السعادة والصفاء

السعادة والصفاء

سر الوصول إلى السعادة والصفاء والسلام النفسي ،أسراروأنوار القلوب التى صفت وأشرقت بعلوم الإلهام وأشرفت على سماوات القرب وفاضت بعلوم لدنية ومعارف علوية وأسرار سماوية



    أحاديث الرسول وعلوم الغيب

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 1128
    تاريخ التسجيل : 29/04/2015
    العمر : 50

    أحاديث الرسول وعلوم الغيب

    مُساهمة من طرف Admin في الجمعة أكتوبر 09, 2015 4:11 pm

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والشكر لله عزَّ وجلَّ على ما أنعم به علينا من نعم وافرة في القلب والجسم، والحياة وبعد الممات. والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي كاشفه مولاه بغَيْبِ ما فات، وغَيْبِ ما في عصره، وغَيْبِ ما هو آت!! وقال في شأنه في محكم الآيات:
    ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (113النساء). صلَّى الله عليه وعلى آله البررة الأطهار، وأصحابه الكرام، وكل من تابعهم على هذا الهدي إلى يوم الدين،
    وعلينا معهم أجمعين، آمين .. آمين يا رب العالمين.
    إخواني وأحبابي بارك الله عزَّ وجلَّ فيكم أجمعين

    يتعين على المسلم دومًا أن يعيش بقلبه وروحه مع الحالة الحاضرة التي فيها أمة الإسلام، لقول النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:
    (مَنْ لَمْ يَهْتَمْ بِأَمْرِ المُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ)
    (رواه الحاكم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه)
    ولكن الفارق بين المؤمن التقيِّ النقيّ المتابع لحضرة النبيِّ، والعوام .. فارقٌ كبير!! العوام مشغولون بالكلية بالأخبار والتعليقات والآراء .. من السياسيين والكتَّاب، ورجال الأحزاب وغيرهم، والصحف والبرامج الفضائية والمجلات، وتجد كل ذلك في كل الجلسات، إن كان في البيت مع التلفزيون، في المكتب مع الصحف والمجلات، بينهما في الأحاديث مع الآخرين في كل هذه الشئون - وهذا كله لا مانع منه - لكن لِمَ لا نرجع لنبيِّنا ونأخذ منه صلى الله عليه وسلم أخبار عصرنا؟!! وهو الصادق المَصْدُوق، والذي قال الله في شأنه:
    ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الهَوَى. إنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (3، 4النجم).
    نتلقى الأخبار من المهوِّلين والمشنِّعين، والمغرضين والكاذبين وخلافهم، لكل هذه الأهواء!! إنما سيدنا رسول الله لم يترك أمرًا سَيَحْدُثُ - إلى دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار - إلا وبيَّنه بأجلى بيان وأوضح تبيان!! يعني في جلسة واحدة من إحدى هذه الجلسات،


     يروي سيدنا الإمام علي رضي الله عنه - وأكثر من رجل من أصحاب رسول الله، لأن الحديث متواتر، رواه عدد كبير: (أنه صلَّى بِهم الصبح، ثم صعد المنبر، فأخذ يحدِّثهم حتى حان وقت الظهر فنزل، وصلَّى بهم الظهر ثم أخذ يحدثهم، حتى حان وقت العصر فنزل، وصلَّى بهم العصر ثم أخذ يحدثهم، حتى غابت الشمس!! تكلم في إيِّ شيء؟!! قالوا: حدثنا عن كلِّ شيء سيكون في أمته إلى يوم القيامة، حتى أنه ما من قائد فتنة يزيد عدد الذين معه عن الثلاثمائة، إلا وذكره لنا باسمه ونسبه) - أيُّ واحد سيحْدِثُ فتنة والذين معه ثلاثمائة، ذكره بالاسم!! وبعد ذلك في الآخر قالوا - (وحفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه!!!!) 
    (ذكره أبو داود من حديث حذيفة رضي الله عنه، وابن كثير في البداية والنهاية).

    أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه خاتم الأنبياء ولا نبيَّ بعده. محمَّدٌ بنُ عَبْدِ الله انتهى زمانه، لكن محمَّدٌ رسول الله عصره إلى يوم القيامة، الرسالة ممتدة إلى يوم الدين. فكما أنه رسولٌ لأبي بكر وعمر وعليٍّ والذين كانوا معه، فإنه رسولٌ لنا!! كما جاءهم جاء لنا!! واسمع كلام القرآن:
    ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (129التوبة). هل جاء لهم فقط أم جاءنا معهم؟ لو كان لهم فقط كنا حذفنا هذه الآية من القرآن!! لكن كما جاءهم جاءنا، لأنه صلى الله عليه وسلم رسولُ الختام. فجعل لكلِّ أهل زمان أحاديث خاصة بهم، نصيباً من حديث حضرته، ونصيباً من تركة سُنَّته. موجود في أحاديث رسول الله هذه الأحاديث لكلِّ زمانٍ ومكانٍ إلى يوم القيامة. العلماء العاملون مَنْ ربُّنا قال فيهم لحضرة النبيِّ أن يقول لنا في شأنهم: ﴿ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (108يوسف).

