السعادة والصفاء

السعادة والصفاء

سر الوصول إلى السعادة والصفاء والسلام النفسي ،أسراروأنوار القلوب التى صفت وأشرقت بعلوم الإلهام وأشرفت على سماوات القرب وفاضت بعلوم لدنية ومعارف علوية وأسرار سماوية



    المآخذ على التصوف والرد عليها

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 1135
    تاريخ التسجيل : 29/04/2015
    العمر : 50

    المآخذ على التصوف والرد عليها

    مُساهمة من طرف Admin في الجمعة أكتوبر 09, 2015 9:50 am

    المآخذ على التصوف
    فما هي المشكلات مع التصوف إذا كان أصله الكتاب والسنة؟
    يمكن أن نشير إلى عشر مشكلات:
    المأخذ الأول: الإسم الذي أصبح بعض مدعي السلفية يحاكم به ويحكم عليه دون تأن ولا تؤدة ولا بحث عن المحتوى وقد قدمنا أن الأسماء والمصطلحات لا عبرة بها إلا بقدر دلالتها وأنه تعالى قال: (وعلم آدم الأسماء كلها)، وعليه فإنها لا توصف ببدعة ولا ابتداع. فأكثر أسماء العلوم الإسلامية لم تكن معروفة في الصدر الأول بهذه الأسماء كالفقه،وحتى مصطلحات أهل الحديث من إرسال وعضل وصحة وحسن ووضع،إلا أن الناس قد تواضعوا عليها واستحسنوها بقدر ما تؤديه من وظيفة البيان وإزالة الإلتباس والإكتنان. فنعمت البدعة هي، كما قال عمر.والأمر  لا يحتاج إلى برهان.
    ويدخل في المصطلحات ألفاظ كالشيخ والمريد والسالك والمجذوب والوتد، ولها دلالات مقبولة وقد استعمل أهل الحديث لفظ الشيخ في التعديل، كما استعمل الطالب والحافظ والحاكم لتمييز رتب المحدثين.
    وكما قال السيوطي:" واعلم أن دقائق علم التصوف لو عرضت معانيها على الفقهاء بالعبارة التي ألفوها في علومهم لاستحسنوها كل الاستحسان وكانوا أول قائل بها وإنما ينفرهم منها إيرادها بعبارة مستغربة لم يألفوها ولهذا قال بعضهم الحقيقة أحسن ما يعلم وأقبح ما يقال. وانا أورد لك مثالا تعرف به صحة ذلك, قال في منازل السائرين حقيقة التوبة ثلاثة أشياء: تمييز التقية من العزة و نسيان الجناية والتوبة من التوبة أبدا, فإذا سمع الفقيه هذا اللفظ وهو التوبة من التوبة استغربه جدا, وقال: كيف يتاب من التوبة وهي عمل صالح وإنما يتاب من المعاصي. وتقرير معناه أن العبد إذا كمل في رجوعه إلى الله لم يلتفت إلى أعماله ولم يسكن إليها بقلبه توبة كانت أو غيرها, فيتوب من سكونه إلى توبته. (تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية ص 17 وانظر مدارج السالكين للمزيد من توضيح هذه العبارات)
    المأخذ الثاني: ما اصطلحت عليه هذه الطائفة من تحديد أعداد الأوراد من الذكر والتلاوة أو نحوه، فقد كان موضع إنكار من المنكرين. وقد حدد عليه السلام أورادا بعد الصلوات وأورادا مطلقة بالأعداد، وأحيانا مع الإشارة إلى استحسان الزيادة، كقوله:" إلا من زاد على ذلك " في ورد: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا من زاد. أوكما قال صلى الله عليه وسلم.
    وجاء في الحديث:" أحب العمل إلى الله أدومه ". وجاء في الحديث:" كان عمله ديمة".
    وإن كان قد ورد إنكار عن ابن مسعود، فهو محمول على من شغله عن عمل أوجب منه، وإلا فحديث المرأة التي كانت تسبح بالحصى أو النوى، وإقراره عليه الصلاة والسلام لها على ذلك خير دليل على الجواز, وهذا الحديث رواه النسائي وابن حبان وأبو داود والترمذي والحاكم وقال: صحيح الإسناد عن سعد بن أبي وقاص.
    وقد كان لأبي هريرة سلك فيه ألف  عقدة.
    فكيف يداوم المرء إذا لم يحص عدد الأذكار بالإضافة إلى تنشيط الهمة وتأكيد الالتزام .
     
