كريم الخصال، وينبجس في قلبه عينٌ تأتيه منها الفوائد والغرائب والمواهب من الواحد المتعال عزَّ وجلَّ، وهذا هو منهج الصوفية، وهم أشد الناس إلتزاماً بهذا المنهج.


    جدَّ على الناس في الأزمان الماضية أن جعلوا التصوف إنتساب أو إكتساب، فينتسب لشيخ وانتهى الأمر عند هذا الحد، فيقول من حوله ويشجعه على ذلك: حب الشيخ فلان ونام، وبمحبته إن شاء الله تضمن الجنة. فنحن جميعاً نحب حضرة النبي والذي هو أبو هؤلاء المشايخ كلهم فهل يكفينا ذلك؟!!. وبعض الناس جعلوه حرفة للتكسب والإكتساب وإبتزاز الناس واستلاب أموالهم وهذا لا يُرضي الله عزَّ وجلَّ.


    فنريد أن نعيد التصوف مرةً ثانية للمنهج الأول، فجعلناه جامعة للدراسات العُليا الصوفية، وهي جامعتنا، فمن يُريد أن ينتسب للصوفية ويتخلى ظاهراً وباطناً عن أخلاقهم وأحوالهم وأفعالهم فلا ينفع ذلك في منهجنا، فمنهجنا يحتاج إلى علم وعمل، والعشوائية لا تُنتج حتى في النباتات البرية، النبات الذي يزرعه المرء منا ويعتني به فيكون له ثمرٌ، والنبتة التي تخرج عشوائياً فهل يكون لها ثمر؟ فيسمونه: شيطاني!! حتى أجدادنا قالوا فيه: أن هذا النبات شيطاني، أى ليس له ثمر نهائياً إلا أن يكون منه الشوك فيشوِّك الناس، وهذا معنى أنه شيطاني، فلا يوجد شئٌ ينتفع به فلا يُؤكل ولا ينتفع به في خشب ولا تصنيع ولا أى شيء.


    وكثير من الناس في زمننا هذا يقول: ولماذا أذهب إلى الشيخ وأتربَّى على يديه؟ فأنا أدور حول الكل وأُحب الكل وانتهى الأمر، وماذا فيها؟ لا شئ، ولكن ستكون كالنبات الذي خرج عشوائياً وليس له صاحب، ولذلك يظل يدور ثلاثين سنة أو خمسين سنة فما الذي حصَّله في طريق الوصال؟ لا شئ، وما الذي ناله من حضرات الفضل والكمال؟ لا شئ، يجلس لحِظِّ نفسه قليلاً، أى يجلس في أي مكان لينال ويجد حظَّ نفسه، ولكن حظَّ قلبه يحتاج إلى إنتماء وصفاء واجتباء وتربية على منهج سيد الرسل والأنبياء، وهذا الذي : (ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (35فصلت).


    فنحن نسير مع الأحبة - لتنتبهوا لمنهج الحبيب صلى الله عليه وسلَّم، والحبيب لا يحب العمل العشوائي، كل شئ عنده بميزان معلوم وبقدرٍ محدود، وبتخطيط دقيق مع الإستعانة بالتوفيق من الله عزَّ وجلَّ. فلو أن واحداً يمشي عشوائياً، وليس ملتزماً بمناهج الصالحين، فلن يُحصِّل ولن ينال المواهب والمنح الإلهية التي خصَّ الله بها أهل الخصوصية من الصالحين.


    لكننا نسير والحمد لله مع الأحباب على المنهج، وخير المنهج أننا ننظر في كتاب الله ونفقهه، ثم نحاول أن نعمل به متابعين لحبيب الله ومصطفاه، أو متشبهين بالصحابة الكرام عليهم رضوان الله، والأولياء الصالحين الذين نرجوا أن يُدخلنا الله عزَّ وجلَّ في رحابهم، وأن يجمِّلنا بجمال أحوالهم.