    من صاحب البصيرة يا إخواني؟ الرجل الذي ليس له هوىً يسيِّره، لا في قوله، ولا في فعله، ولا في حكمه، وإنما:
    ﴿ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ﴾ (54المائدة). هؤلاء العلماء يهدي الله قلوبهم إلى أحاديث حضرة النَّبِيِّ التي خَصَّتْ زمانَهُم، يكشفوها ويوضحوها للناس حتى يعرف الناس ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الزمان.
    والله عزَّ وجلَّ كما قال صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء والمعراج - التي نحن في شهرها - بعدما تجاوز سدرة المنتهى وَزَجَّ به الأمينُ جبريل في القُدس الأعلى - قال صلى الله عليه وسلم:
    (فنزلت قطرة على لساني، أحلى من العسل، وألين من الزبد، وأبرد من الثلج، فقلت: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله عزَّ وجلَّ، فقال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. يقول: فوضع الله عزَّ وجلَّ يده - ويده ليست كأيدينا، نَزِّهْ الإله عزَّ وجلَّ عن الأجساد والحركات والسكنات، كل ما خطر في بالك فهو هالك والله تعالى بخلاف ذلك - وضع الجبار يده على ظهري فشعرت بِبَرْدِهَا في ثديي، فعلمني ثلاثة علوم: عِلْمٌ أمرني بتبليغه، وعِلْمٌ أمرني بكتمه، وعِلْمٌ خيَّرني فيه). 

    السادة العلماء كيف فسروا هذه العلوم؟ قالوا: العِلْمُ الذي أُمِرَ بتبليغه علم الشريعة، الذي بلَّغَهُ للكُلّ، والعِلْمُ الذي أمره بكتمه، ما خصَّه الله به من علم الأقدار، فإن الله قال في القرآن: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ (26، 27الجن).
    ومَنْ أول مَنْ ارتضاه الله؟ مُحَمَّدٌ رسولُ الله .. أفي ذلك شك؟!!


    والعِلْمُ الذي خيَّره الله فيه علمُ الحكمة، ولذلك كان يقول صلى الله عليه وسلم ما معناه: (لا تمنعوا الحكمة عن أهلها فتحرموهم، ولا تعطوها غير أهلها فتظلموها، كونوا كالطبيب الرفيق يضع الدواء في موضع الداء) (العقد الفريد).
     عِلْمُ الحكمة لمن؟ لمن عنده قابل لهذه الحكمة العالية البليغة، التي أنزلها الله على المخصوصين من عباد الله عن طريق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.  
    من جملة هذه العلوم علَّمه الله عزَّ وجلَّ وأعْلَمَهُ
    وكاشفه بأشياء حدثت في زمانه، كثيرة جداً زيادة عن الحد،
    وكُلُّنَا سمعنا عنها من الغيبيات، نأخذ أمثلة منها محدودة من أجل أن نوضح القضية:

    سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذهب إلى غزوة بدر، ونزل على ماء بدر، من ضمن الروايات: أنه جاء قبل المعركة وعلى الساحة ونزل، ووضع علامات .. هنا يقتل أبو جهل، هنا يقتل الوليد بن عتبة، هنا يقتل عتبة بن ربيعة .. علَّم العلامات .. السبعون الذين سيقتلون من الكفار!! بعد المعركة وجدوا نفس العلامات وقعت فيها نفس الأحداث كما بيَّن صلى الله عليه وسلم!!
     لأن الذي أراه من؟ هو الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾ (17الأنفال). بعدما انتهت المعركة كان معهم أسرى .. سبعون أسيراً من أهل مكة .. من ضمن الأسرى كان عمُّه العباس وكان لم يسلم بعد،
    فقال صلى الله عليه وسلم:
    (يا عباس افدِ نفسك وابن أخيك عقيل - عقيل بن أبي طالب أخو سيدنا علي – قال: مِنْ أين لي يا رسول الله وليس لي مال؟ قال: ألم تجلس مع أم الفضل امرأتك في صحن الدار، وقلت لها: إن مت فلفلان كذا، ولفلان كذا، ولفلان كذا؟ قال: والله يا رسول الله ما علم ذلك أحد غيري وغيرها، وما دمت علمت ذلك فإني أشهدك أنه لا إله إلا الله وأنك رسول الله - صلى الله عليه وسلم) 
    (طبقات بن سعد عن محمد بن إسحاق).
    مثل هذه الأمور في حياة رسول الله كثيرة يا إخواني - وأنتم سمعتم منها ما لا يعد ولا يحد. التي بعد عصره نفس الحكاية - سيدنا رسول الله على المنبر وقد جاء سيدنا الحسن على باب المسجد وهو طفلٌ صغير، وكان يقول لرسول الله: أبي .. أبي، وقد جاء مسرعاً ويقول: أبي .. أبي، فعثر في ثوبه فوقع، سيدنا رسول الله كما وصفه ربُّه: ﴿رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (129التوبة)، نزل من على المنبر وحمله وضمه وصعد المنبر وأكمل خطبته وهو حامله. انظر إلى الشفقة والحنان والعطف التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!!