    المأخذ الثالث: استعمال السبحة . وقد أجبنا عنه في المأخذ الثاني بما سبق, فلا جرم أن التسبيح في اليد أفضل إلا إذا كانت مصلحة الورد الطويل تقتضي سوى ذلك وقصارى الأمر الجواز.
     
    المأخذ الرابع: الاجتماع للذكر. وقد اعتمد منكروه على إنكار ابن مسعود المردود، وحديث ابن عباس في الصحيح: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله ". يرد عليه.
    ولهذا قال سيدي عبد الله:
        ونصُّه الصريحُ ردَّ المُنكرا       *       والعذر من خفائه قد ظهرا
    وكان عمر يجمع الناس على قارئ، ولم يفعله عليه الصلاة والسلام فدل ذلك على أن الأمر واسع.
    وكان أهل الشام  يقرأون جماعة في القرون المفضلة كما يقول الحافظ ابن رجب.
     
    المأخذ الخامس: مسألة التوسل والتبرك
    وهي مسألة كتب فيها الكثير وكادت أن تصل إلى حد التكفير على الرغم من حديث الأعمى، وهو حديث كما يقول الحاكم صحيح على شرط الشيخين، وأقر الشيخ تقي الدين ابن تيمية بصحته، إلا أنه تأوله وهذا الحديث أصل ولم ينقل عن أحد من الأئمة إنكاره وصح عن الإمام أحمد نصا التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال المرداوي ولو لم يكن له أصل لكفاه أنه لا يوجد نص واحد بخلافه إلا عمومات لا تنهض دليلا.
     
    المأخذ السادس: مسألة الاستغاثة
    وهذ هي الطامة الكبرى والكارثة الجلى، فهي من نواقض الإسلام عندهم، حتى ولو كانت برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد بنوا عليها قاعدة الاستغاثة بغيره تعالى في ما لايقدر عليه إلا الله جل وعلا فجعلوا الاستغاثة بالأصنام كالاستغاثة بسيد الأنام؛مرددين {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة- الآية} إلى غير ذلك من الآيات التي استشهد بها في غير محلها واستدل بها في غير مدلولها، متناسين حديث صحيح مسلم في  ترحُّمه على عامر بن الأكوع، وقول عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: هلا أمتعتنا به  يطلب منه أن يطيل عمره". وهنا لطيفة يغفل عنها كثير من الناس, وهي أن مستويات الإسناد مختلفة فالفعل قد ينسد إلى الله عز وجل باعتبار ويسند إلى غيره من المخلوقات باعتبار آخر. كما في قوله تعالى " الله يتوفى الأنفس" وقوله " قل يتوفكم ملك الموت" فأسند التوفي لله عز وجل تارة وأسنده لملك الموت تارة أخرى. ونظائر هذا في القرآن والسنة كثير.
    وحديث مالك الدار الذي فيه استغاثة رجل به عليه الصلاة والسلام بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى قائلا: استسق لأمتك. وذكر ذلك لعمر, وما أنكره ولم ينكره أحد من الصحابة. وهذا الحديث صححه الحافظ ابن حجر والحافظ ابن كثير. 
    وأنكر بعضهم اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على شؤون الناس في دار الدنيا, مع ما يقتضيه قوله عليه الصلاة والسلام " حياتي خير لكم ومماتي خير لكم" وقد صححه العلماء بما فيهم ابن عبد الهادي مع مذهبه المعروف.  وبالجملة فلو لم يوجد دليل لما كان ذلك دليلا على المنع بل قصارى ما يكون أنه دليل على رفع الحرج وأنه غير مطلوب.   
                                            °°°°°
    وكل هذه القضايا تدخل فيما يسمى ببدعة الترك ولنا فيها بحث طويل في كتاب          " مشاهد المقاصد"، ذكرنا فيه موقف الشاطبي ومن خالفه.
    ومن أبرز من اختلف مع الشاطبي شيخه أبو سعيد بن لب الذي ألف كتابا في الرد عليه في مسألة الدعاء  جماعة عقب الصلوات لما بلغته فتوى الشاطبي، فأنكر ترك الدعاء إنكارا شديدا، ونسب بذلك للإمام أنه من القائلين أن الدعاء لا ينفع ولا يفيد. ولم يأل أن يقيد في ذلك تأليفا سماه " لسان الأذكار والدعوات مما شرع أدبار الصلوات"  ضمنه حججا كثيرة على صحة ما الناس عليه، جملتها أن غاية ما يستند إليه المنكر أن التزام الدعاء على الوجه المعهود، إن صح، أنه لم يكن من عمل السلف، فالترك ليس بموجب للحكم في المتروك إلا جواز الترك وانتفاء الحرج فيه  خاصة. وأما تحريم أو كراهة فلا، ولا سيما فيما له أصل  جملي كالدعاء. فإن صح أن السلف لم يعملوا به، فقد عمل السلف بما لم يعمل به من قبلهم، مما هو خير كجمع  المصحف ثم نقطه وشكله، ثم نقط الآي ثم الخواتم والفواتح وتحزيب القرآن، والقراءة في المصحف في المسجد، وتسميع المؤذن تكبير الإمام، وتحصير المسجد عوض التحصيب، وتعليق الثريات ونقش الدنانير والدراهم بكتاب الله وأسمائه.
    وقال عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، وكذا يحدث لهم ترغيبات بقدر ما أحدثوا من الفتور.
    وجاء: آفة العبادة الفترة وفي القرآن ] وتعاونوا على البر والتقوى [ .
    قلت:هذا جزء من كلام ابن لب، ويضاف إلى ذلك محاريب المساجد والمآذن فقد أحدثت واتفق الناس على جوازها بعد أن اختلفوا في ابتدائها.
    وكذلك تقليد العالم الميت واشتراء كتب الفقه وبيعها أمور اختلف فيها ابتداء وأجمع على جوازها انتهاء، قال في طلعة الأنوار:
    والخلف في تقليد من مات وفي   *  بيع طروس الفقه الآن قد نفي
    وكذلك كتابة الأحاديث النبوية وإفرادها بالتأليف إنما حدثت في نهاية القرن الأول وبداية الثاني بأمر عمر بن عبد العزيز. ولم تكن إلا صحف يسيرة كصحيفة عبد الله بن عمرو،وكذلك تجريد المسائل الفقهية كان من محدثات القرن الثاني وأجمع عليه فيما بعد.
    ومما استدل به القائلون أن الترك لا يستقل دليلا بأنه يحتمل أوجها متعددة:
     أولها: أنه عليه الصلاة والسلام قد يترك شيئا مباحا فلا يدل تركه إلا على رفع الحرج من أجل أنه يعافه مثلا،كتركه لأكل الضب فلما سئل عنه قال :" إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه".وقدم إليه طعام فيه ثوم فلم يأكل منه قال أبو أيوب- وهو الذي بعث به إليه- يا رسول الله أحرام هو ؟ قال:" لا ولكني أكرهه من أجل ريحه".الترمذي قائلا : حسن صحيح(1).
    قلت: ومن الملاحظ أنه عليه الصلاة والسلام لم يبدأ بالإخبار عن موجب الترك حتى سئل .
    ثانيا: أنه قد يترك بعض المستحبات  أحيانا خوفا من أن تفرض على الناس، فقالت عائشة: وما سبح النبي صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى قط ، وإني لأسبحها". وهو  في الصحيح.
    وقد ذكر الشاطبي هذا الحديث وفيه أن عائشة كانت تصلي الضحى ثمان ركعات وتقول لو نشر لي أبواي ما تركتها " وذكر مسألة صلاة التراويح جماعة.
     