    تفسير القرآن الكريم على الترتيب يحتاج أهل الدراسة، لأن فيه التشريع، وفيه قصص الأنبياء، وأيضاً عن الدار الآخرة وكذلك عن العاقبة وهكذا. لكن أهل الوراثة ليسوا كذلك، ينتقي من كتاب الله ما به يتحقق كمال التحقُق بالمنهج الذي يصل به إلى الله جل في علاه.


    فنحن - على سبيل المثال: ينبغي على طالب الله عزَّ وجلَّ أن يكون مجملاً بالآداب الإلهية التي أوجبها الله علينا للحضرة المحمدية، وقد أخذنا الآيات القرآنية بترتيب المصحف والتي تتكلم عن الأدب مع الحقيقة المحمدية، وبسَّطناها ووضحناها للأحبة، أليس كذلك؟!!، وهذا منهج نمشي عليه. فلو سأل سائل: من أين أتيت بهذا الأدب؟، نقول: من كتاب الله ولم نخترع شيئاً، كتاب الله هو الذي قال بهذا.


    نريد أنا نُعلي الهمم ونُقوي العزائم ونستثير القلوب لتتحرك نحو حضرة علام الغيوب، ماذا نفعل؟!! نأخذ آيات المقربين في كتاب ربِّ العالمين، الآيات التي تتكلم عمَّن؟ عن المقربين، والتي فيها الجماعة: (الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون)، والتي فيها الجماعة: (أهل الرضوان الأكبر)، والتي فيها الجماعة: (أهل المعية مع الحضرة المحمدية)، وهكذا؛ أخذناها بترتيب المصحف حتى نُنهي العشوائية الموجودة بين السادة الصوفية، لأنهم يقولون أن الشيخ الموجود يتكلم بكلمة من هنا وكلمة من هناك وانتهى الأمر، ولكننا نتبع منهج إقامة الحُجَّة، من أجل ذلك نأخذ في كل سهرة آية من آيات المقربين.


    في محافظة المنيا أولاً - أخذنا الآيات التي في سورة البقرة، وهذه السنة الآيات التي في سورة آل عمران والنساء، وسنفتتح عندكم من أول سورة المائدة والأعراف. فننتقي الآيات التي تتكلم عن المقربين وأحوالهم وأطوارهم وما لهم عند الله، على أساس أنها الأحوال التي يجب أن تعرفها وتبحث عنها وتحاول أن تعمل بها وتتجمل بها إن شاء الله. عندنا اليوم آية واحدة فقط، نسمعها معاً سوياً (35المائدة):


    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا الله وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ


    وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)


    الآيات أرسلناها لكم وحددناها لكم، وأرسلناها منذ شهر ليستعد بها القارئ ويجوِّدها ويتلوها كما ينبغي، والزيارة القادمة ستكون في إسنا وأتينا بالآيات من الآن حتى يستعدوا من الآن بأحدٍ من القُرَّاء، وكل واحد يقرأ هذه الآيات بالصوت النديِّ ونشرحها بما يفتح به الله عزَّ وجلَّ. الآية التي عندنا اليوم باختصار شديد وبدون تفصيل، خطابٌ من الله لنا جماعة المؤمنين وللمؤمنين الأولين والآخرين والمعاصرين:


    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا الله وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ


    وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (35المائدة)


    وكلمة (لَعَلَّ) في القرآن كله ليست بمعنى الترجِّي، ولكن بمعنى اللام، فتكون الآية: {وجاهدوا في سبيله لتفلحوا}، أو {لتكونوا من المفلحين}. والفلاح هو الفوز الأعظم بالنعيم الأكرم الذي جهَّزه الله عزَّ وجلَّ لعباده الصالحين إن عاجلاً في الدنيا أو آجلاً في الآخرة يوم الدِّين، والذي يقول فيه صلى الله عليه وسلَّم: (إن الله الله أعدَّ لعباده الصالحين في الجنة ما لاعينٌ رأت ولا أُذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر)[1].