     ولما رأى تعجب أصحابه قال:
    (إِنَّ ابْنِي هذا سيِّدٌ، وسيصلح اللهُ بِهِ بين فئتين عظيمتين من المسلمين)
    (رواه البخاري وأحمد والترمذي والبزار عن أبي بكرة رضي الله عنه)
    انظر إلى كلام النبوة؟ على أي شيء؟ على بصيرة!! بعد سيدنا رسول الله،
    وبعد عصر سيدنا أبي بكر وعمر وعثمان،
    ويأتي عصر سيدنا علىّ ويحدث خلاف بين عليٍّ ومعاوية،
    وفي النهاية جماعة الخوارج يقتلون سيِّدنا عليَّا، يأتي سيدنا الحسن فيجد الذين معه يقارب مائة وثمانين ألفاً، ومعاوية معه مثلهم، ولا يوجد أحد سينتصر إلا بعد أن يفنى هؤلاء ويفنى هؤلاء، والذين سيموتون مسلمون من الطرفين!! فبعث إلى معاوية ودعاه إلى الصلح!! وتحققت - ليست نبوءة، النبوءة للجماعة الآخرين - تحققت بَصِيرَةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم!! لا يصح أن نقول على كلام النبوة نبوءة، لأن نبوءة الجماعة المنجمين تحتمل الصدق والكذب، لكن هذا النبيّ صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الهَوَى. إنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (3،4النجم) على الدوام.
    ويأتي سيدنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم يحدِّدُ مدة الخلافة ويقول:
     (الخلافة بعدي ثلاثين عامًا، ثم تصير ملكًا عضودًا) (رواه الإمام أحمد عن سفينة). نحسب الخلافة: سيدنا أبو بكر سنتين، وعمر عشر سنين، سيدنا عثمان اثنتي عشرة سنة، وسيدنا عليٌّ خمسة سنوات ونصف، وسيدنا الحسن ستة شهور، تجدهم الثلاثين سنة كما قال سيدنا رسول الله بالتمام.
    نائم ذات مرة صلى الله عليه وسلم عند إحدى الصادقات، وهناك نسوة في الأنصار من الصالحات مثل السيدة أم سليم - أم سيدنا أنس ابن مالك - رضي الله عنها، وهي صفحات ناصعة مشرقة في جبين النُّبُوَّة، وكانت أختها كذلك، فكان حضرة النَّبِيِّ يحبُّهما للتقوى التي كانتا عليها - نائم عند أختها، واستيقظ من النوم وهو يضحك – في الرؤيا- قالت له: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: رأيت نفراً من أمتي ركبوا البحر غازين في سبيل الله، قالت: ادعُ الله أن أكون منهم، قال: (أنتِ منهم). السيدة أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها، ثم وضع رأسه وعاد إلى النوم ثانية، واستيقظ بعد فترة يبتسم!! فقالت: لِمَ تتبسم يا رسول الله؟ قال: (رأيت نفراً من أمتي يركبون البحر على أبواب القسطنطينية, قالت: ادعُ الله أن أكون منهم، قال: (أنتِ من الأوليين، أنت من الأولين).


    فهؤلاء جماعة آخرون، والفيلم شغَّال، رأى بقية الفيلم!! الجماعة الذين سيخرجون إلى قبرص، ورأى بعد ذلك الجماعة الذين سيدخلون القسطنطينية!! أفلام الحضرة الإلهية لِمَا سيحدث لهذه الأمة المباركة التَّقِيَّة النَّقِيَّة، أراها الله عزَّ وجلَّ للحبيب صلى الله عليه وسلم، وخصَّه بهذه الخصوصية. فيأتي بعد ذلك في عصر معاوية بن أبي سفيان يجهِّز البحر، من أجل أن يذهبوا لجزيرة قبرص - والتي هي مقابل الشام – تخرج أم حرام وزوجها في هذه الغزوة، نزلت على أرض الجزيرة، فالحمار الذي كانت تركبه لم يتوقف ونزلت فجأة فماتت، فدفنت ومقامها موجود إلى يومنا هذا في هذا المكان، في ذاك الموضع تطبيقاً لبصيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم (رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنس رضي الله عنه).
    حتى بعد ذلك ... إلى قيام الساعة، يأتي ويقول لهم ذات مرة – مثلاً: (ستفتح عليكم بعدي مصر- هل كان أحد يتوقع أن تفتح مصر؟!! - فاتخذوا منها جنداً كثيفاً، فإنَّ جٌنْدَهَا خَيْرُ أجناد الأرض، واستوصوا بقبطها خيراً فإنَّ لهم ذمة ورَحِماً)
    (الطبراني وتاريخ مصر لابن يونس واللفظ له عن كعب بن مالك، وذكره العلوجي  في الخفاء عن عمرو ين العاص).
    عرَّفنا أن مصر ستنفتح، وأن جنود مصر هم الذين سيحملون راية الإسلام. حدث ذلك أم لم يحدث؟!! كل المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام من الذي تحملها؟ من الذي قال هذا الكلام؟ حضرة النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قال ذلك، وبيَّن ذلك!! وقال فينا نحن: (وأنهم وأزواجهم في جهاد إلى يوم القيامة).
    لو قال إنهم في جهاد فقط ولم يقل أزواجهم، كان هذا الجهاد في الحروب فقط، لكن يقول: (هم وأزواجهم)، إذن إنه جهاد في الكهرباء، والعيش، والبوتاجاز، وفي البنزين، وفي كل حاجة كما نرى الآن، (إنهم وأزواجهم) فيكون الجهاد للكل. من الذي قال هذا الكلام يا إخواني؟!! سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثم يتحدث صلى الله عليه وسلم عن كل - لا أريد أن استطرد حتى لا يطول الكلام – ما سيحدث في أمته إلى يوم القيامة، إلى أن ذكر هذا العصر الذي نحن فيه، وتكلم عن الوضع الذي نحن فيه الآن بتفصيل واضح - لا لبس فيه ولا التباس - تكلم عن هذه المشاكل التي نحن فيها!!