    ثالثا: وزاد الشاطبي تفسيرا آخر لترك النبي صلى الله عليه وسلم لبعض المستحبات         وهو الخوف من أن يظن فيها أحد من أمته بعده إذا داوم عليها الوجوب وهو تأويل متمكن حسب عبارة الشاطبي. وقد يترك بعض الصحابة شيئا أمام الناس كما في حديث أبي هريرة عند مسلم .
     
    رابعا: كانوا يتركون بعض المباحات خوفا من اعتقاد الناس أنها من القربات ، كما كان مالك لا يغسل يديه قبل الطعام، وقال لما قدّم له أمير المدينة عبد الملك بن صالح الماء ليغسل يديه قبل الطعام : أما أبو عبد الله " يعني نفسه" لا يغسل يديه قبل الطعام " مع أن مالكا        لا يرى بأسا بذلك كما صرح به في موطن آخر، ولكن يخاف من لزوم الناس لذلك وكأنه واجب كما قال في الموافقات .
     
    خامسا: قد يترك عليه الصلاة  والسلام أمرا لأنه خلاف الأوْلى، فيفعل الأوْلى ويواظب عليه. وربما فعل المتروك في أوقات نادرة لبيان الجواز وعدم الكراهة فقد صح أنه عليه الصلاة والسلام  قدمت إليه ميمونة رضي الله عنها المنديل لينشف به أعضاء طهارته فلم يمسه. وفي رواية:لم يأخذه، وفي رواية: فرده. فعلق إمام الحرمين في نهاية المطلب على ذلك بقوله :ولو نشف" شخص" لم ينته أمر ذلك إلى الكراهة ولكن يقال ترك الأوْلى، وقد روي أنه عليه السلام نشف أعضاء وضوئه مرة. وكان عليه السلام يواظب على الأوْلى ويأتي بما هو جائز في الأحايين فيتبين الأفضل بمواظبته والجائز بنوادر أفعاله.
     