    كل روحٍ تقية نقية وتهفو إلى نعيم الله، وإلى إكرامات الله، وإلى عطاءات الله التي أعدَّها للصالحين في الدنيا ويوم الدين، فنحن جميعاً نريد أن نكون من أهل هذا المقام: (من المفلحين). ولكي نكون من المفلحين، ومن يريد أن يكون من المفلحين ماذا يلزمه؟ أربع أمور وضحتهم الآية: الإيمان، وتقوى الله عزَّ وجلَّ، وإبتغاء – يعني: طلب - الوسيلة, والجهاد. والآية في كتاب الله لمن؟ لنا جماعة المؤمنينن ولكي يكون الإنسان قد فاز وجاز ويُصبح من المفلحين بيقين لابد وأن نعمل بهذه الأربع:


    أولاً: الإيمان الصادق الذي يشير إليه الحبيب صلى الله عليه وسلَّم فيقول: (ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل)[2]. ولذلك تجد دائماً في كتاب الله الإيمان مقرونٌ بالعمل الصالح: (إِلا الَّذِينَ آَمَنُوا) - وعلى الفور - (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (227الشعراء). لأن الإيمان دعوى، والدعوى تحتاج إلى حُجَّة أو برهانٌ على صدق هذه الدعوى، والبرهان هو العمل بما طالب الله عزَّ وجلَّ في قرآنه والنبي في سنته أهل الإيمان.


    أما من يدعي الإيمان ولا يطبق ذلك عملاً ويُسوِّف - إن شاء الله في المستقبل سأفعل كذا - أو يؤخِّر، فهذا تخدعه النفسُ أو يستهزئ به الشيطان، ولذك أكمل صلى الله عليه وسلَّم الحديث فقال: (وإن قوماً خدعتهم الأماني، وغرَّهم بالله الغرور، وقالوا: نحسن الظن بالله وكذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل)[3].


    فعلامة صدق الإيمان العمل الصالح، وبين النبي صلى الله عليه وسلَّم لأهل الصدق في الإيمان في إحدى المواقف علامات صدق الإيمان، فقال لقومٍ من الصادقين: (أمؤمنون أنتم؟، قالوا: نعم يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلَّم: وما حقيقة إيمانكم؟ قالوا: نصبر على البلاء، ونشكر على الرخاء، ونصدق عند اللقاء – يعني: عند مقابلة الأعداء - فقال صلى الله عليه وسلَّم: مؤمنون وربُ الكعبة)[4].


    لماذا؟ لأنهم أثبتوا حقيقة الإيمان. وهذه منزلة، وبيَّن صاحب المنزلة الأعلى، فقال لحارثة الأنصاري رضي الله عنه ذات صباح: (كيف أصبحت يا حارثة؟، قال: أصبحت مؤمناً حقًّا، قال: فإن لكل قولٍ حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ - وهذا هو منهج الصالحين، والذي وضعه سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم، وإذا طبقَّت هذه الأوصاف التي ذكرها الحبيب على رجلٍ ولم تجدها فيه فاعلم أنه لم يتم له المراد ويحتاج إلى إعادة الكرَّة وبدأ الطريق من البداية.


    قال: فما حقيقة إيمانك - عدُّوا معي: قال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرتُ ليلي، وأظمأتُ نهاري، وأصبحتُ وكأني أرى أهل الجنة وهم يتزارون فيها، وكأني أرى أهل النار وهم يتعوون ويصطرخون فيها، وكأني أرى عرش ربي بارزاً، فقال صلى الله عليه وسلَّم ـ مقرِّاً له على منهجه: عرفت فالزم، ثم إلتفت إلى من حوله وقال: عبدٌ نوَّر الله بالإيمان قلبه)[5].


    هذا هو منهج الصالحين، من الذي رسم هذا المنهج لهذا الرجل؟ هو ـ لابد لكل واحد أن يرسم لنفسه منهجاً: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) (48المائدة).