    ما المشاكل التي نحن فيها؟!! الإشاعات والشائعات التي يردِّدها المغرضون في وسطنا، وأهل الغرب واليهود وغيرهم وغيرهم، حتى يشككونا في أنفسنا!! مَنْ يقول: إن مصر انتهت وستتحطم اقتصادياً، لن يجدوا أكلاً ولا شرباً، ومَن يقول: ما هو إلاَّ شهر أو شهران وستكون مصر مظلمة ظلاماً دامس، لن يكون فيها لا كهرباء ولا شمعة، حتى ولا حاجة، ومَنْ يشيع: إن المتآمرين مكرسين جهودهم ليقطعوا ماء النيل، ولن تجدوا ماءً يأتي إليكم بعد اليوم!! يريدون أن يحيطوا بنا من كل جهة!!! ومَنْ يقول: أن الخيرات ستنضب من مصر ولن يجد أحدٌ حاجة يأكلها أو يشربها، ولا خير ولا غيره. كل هذا يا إخواني ترويعٌ للمؤمنين، وتخويفٌ للمسلمين!!

    فيأتي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقول: لماذا أنتم خائفون؟!! أنا مكلفٌ بكم!! كيف نخاف وفينا رسول الله؟!! (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ) (33الأنفال)، إنه يحمل همَّنا .. يحمل همَّنا في الدنيا وفي الآخرة. في الآخرة: في كل مواقفه يناجي الله ويقول له: (أمتي أمتي .. أمتي أمتي) فيقول لسيدنا جبريل: انزل طمئنه، انزل وقل له: (يا محمد أبشر، فإن الله يقول لك لن نسيئك في أمتك) (رواه مسلم – نزهة المجالس ومنتخب النفائس) لا تخشى عليهم. فاطمأن صلى الله عليه وسلم، لكنه يكرر مرة أخرى لغاية ما ربُّنا سبحانه قال له: كفاك ،
    (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) (5الضحى)، فاطمأن علينا تماماً.
    بالنسبة للآخرة قال: لا تخافوا، أنتم لكم حساب مخصوص - بالفضل والناس كلها حسابُها بالعدل .. بالذرة والقسطاس المستقيم. أنتم تكونون آخر الناس في الدنيا، لكن أنتم أول الناس في الحساب، حتى لا تمكثون هناك طويلاً وتدخلون الجنة على الفور.  أول أناس سيدخلون الجنة أنتم!! والحساب كيف يكون؟ قال: بينكم وبين الله، حساب خاص بالفضل - بفضل الله عزَّ وجلَّ. يعني: لا نخاف؟ قال لك: إنه سبحانه طمأنني: (يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) (8التحريم). خزي: يعني فضيحة، لا فضيحة إلا لِمَنْ يفضح نفسه، فهو وشأنه. من يفضح نفسه هنا في الدنيا!!ولذلك قال لنا: 
    يا أيها الناس .. (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَى إِلاَّ المُجَاهِرِين) (أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة). الذي يقعد يقول: أنا عملت، وأنا سويت، وأنا ضربت كذا، وأنا فعلت كذا. هو الذي فضح نفسه!! ومع ذلك لو تاب وأناب سيتوب عليه التواب عزَّ وجلَّ!!
    لكن المصيبة لو ظلَّ على هذا الوضع إلى أن يلقى الله. غير ذلك – قال: لا .. هؤلاء سيكون حساباً يسيراً. من سيُحَاسب؟ هل هناك أحد لا يُحاسب؟!! إن أغلب الأمة لن يُحاسب، لِمَ؟ قال: (سألت الله عزَّ وجلَّ أن يجعل عذاب أمتي في الدنيا بالزلازل والجوع والمرض) هذا هو العذاب الخاص بنا في الدنيا، كل واحد ينال حقَّه ونصيبه في هذه الحاجات إلى أن يخرج من الدنيا فلا يتبقى عليه شيء!!