    خلاصته: أن أصل هذا الخلاف يدور على أربعة أصول :
    أولا: هل البدعة صنف واحد أم أنها أصناف بحسب الدليل الذي يشملها.
    ثانيا: هل الترك مع قيام الداعي في التعبديات له دلالة على النهي أو لا دلالة له على ذلك
    ثالثا : الفرق بين الموجب وبين المقتضي.
    رابعا: الفرق بين إضافة المتروك إلى عبادة محدودة واعتقاده جزءا مكملا لها فلا يشرع أم عدم إضافته فيرد إلى أصل الإباحة أو الاستحباب.
    ونحن نرى صحة ما ذهب إليه الإمام ابن عرفة من التفصيل بين ما أضيف إلى عبادة بحيث يصبح وكأنه جزء منها فهذا غير مشروع وما سواه.
    ونضيف إليه ثلاثة ضوابط كالتالي :
    الضابط الأول: أن لا يعطي حكما شرعيا كالوجوب أو الندب إذا لم يكن مشمولا بدليل كالأدلة المتعلقة بالذكر الدالة على استحبابه في كل الأحوال فلا يجوز لمن اختار تلك الأذكار أن يقول إنها واجبة مثلا إلا إذا كانت بنذر.
    الضابط الثاني: أن لا يحكم لها بثواب معين، فإن من يحدد الثواب ومقاديره هو الشارع، والدليل على ذلك أن الصحابي الذي قال: اللهم ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ...الحديث : لولا أن الشارع أخبر بعظم ثوابها ما كان لأحد أن يحدد لها ثوابا معينا. إلا أنه يدل من جهة أخرى  على أنه لا حرج على من أنشأ محامد في إطار ما علم من صفات الله تعالى وأسمائه، وأن الأمر ليس فيه توقيف فهو عليه الصلاة والسلام لم يلمه على ذلك، بل أقره و أثنى عليه.
    الضابط  الثالث: أن لا يشمل المتروك دليل  نهي من تحريم أو كراهة.
     
    تلك هي الضوابط الأربعة التي سبق عن ابن عرفة شيخ المالكية بعضها، فمن ترك شيئا احتياطا فلا لوم عليه، ومن فعل القربات بضوابطها استكثارا من الخير، فهو على خير، ولا ينبغي أن ينكر البعض على البعض في مواطن الاجتهاد، بله التشنيع والتبديع " وإنما الأعمال بالنيات".
    وفي المسألة مجال فسيح وميدان واسع ولولا خوف الإطالة والخروج عن الغرض لذكرنا من مسائل الصحابة والسلف ما يدل على سعة الأمر فعلا وتركا وإعمالا وإهمالا، والله سبحانه وتعالى أعلم.
     
    المأخذ السابع: مسألة الشيخ
    وهذه مسألة  عند العلماء لا تخرج عن مسألة الصحبة المدلول عليها بحديث سلمان وأبي الدرداء حيث بات معه فكلما قام للصلاة أمره بالعودة للنوم وذلك حين بلغه أنه يطيل القيام والصيام, وقد بنى الفقهاء على هذا الحديث مسألة جواز إفطار الصائم في التطوع بأمر الشيخ. قال في المختصر (إلا لأمر كوالد وشيخ وإن لم يحلفا). وفي الشروح "وأمر شيخ الصوفية أولى". وكما أن الفقه يحتاج إلى شيخ لإرشاد الطالب إلى مواطن الاشتباه فكذلك حال علم أحوال النفوس وأمراض القلوب يحتاج فيه إلى شيخ قد عرف أحوال التقوى وسبر حالات النفوس وخبرها.
     