    هناك الشريعة وهناك منهاج، فالشريعة هي الأحكام التي بينك وبين الخلق، وبينك بين نفسك، وبينك وبين ربك، وهي تنظم الحياة وفيها رضا الله. لكن المنهاج الذي فيه الصفاء والنقاء لتلقي المنح الإلهية والعطاءات الربانية الخاصة بأهل الخصوصية.


    أول المنهاج: (عزفت نفسي عن الدنيا) ـ وهو ما نسميه بالزُهد، الزهد في الدنيا، رجلٌ يسأل حضرة النبي: أنا أريد أن ربنا يُحبني والناس كذلك يحبوني فماذا أفعل؟ يريد السبيل، فقال صلى الله عليه وسلَّم: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس)[6]. وهذه أول درجة في المنهج: الزُهد، والزهد ليس في اليدين ولكن الزهد هنا في القلوب، ومن ليس عنده شئ يقول: أنا زاهد، ففي أى شئ تزهد؟ وهل عندك شئٌ تزهد فيه؟!!. الزاهد هو الذي يملك الأشياء، ولا تملك الأشياء قلبه، وإنما يضعها في يده ويُصرفِّها كما أراد ربه، لكن إذا دخلت القلب وسكنت وتمكنت وأصبحت تُحركِّه وتسيِّره وتأمره وتنهاه، فيكون عبداً لها وليس عبداً لله.


    (عزفت نفسي عن الدنيا)، وبعد ذلك ما العمل؟ قيام الليل وصيام النهار - أسهرتُ ليلي وأظماتُ نهاري - والذكر الحقيقي، وهو ذكر العارفين. الذكر الذي نفعله مع بعضنا في صفوف ونحرِّك اللسان ذكر المبتدئين أو قل: ذكر السالكين، أو قل:ذكر المريدين، لكن ما ذكر الصالحين؟ أن لا يغيب عن خاطره نفساً نظر الله إليه، يرى في كل آناته وكل أحواله أن الله يطلع عليه ظاهراً وباطناً، ولا يخفى عليه خافية.


    إذا وصل العبد إلى هذا المقام فهذا اسمه: الذكر الأكبر لله عزَّ وجلَّ، لكن الذي نفعله فهذا تمرين على الذكر وتدريب وتسخين لنذكر الله، لكن لم ندخل المباراة بعد، فهي تحتاج إلى لياقة أخرى.


    فحقيقة الذاكر لله أن لا يغيب الله عن بال العبد طرفة عينٍ ولا أقل، وأن يلحظ على الدوام أن الله مطلعٌ عليه ويراه، وأنه سبحانه وتعالى يعلم سرَّه ونجواه، وأنه سبحانه وتعالى هو الذي تنكشف له جميع أحواله الظاهرة والباطنة وإن اجتهد في إخفائها عن خلقة الله جميعاً.


    كل هذا في مقام الإيمان، ولكننا نريد أن ننتقل بسرعة. فالإيمان لابد له من العمل الممنهج على منهج شريعة الله، وعلى وفق سنة حبيب الله ومصطفاه، وعلى التأسي بالصحابة الأفاضل الكرام ومن بعدهم من الصالحين على الدوام.


    وبعد هذا الإيمان يطالبنا الحق فيقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا الله). ويريد أيضاً مقام التقوى، وتقوى الله في حقيقتها هي شدةُ الخوف والوجل الذي ينتاب القلب فيجعل صاحبه يخشي أن يقع في الذنوب والآثام، ويرتجع إن عُرض عليه شئٌ من الحرام، ويتوقَّف إذا زلف لسانه وخاض في حقِّ رجلٍ من الأنام، يجعل الإنسان يمشي على المنهاج القويم والطريق المستقيم.


    التقوى الكلام فيها كثير، وهي درجات ليس لها عدٌّ ولا حصر، منها من قال فيها الإمام علىّ: (هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والإستعداد ليوم الرحيل). ومنها ما قال فيها الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلَّم عندما سُئل عن قوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ) (102آل عمران). وقال صلى الله عليه وسلَّم عندما سُئل عن حق التقوى: (أن تذكره فلا تنساه، وأن تطيعه فلا تعصاه، وأن تشكره فلا تكفر نعماه)[7].