     قال صلى الله عليه وسلم: (مَا يُصِيبُ المُؤمِنَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبِ- أي: مرض- وَلا هَمٍّ وَلا حَزَنٍ وَلا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكُهَا إِلاَّ كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ) (رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة). وهذا البلاء يظلُّ إلى متى؟ قال: (ما يزالُ البلاءُ بالمؤمن والمؤمنة في نفسهِ وولدهِ ومالهِ حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة) (رواه الترمذي عن أبي هريرة رضيَ الله عنه) بأيِّ شيء يطهره؟ بالبلاء!! يطهرنا به ربُّ العزة عزَّ وجلَّ.
    والذي لديه طمعٌ في مقام كريم في الجنة، ونفسه لا تعينه على عملٍ يوصله لذلك - شغلاه بالتلفزيون، وشغلاه بالدنيا والملاهي - يريد أن تكون له مكانه كبيرة في الجنة، لكن العمل لا يبلغه هناك، فيكون البلاء!!
    قال صلى الله عليه وسلم: {إن الله ليرفع العبد الدرجة في الجنة بالبلاء، لا ينالها بشيء من عمل} {أخرج ابن حبان في صحيحه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الرجل ليكون له عند الله منزله فما يبلغها بعمل فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها)}. العمل لا يوصل، فيأتي له البلاء. طيب ومن الذي سيدخل الجنة من غير حساب؟ قال: أغلب هذه الأمة!!
     (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) (10الزمر).
    كل واحد صبر في الدنيا على أي أمر من الأمور، فيكون قد دخل في هذه الآية!، فسيدخل الجنة من غير ماذا؟ من غير حساب!! من الذي سيحاسب؟ إنها قلة قليلة من المؤمنين، وحسابهم سيكون بالفضل، وهذا بينهم وبين الله يقوله تعالى: (يدني الله عزَّ وجلَّ أحدكم ويكلمه بغير ترجمان، بعد أن يدني عليه جلباب الكبرياء – لا أحد يرى ما يحصل - ويقرِّره بذنوبه، ويقول: أنت فعلت كذا؟ يقول: نعم يا ربّ. يقول: ومن الذي سترها عليك في الدنيا؟ يقول: أنت يا رب. يقول: أنا سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، أدخلوا عبدي الجنة برحمتي) {متفق عليه من حديث بن عمر رضي الله عنهما بلفظ: (إن الله يُدني المؤمن فيضع عليه كَنَفَه ويستُره فيقول: أتعرفُ ذنب كذا؟ أتعرفُ ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي ربِّ. حتى إذا قرّره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك قال: سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيُعطى كتاب حسناته، وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: " هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين " (18هود))}.

    الفضيحة لمن؟ صنف واحد فقط!! المجاهرين، الذين يجاهرون بالمعاصي ولم يتوبوا من الكبائر، ولم يتوبوا منها إلى الله عزَّ وجلَّ قبل الموت، وهذه قلة قليلة والتي قال حضرةُ النبيِّ: حتى هؤلاء لن أتركهم!! بعد أن يأخذوا الأحكام أشفع فيهم لربِّ العزة في تخفيف هذه الأحكام: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) (رواه أبو داود والترمذي بسند صحيح). إنه قد أخد حكماً!! فتكون الشفاعة منه صلى الله عليه وسلم يخفف عنه الحكم، ولذلك لا يوجد أحد من أهل الجنة من المؤمنين يدخل النار ويأخذ تأبيدة، التأبيدة لمن؟ للكافرين والمشركين، لكن بالنسبة لنا خاصة فترة معينة ويأتي بالشفاعة يخفف الحكم ويأخذ عفواً إلهيًّا بشفاعة سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم.