    المأخذ الثامن:زيارة قبور الصالحين والسفر لها
    معروف أن زيارة قبور الصالحين من القضايا التي يهتم بها الصوفية وأن جمهور علماء الأمة على جواز ذلك، بل واستحبابه لدخوله في الأمر العام وأنه لا فرق بين الركوب والمشي وأن حديث لا تشد الرحال خاص بالمساجد فيمن نذر أن يصلي في مسجد فلا يلزمه الانتقال إليه إلا أن يكون أحد هذه المساجد المنصوص عليها.
    قال الحافظ ابن الجزري إن قبور الأنبياء والصالحين مظنة استجابة الدعاء. وإن هذه الزيارة يجب أن تتسم بالآداب الشرعية من خشوع ودعاء لهم وللمسلمين دون أبهة جماعية ، حتى    لا يقع الزائر في النهي المشار إليه في قوله "لا تتخذوا قبري عيدا" رواه أبو داوود في سننه ولهذا قال أحد علمائنا
    إصلاح قلبك ونفع الميت  والاعتبار انو لدى الزيارة
    أما زيارة الضريح النبوي الشريف، فقد اتفق الأئمة الأربعة على الترغيب فيها واستحبابها وقرنوها بالحج والعمرة، وهذا الاتفاق نص عليه الوزير ابن هبيرة الحنبلي وغيره.
     
    المأخذ التاسع: مسألة الوجد والتواجد
    وهي مسألة ضبطها محققو الصوفية كسيدي أحمد زروق. فالوجد عند القوم يرتبط  بحال المتواجد، فإن كان مغلوبا على أمره فهو معفو عنه، وإن كان سوى ذلك فعلى الراسخين أن يوجهوه.
    ولهذا اشترط بعضهم الغلبة حيث يقول الأخضري في القدسية ؛
    والرقص والصراخ والتصفيق            عمدا بذكر الله لا يليق
    وإنما المقصود بالأذكــــار          الذكر بالخشوع والوقــار
    وغيره حركة نفسيـــــــة          إلا مع الغلبة القويـــــة
     وهذه الغلبة واقع، وتوجد  حكايات كثيرة في كتب القوم عن الكبار في هذا الشأن.
    وذكر شيخ مشايخنا الشيخ علي بن آف في نظمه " هداية المغتر وكفاية المعتر" بأن التواجد يغلب على الضعاف حين تغشاهم الواردات، وذلك بقوله:
     الدامغ الباطل والعوائدا    من حضرة القهار سم الواردا
    فالواردات كالرياح والقلوب     مثل الغصون والثمار والحبوب
    فالرجل الضعيف غصنا يفزع     لكل وارد عليه يقع
     
    المأخذ العاشر: دعاوى الكشف والاطلاع على الأسرار والخوارق
    وهذا الأمر في أصله لا إشكال فيه، فكرامات الأولياء أمر يعتقده أهل السنة وهي دليل على الخير وقبول العمل وقد يحجب عنها أناس فينكرونها "وقد وقع من ذلك للسلف الصالح الشيء الكثير " . أما ما يقع من الدعاوى فهو مردود على أهله ومحاكم بأصله وقد أنكره القوم  أشد إنكار . فعالم الغيب  بالأصالة هو الباري جلت قدرته ولكنه يعلّمه لمن يشاء من عباده من نبي مرسل وملك وولي والكرامات لا تخالف مأثورا ولا تعارض مشهورا، وكل ما يخالف فهو مردود، وعن حياض العارفين مطرود، قال ابن  عطاء الله : (ما من حال يتحققه ذو الحال  إلا ويدعيه ذو المحال ليهلك هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة).
    وخلاصة القول إن الصوفية ليست دينا خاصا، وإنما على نوع من التخصص الوظيفي (وذروا ظاهر الاثم وباطنه) لمعالجة باطن الاثم وأحوال القلوب طبقا للكتاب والسنة واجتهاد الائمة واستحسانات الشيوخ،
    وهنا أوجه دعوة للصوفية والفقهاء لتجديد هذا العلم بإيضاح فضائله، وتفصيل مسائله،  ووضعه في صحيح إطاره وإظهار ما ألصق به " مما ليس داخلا في حقيقته،ولا موافقا لطريقته. وبذلك  تحيى القلوب وتشرق الأرواح، وفي ذلك حياة الدين، لأنه إحياء لعلوم الدين كما سماه شيخ التصوف الرياضي أبو حامد ، وأن تعقد ندوات لتجديد التصوف. وهذا التجديد المنشود يبدأ بإزالة الجفوة بين الفقه والتصوف فهما صنوان و"شقيقان في الدلالة على أحكام الله تعالى وحقوقه" على حد عبارة سيدي أحمد زروق في القاعدة 20 من قواعد التصوف.
     فالتصوف حجة على الصوفي وليس الصوفي حجة على التصوف، وما ذلك بعزيز على همة أخينا أحمد التوفيق وفقه الله لخير الدارين وأفضل النجدين وجمع له بين الحسنيين.
    العلامة عبدالله بن بيه 

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت فبراير 24, 2018 4:03 pm