    لا ينسي الله طرفة عين، كالرجل الصالح الشيخ الجنيد عندما جاءه أمر الله، وآن أوان قرب خروج روحه، فمن كان حوله قالوا له: أُذكر الله، فقال لهم: وهل نسيته حتى أذكره؟!!، هل نسيته لأذكره؟ فلم أنساه طرفة عين ولا أقل من ذلك، ثم ناجى الحضرة الإلهية فقال:


    إن بيتاً أنت ســــــــــــاكنه     غير محتاجٍ إلى السُــــرجِ


    وجهك المأمول حجتنا     يوم يأتي الناس بالحُججِ


    يقول له: أنه ساكن بداخله، والرجل الآخر الذي يذكر الله ويقول له:


    ذكرتك لا أني نسيتك لمحةً      وأهون ما في الذكر ذكر لساني


    ذكر اللسان سهل، وأنا لم أذكرك لأني نسيتك، لا أنا أتلذذ بهذا الإسم!!، بالترنم به والتغني به لأنه إسمٌ المحبوب الأعظم وهو الله عزَّ وجلَّ.


    والتقوى هي الحبل الأقوى الذي يجب على كل مؤمن أن يسعى لبلوغه، لأن بها الدرجات في الجنات، وبها العروج إلى أعلى مقامات الكمالات، وبها الحصول على كل المُنى من العطاءات والهِبات، فإن الله عزَّ وجلَّ وضع الميزان في كل وقتٍ وآن قال لعباد الرحمن: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (13الحجرات).


    ولم يقل: التقي، فلو قال التقي لكانت التقوى شئٌ ثابت، ولكنه قال: (أتقاكم)، بصيغة المبالغة، يعني هناك تفاوتٌ في التُّقى، فكلما زاد في التُقى كلما زاد في التكريم من الكريم عز وجلَّ. وكما أنه لا نهاية لعظمة الله عز وجل ولا لسعة عطاء الله، فلا نهاية للتقوى التي يرجو أن ينالها عباد الله، ناهيك بقول الله لأتقى الأتقياء وأنقى الأنقياء: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ) (1الأحزاب). ولكنها تقوى غير تقوانا نحن، والكلام فيها لا يُباح إلا إذا مُلكت الأرواح.


    فالإيمان والتقوى، ومع الإيمان والتقوى لكي ينال الإنسان الفلاح لابد أن يطلب الوسيلة للقرب من الله عز وجلَّ: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) (35المائدة).


    والوسيلة الجماعة المفسرون والمئولون قالوا فيها كلاماً كثيراً، لكن الوسيلة عند المريدين والسالكين في رأي جملة الصالحين: هي العارفين المتمكنين الذين أقامهم ربُّ العالمين لدلالة الخلق عليه. والوسيلة لكُمَّل العارفين وأئمة المتقين هو الحبيب الأعظم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.


    أما بالنسبة للأقوال الأخرى أن الوسيلة هي العمل الصالح، فالإيمان معه العمل الصالح، والتقوى معها العمل الصالح، لكن ربنا يقول: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ) - عزَّ وجلَّ لتحظوا بالقبول، وتنالوا الوصول، وتُأهلوا للدرجات العالية، لابد أن تدخلوا عليه بالصادقين الذي آواهم إلى حضرته وكنفهم بعنايته، وجعلهم في الدنيا أبواباً لأهل قربه ومودته، وفيهم يقول الله: (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) (189البقرة).


    وهناك حديث للحبيب صلى الله عليه وسلَّم عندما سأله بعض أصحابه فقالوا: يا رسول الله أين الله؟ أفي السماء أم في الأرض؟ فقال صلى الله عليه وسلَّم: (في قلوب عباده الصالحين)[8]. وعندما سأله كليم الله موسى عليه السلام: يا رب أين أجدك؟ قال: (تجدني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي)[9].