    قد اطمئن علينا في الآخرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أن سيدنا جعفر الصادق رضي الله عنه قرأ قول الله: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) (5الضحى)، فقال: ولن يرضى صلى الله عليه وسلم وواحد من أمته في النار. لا يزال يشفع ويشفع إلى متى؟ إلى أن يأخذ العفو العام.
    وأما في الدنيا رأى هذه الحاجات التي أهلك الله بِهَا أمم الأنبياء والتي بخوف بها الناس أممهم وشعوبهم، وقعد يصلي .. مرة يصلي في الصحراء، ومرة يصلي بعد العشاء، ومرة يصلي ساعة الضحى، ومرة يصلي بين المغرب والعشاء، ويصلي ويطيل، فقالوا: (يا رسول الله ما هذه الصلوات التي تصليها؟ قال: إني أصلي صلاة رغبة ورهبة لله عزَّ وجلَّ). ماذا تريد بهذه الصلاة؟ وما المطلوب؟ قال: (سألت ربي عزَّ وجلَّ لهذه الأمة ألا يهلكهم بسَنَةٍ عامة – قحط - فوعدني بذلك. قال: كذلك فلا تخف، لن يأتي قحط يعم الأمة أبدًا، ولذلك لو نظرتَ للأمة الآن مَنْ أغنى أمة في الوجود يا إخواني؟ أجيبوني .. أمة رسول الله!!! الدول الغنية كلُّها غنية بأيِّ شيء؟ بودائع الدول البترولية، أم غنية من نفسها؟ غنيَّة بودائع دول البترول؟ أليس كذلك يا إخواني؟ بودائع الدول المنتجة للبترول، لو سحبت هذه الودائع كل تلك الدول ستنكشف!! إذن من أغنى الدول حالاً؟ في المال .. الدول الإسلامية العربية.
    أغنى الدول في الأراضي الزراعية؟ الأراضي الإسلامية .. العراق، السودان. لو زُرِعَتْ ما فيها بالمياه التي فيها ستكفي العالم كله – ليس هم فقط - تكفي العالم كله. الأراضي التي في العراق والتي في السودان، لكن لا يوجد تنسيق بينهم!!  وهذا الذي قال فيها حضرة النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر كل المعادن التي توجد في الدنيا هنا!! موجودة عندنا هنا. ما أغنى دولة في العالم في الذهب حالاً يا أحباب؟!! مصر .. أغنى دولة في العالم في الذهب!!! كنوز الذهب موجودة، وصوِّرتها الأقمار الصناعية!! لكن للأسف تاركين العصابات هي التي تذهب لتستخرجها، والدولة تاركة هذه العصابات، والدولة لا تهتم!! طيب ما تستخرجوها ووزعوها على الفقراء!!! إنها بالفعل موجودة!! وغيره وغيره، خيرات وكنوز البلاد الإسلامية من غير حساب، وعلى سطح الأرض الخيرات من غير حساب - ومعهم كل الإمكانيات، التي تجعلهم في أعلى مستويات البشرية في معيشة الحياة الدنيا، وفي الرفاهية والازدهار، وغير ذلك من الأمور، لكن كل المشكلة هي النفوس!!
    قال صلى الله عليه وسلم: (سألت الله ألا يهلك أمتي السنين - يعني: بقحط، فوعدنيه، وسألت الله عزَّ وجلَّ ألا يهلك أمتي بالجفاف - يعني: بقلة الماء، فوعدنيه). ليس هذا فحسب، بل إن كل واحد فينا معه كارت من ملك الملوك - لو احتاج الماء في أي زمان ومكان - ينادي الله، ينزِّلُ له الماء فورًا، وهذه خصوصية لنا فقط!! وهي غير موجودة إلا في الأمة المحمدية، التي ما اسمها؟ أي صلاة؟ صلاة الاستسقاء!! أي واحد فينا حتى في الصحراء ويريد الماء، ما عليه إلا أن يصلي ركعتين .. يدعو الله فتأتي له المياه فورًا!! تأتي له سحابة مخصوصة .. يفجر له من باطن الأرض بئراً مخصوصاً .. وهذا قد حصل للسادة الصالحين - فيما لا يعدُّ ولا يحدّ.- لو أردتم قصصاً في هذا المجال نقعد شهرين أو ثلاثة نحكي ولن ننتهي!! هذه خصوصية للأمة المحمدية، كل واحد فينا معه كارت، لو قال: يا ربّ، تنزل المياه!! (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) (2، 3- الطلاق).
    (سألت الله عزَّ وجلَّ ألا يهلك أمتي بما أهلك به أهل الأمم السابقين، فوعدني بذلك – يعني: لا خسف، ولا مسخ، ولا غرق، ولا حرق، ولا صاعقة، كل هذه الحاجات التي نقرأها في القرآن: (فمنهم من أغرقنا) ()، ومنهم كذا، ومنهم كذا. والتي أمتنا محصنة منها.
    (سألت الله عزَّ وجلَّ ألا يسلط عليهم عدواً من غيرهم فيجتاحهم، يستولي على بلاد المسلمين كلها. لن يحصل، يغتصبون جزءً بسيطاً - لكنه تأديب لنا - ونسترده ثانية، لكن يأخذون الأمة الإسلامية كلها .. لا يكون.
    وجاء على المشكلة التي نحن فيها: (سألت الله عزَّ وجلَّ ألا يجعل بأسهم بينهم، فمنعني) (رواه بن أبي شيبة عن حذيفة بن اليمان ومعاذ بن جبل وصهيب رضي الله عنهم). هذا الحديث - يا إخواني - مرويٌّ منه حوالي أربعة عشر رواية، هناك خلاف في الأجزاء الأولى، لأنه في كل حديث يسأل حاجة أخرى غير التي في الحديث الثاني، لكن في كل الأحاديث يسأل - في آخر الحديث: (ألا يجعل الله بأسهم بينهم فيمنعه الله من ذلك!!) وعرَّفنا أن المصيبة التي عندنا حالاً ما هي؟ البأس الشديد بينا وبين بعضنا.
    أخبروني أيها الأحباب: العصابات التي على الطرق تقطع الطرق، هل هي تأتي من تل أبيب، أم من حيفا، أما من يافا؟!! من عندنا هنا، مسلمون أما غير مسلمين!! إذن بأسنا بيننا شديد. الظلم الذي حاصل في الأعمال وفي الأحكام، وغيره وغيره، من أين؟ نحن الذين نظلم بعض!! الظلم الذي حادث في الأسعار، التجار الذي عندنا هل أتوا من الصين أم من اليابان أم من أيِّ بلد؟ أليسوا تجارنا كذلك!! وغيرهم الذين يقطعون الكهرباء في تلك الأيام التي مضت!! تاجر واحد من هؤلاء التجار- تاجر واحد فقط - باع ثلاثة ملايين موتور في تلك الفترة!!
    وطبعا يريدون أن تتكرر ثانية ليبيع مرة أخرى!! ما أتى به من الصين، وما جاء به من الهند، والذي استورده من كوريا، وكل واحد له سعر، والأسعار أضعاف مضاعفة!! من الذي يفعل هذه الأمور؟ إنهم المسلمون!! وهذه هي المصيبة والكارثة التي حلت بنا في هذه الأيام!!
    المتصارعون والمتنافسون على الحكم، المنافسون والمعارضون كله يسعى، ماذا يريدون؟ يريد الحكم، ويبغي المناصب، يريد المقاعد في الشورى، والمقاعد في الشعب. الشعب جائع، الشعب عريان، ليس لهم شأن بهذا الموضوع!! هذه هي المشكلة التي نحن فيها!! هل على هذا النسق كان حكام المسلمين الأولين؟!!!
    عمر رضي الله عنه لما حدثت المجاعة في جزيرة العرب، كان يطبخ اللحم ويعمل الثريد - الفتة بالسمن واللحم – ويُطعِم الفقراءَ والمساكين، وهو يغلي الزيت ويغمسه في الخبز حتى يأكل!!! هل هناك أحد الآن - مهما كان طبعه - يقدر يغمس عيش بزيت يا إخواني؟!! خليفة المسلمين، يقولون له: ألا تأكل مما تطعمه للناس؟ يقول رضي الله عنه: والله لا أذوق سمناً ولا لحماً حتى يشبع كلُّ فقراء المسلمين.
    نمط فريد!! أين هو هذا النمط يا إخواني؟ قد يتعلل البعض بأنه سوف يعمل كعمر .. أنا ليس لي شأن بالكلام، أنا أريد الفعال، لأنهم رضي الله عنهم كانوا فعَّالين وليسوا قوَّالين!! وغيره وغيره من السادة الأبرار الأطهار، الذين مشوا على نهج النبيِّ المختار صلى الله عليه وسلم.
    فنحن محتاجين في هذا الزمان يا أحباب ألا نخاف من شيء - والحمد الله مطمئنون، لن نجوع، ولا نحمل همَّ الماء، لأن الماء إن لم تأتِ من الحبشة سيأتي من مصر!! الذي ينزِّلُ المطر – سبحانه - بدل ما ينزله هناك سينزله هنا، ما المشكلة في ذلك؟ وأنت لو أنك تتابع الأخبار كما نتابعها، حالاً الذي يغذي ماء النيل ليس من هناك فقط، فيه مياه تأتي من هناك، وفيه مياه تأتي من الوادي الجديد!! تذهب عند أسيوط الآن، فرع قادم من عند أسيوط، فيه فيضان يحدث هناك وينساب على النيل، وهذا غير العيون الجوفية التي في النيل من أسفله بفضل الله عزَّ وجلَّ.
    قال صلى الله عليه وسلم عن النيل: (يَنْبُعُ مِنْ الجَنَّةِ) (متفق عليه عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (رفعت إلى سدرة المنتهى في السماء السابعة , نبقها مثل قلال الهجر، وورقها مثل آذان الفيلة, ويخرج من ساقها نهران ظاهران ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال : أما النهران الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات).