    فإن الله عزَّ وجلَّ إستودع أعزَّ ودائعه وأغلى أماناته في قلوب عباده الصالحين، فما وجد عز وجل مكاناً أمنع من الأهواء ومن النفوس ووساوس الشيطان إلا قلوب الصالحين التي حفظها بحفظه ربُّ العالمين، وقال في شأنها: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) (42الحجر). ولذلك كان سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه وغيره من الصالحين، كان يقول لأصحابه: (توسلوا إلى الله عزَّ وجلَّ بي).


    وبعضهم قال: الوسيلة هي اسم الله الأعظم الذي دُعي به أجاب، وقال سيدي الحسن البصري رضي الله عنه وكان قطب وقته وزمانه عندما سُئل عن اسم الله الأعظم: (أنا اسم الله الأعظم، فمن توسَّل إلى الله بي نال مراده وحقق الله عز وجل له آماله).


    فالتوسل إلى الله بالصالحين يكون باقتفاء أثارهم والمشي على هديهم وحُسن متابعتهم والتحلِّي بشمائلهم وجميل أخلاقهم، لأنهم اقتدوا واهتدوا بسيد الأولين والآخرين فأصبحوا هم الصورة القريبة التي أستطيع التشبه بها لأنال القرب من رب العالين، وأكون صورة مجملة على قدري من سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلَّم.

    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم


    ***************

       الجمعة 6- 11- 2015م الموافق 24 المحرم 1437هـ نجع الطويل ـ الكرنك ـ الأقصر درس بعد صلاة العشاء ـ منزل الحاج أحمد جبر

    [1] رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.

    [2] ابن أبي شيبة في المصنف عن الحسن البصري رضي الله عنه.

    [3] روى ابن النجار عن الحسن البصري عن أنس بلفظ: (لَيْسَ الإِيمَانُ بِالتَّمَنِّي وَلا بِالتَّحَلِّي، وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ وَصَدَّقَهُ الْعَمَلُ، الْعِلْمُ عِلْمٌ بِاللِّسَانِ، وَعِلْمٌ فِي الْقَلْبِ، فَأَمَّا عِلْمُ الْقَلْبِ فَالْعِلْمُ النَّافِعُ، وَعِلْمُ اللِّسَانِ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى بَنِي آدَمَ ).

    [4] أمالي بن بشران عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه بلفظ : (مَشَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَسْجِدِ قُبَاءَ، فَلَمَّا قَامَ بِالْبَابِ إِذَا الأَنْصَارُ جُلُوسٌ فِيهِ، فَقَالَ: أَمُؤْمِنُونَ؟ فَسَكَتَ الْقَوْمُ، ثُمَّ أَعَادَهَا، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَمُؤْمِنُونَ وَإِنَّا لَمَعَهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَرْضَوْنَ بِالْقَضَاءِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أَتَصْبِرُونَ عَلَى الْبَلاءِ؟، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أَتَشْكُرُونَ فِي الرَّخَاءِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مُؤْمِنُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَجَلَسَ) .

    [5] مسند البزار، ومسند الشهاب عن أنس رضي الله عنه.ِِِ

    [6] رواه ابن ماجة وغيره عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.

    [7] ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

    [8] روى الطبراني عن أبي عنبة الخولاني يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله آنية من أهل الأرض وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقها)، وروى أحمد في الزهد عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ : إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الأَرْضِ آنِيَةٌ وَأَحَبُّ آنِيَةِ اللَّهِ إِلَيْهِ مَا رَقَّ مِنْهَا وَصَفَا ، وَآنِيَةُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ قُلُوبُ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ.

    [9] قَالَ السَّخَاوِيُّ: ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْبِدَايَةِ، ورواه ملا علي القاري في الأسرار المرفوعة.


    [url= http://www.fawzyabuzeid.com/%D8%AC%D9%801-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B3%D9%8A%D9%84%D8%A9/#sthash.LHl7UCvZ.dpuf]الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد[/url]

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد مايو 20, 2018 11:18 pm