    ماذا تعني كلمة (جنَّة)؟ لا أحد يعرفه ولا يراه!! فلِمَ تخافون من هذا الكلام؟ في خلافة سيدنا عمر لما وجَّه سيدنا عمرو بن العاص ووجد أن أهل مصر كانوا يأتون كلَّ سنة - ويعملون عيداً يسموه "وفاء النيل"، ويأتون ببنتٍ بِكْر، لا تزال بجمالها، ويلبسونها ويزينونها، ويضعون لها الذهب، ثم يرمونها في النيل - حتى يأتي النيل بالفيضان!! فبعت لسيدنا عمر؟ قال له: لا تفعل أوقف هذا الكلام - وبعث إليه بورقة صغيرة - وقال له: ارمِ مكانها هذه الورقة، وقد كتب فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم .. من عبد الله عمر بن الخطاب إلى نيل مصر، إن كنت تجري من عندك فلا حاجة لنا بك، وإن كنت تجري من عند الله فَسِرْ على بركة الله). أقام سيدنا عمرو حفلا كبيراً كما كانوا يعملون، وبدلاً من أن يرمي عروسة النيل، رمي هذه الورقة في النيل، ولم يكن فيه قطرة ماء، في اليوم التالي وجدوا النيل ارتفع سبعة عشر ذراعاً. من أين أتى؟!! قال كذلك: (النيل والفرات نهران من الجنة) من أين يأتيا؟ من الجنة .. فمِمَّ تخافون أيها الأحباب؟!!
    الجزيرة العربية التي هيه صحراء الآن والتي ليس فيها أية ماء .. ماذا يقول فيها حضرة النبي؟ اسمعوا أحاديث الزمان الذي نحن فيه!! (لن تقوم الساعة حتى ترجع جزيرة العرب إلى مروج خضراء كما كانت قبل ذلك) {روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لن تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا)}. الجزيرة العربية ترجع مرة ثانية. ما هذا الخير؟!! يأتي العلم ويقول: أن هناك دورات كونية، دورة كان الماء فيها - أيام القدماء المصريين - كانت المياه فيها تنزل على جبال البحر الأحمر، فكنا مكتفين ذاتياً من عندنا هنا، بعد فترة راحت المياه جنوباً وبقت عندنا صحراء.
    نفس الحكاية بالنسبة للجزيرة العربية .. القادر عزَّ وجلَّ - يغيِّر ولا يتغيِّر، ويحوِّل ولا يتحوَّل - كفيل بأن يُجري الماء لمن يشاء بما يشاء كيف يشاء، وهو على كل شيء قدير.
    لا نخاف من القحط، ولا نخاف قلة الماء، كل الذي نخافه .. ما هو؟ طالما أننا مازلنا مع بعض غير متوافقين، ومختلفين، ومتربصين لبعض في الدنيا، نريد أن نخطف الدنيا من بعضن، نحاسب بعضنا من أجل الدنيا!! كل حروبنا من أجل متاع دنيويّ فانٍ - ما دمنا على هذه في الحالة فهي التي تخيفنا يا إخواني - ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (ما الفقر أخشى عليكم – إذن ممَّا تخاف علينا؟ - قال: أخشى ما أخشاه عليكم أن تتنافسوا في الدنيا) {رواه مسلم عن عمرو بن عوف رضي الله عنه بلفظ : (فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم)} - التنافس الذي نحن فيه، إنها المصيبة التي خوَّفنا منها سيدنا رسول الله!!
    أما أصحابه ففي أيِّ شيء كانوا يتنافسون؟ كانوا يتنافسون في عمل الخيرات، في عمل الطاعات، في الجهاد في سبيل الله، في نصرة رسول الله، في تعليم كتاب الله، في العمل الصالح الذي يجدوه عند الله!! هذا التنافس هو الذي كانوا فيه، والذي ربُّنا قال لنا فيه: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (26المطففين).
    لو أهل مصر تنافسوا في نشر دين الله، سترون الخير الذي يأتيهم ويحفُّهم من عند الله لا مثيل له!! نحن مكلفون برسالة .. ما رسالتنا؟ نبلِّغُ دين الله مَنْ في إفريقيا، ومَنْ في أوروبا، والذين في أمريكا، والذين في روسيا .. هذه رسالتنا!! سنقوم بهذه الرسالة، يبارك الله فينا ويعطينا ويزيد، ونعطي لمن شئنا من العبيد!! لأن هذه حكمة الله عزَّ وجلّ َمع كلِّ عَبْدٍ رشيد.
    أما إذا انشغلنا بجمعها، ليس لنا شيء، ولن نأخذ منها أيَّ شيء إلا القليل، وأقل من القليل، لأن الله عزَّ وجلَّ قضى - وقضاؤه لا يرد - وقال: (يا دُنيا: مَنْ خدمني فاخدميه، ومَنْ خدمك فاستخدميه). فلو فرَّغ أهلُ مصر أنفسهم لطاعة الله، والعمل على نشر دين الله، لجدَّدوا الأحوال الإيمانية، لأننا سنرى فعلاً الإسلام - الأخوة .. المودَّة .. المحبَّة .. التعاون .. التَّباذل .. التواضع - كل هذه الأخلاق الإسلامية الجميلة، على الفور سيحوِّل الله عزَّ وجلَّ حالنا إلى أحسن حال.
    نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يصلح أحوالنا، وأن يذهب فساد قلوبنا، وأن يملأ بالمودَّة والمحبَّة صدورنا، وأن يملأ بالنُّور الإلهيِّ والإيمان والخشية والتُّقى قلوبنا، وأن يجعلنا جميعاً عباداً نورانيين ربانيين، ويخلقنا بأخلاق سيد الأولين والآخرين.
    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
    **************************


      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 14, 2017 10:33 pm