السعادة والصفاء

السعادة والصفاء

سر الوصول إلى السعادة والصفاء والسلام النفسي ،أسراروأنوار القلوب التى صفت وأشرقت بعلوم الإلهام وأشرفت على سماوات القرب وفاضت بعلوم لدنية ومعارف علوية وأسرار سماوية



    النفس البشرية أمراضها وتزكيتها

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 1144
    تاريخ التسجيل : 29/04/2015
    العمر : 51

    النفس البشرية أمراضها وتزكيتها

    مُساهمة من طرف Admin في السبت أغسطس 08, 2015 8:41 pm




    الإمام المجدد السيد / محمد ماضي أبوالعزائم
    النفس البشرية 


    تعريف النفس:



    عرف النفس بتعاريف متعددة منها:



    - النفس جوهرة روحانية، حية علامة، فعالة بإذن الله.



    - النفس هي اللطيفة النورانية، بل هي الجوهرة الربانية، بل هي الحقيقة التي هي أمانة الله المشرقة أنوارها في هيكل الإنسان.



    - النفس ليست عرضا ولا جوهرا، لأنها لو كانت كذلك لحيزها المكان، ولأدركها الصبيان، ولم يختلف فيها اثنان.



    والنفوس المعروفة سبعة أنواع: جمادية فنباتية فحيوانية فإبليسية فملكوتية فقدسية فالنفس الملكية.




    ومما قاله نظما في بيان حقيقة النفس



    نفسي هي الكنز فيها سر معناه * بغير كيف وفيها نور مجلاه



    جهلي بها الحجب عن علمي بمبدعها * وعلمها كشف حجبي فهم معناه



    نفسي مثال تراءى لي به وضحت * آياته وبه أعطيت جدواه



    نفسي لـه صورة تنبي مشاهدها * إذا تحقق أن المبدع الله



    جهلي بها اللبس والتشكيك أجمعه * وعلمها الكشف عن غيب واخفاه



    جهلي بها التيه بل والبعد عن نسب * بها يلوح جمال الوجه أجلاه



    لو أنها أشرقت نفسا لعالمها * فكت طلاسمه ورقي لعلياه



    يا نفس ما أنت ؟ نور أنت أم عرَض؟ * أم كوكب مشرق بضياء مبناه



    وهل بك الجسم قد قامت معالمه؟ * أو قمت فيه فهذا السر أهواه



    حيرت أفكار أهل العقل لم يصلوا * إلى يقين وفيك ضل أهداه



    العقل يعقل محسوسا ونسبته * لا يدركن رتبتي والمنعم الله



    سري خفي عن الألباب يحجبها * عنه نظائره فيه وأشباه



    من أمر ربي ومن يطلبه يعرفني * فيعرف الله رب العرش مولاه



    ونفخة منه تجلي للمراد لـه * فتشهد الوجه بالتنزيه عيناه



    من كان يعرفني بالفضل يعرفه * أنا المثال لـه أفق لمرآه



    والإمام أبو العزائم يبين أن الوصول إلى الله تعالى مبنى على أصلين عظيمين وهما:


    1- صفاء جوهر النفس.


    2- استقامة الطريق.


    ولما كان صفاء جوهر النفس لا يتحقق إلا بمعرفة النفس وأمراضها وكيفية علاجها، تحدث الإمام في عدة مؤلفات منها (دستور السالكين طريق رب العالمين) فوضع في هذا الكتاب رسالة الشفاء من بعض أمراض النفوس، وكتاب (مذكرة المرشدين والمسترشدين) الذي تناول فيه طرق تزكية النفس فبين أمراض النفوس وبين أسباب مفسدات النفس، وفي كتاب (معارج المقربين) تناول الحديث عن النفس من حيث تعريفها ومعنى صفاء جوهرها وفضائل النفس ورذائلها، كما أشار إلى لذة النفوس الطاهرة وأقسام تزكية النفس وأنواع النفوس، وفي كتاب (شراب الأرواح) تحدث عن مداراة النفوس والمشاهدات والمنح الربانية التي تفاض على السالك.


    الإمام وأمراض العصر:


    لم ينفصل الإمام عن الحياة في المجتمع الذي يعيش فيه، بل كان العصر وما يزخر به من أمراض النفوس المختلفة هو شغله الشاغل الذي جعله لا يعرف للراحة سبيلا. نظر إلى أهل عصره وما اعتراهم من ضعف ووهن واستكانة وخذلان ومن سيطرة للمستعمر على كل المقدرات وانتشار للرذائل وتقلص أثر الفضائل وتفشي الخنا واللهو والمخدرات والفجور بين الناس، تكلم عن أمراض العلماء والأمراء، والزراع، والتجار، والدعاة إلى الحق، وأمراض العامة.. فحدد الداء ووصف الدواء.


    النفس تمرض كما يمرض البدن، وكما جعل الله للأبدان أطباء تسارع إليها عند المرض محافظة على صحتها الجسمانية،
    جعل للنفوس أطباء وهم العلماء العاملون والأئمة المجددون في كل زمان لكيلا تبطل حجج الله وبيناته.





    وقبل أن يتناول الحديث عن أمراض النفوس يقول في إحدى مقالاته:


    إذا عرف الإنسان ما جبلت عليه النفس ومعاني ما هي مفطورة عليه، ظهر جليا أنها لا تقبل مواجيد أهل اليقين إلا بالجهاد الأكبر، ويكون المجاهد عالما بما به يكون جهاده في ذات الله تعالى أو في سبيله، وبذلك تزكو نفسه ويتحلى بأحوال أهل المقامات وبمواجيد العارفين.


    إذا تقرر ذلك فاعلم أن النقصان يبدو من الغفلة، والغفلة تنشأ عن آفات النفس، والنفس مجبولة على الحركة وقد أمرت بالسكون وهو اجتلاؤها لتفتقر إلى مولاها وتبرأ من حولها وقوتها، ومثل ذلك قوله تعالى ) وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)(آل عمران: من الآية102) لتفزعوا إليه وتقولوا ) رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ)(لأعراف: من الآية126) وكما قال ) وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولاً) (الاسراء: من الآية11)، )خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) (الانبياء: من الآية37) ثم قال ) سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ)(الانبياء: من الآية37) وقال )أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ )(النحل: من الآية1)، فأخبر عن وصفه بالعجلة ثم أمره بتركها للبلوى، فإن نزلت السكينة وهي مزيد الإيمان سكنت النفس عن الهوى بإذن منفسها، وإن حجب القلب بالغفلة وهي علامة على الافتقار والتضرع تحركت النفس بطبعها فإن سكنت عن حركتها فبالمنة والفضل، وإن تحركت بوصفها فللابتلاء والعدل، فأول الابتلاء وأول اختلافها خلافها، ومقدمته الهمة، وبابه السمع وهو طريق إلى الكلام، والنظر والقول طريق إلى الشهوة، والشهوة مفتاح الخطيئة، والخطيئة مقام إلى النار حتى يزحزح غيها الجبار بالتوبة في الدنيا والعفو في العقبى.


    وقد تكون المخالفة على المحب العارف أشد من النار كما حدثت عن بعضهم قال: لأن ابتلى بدخول النار أحب إلى من أن أبتلى بمعصية. قيل: ولم؟ قال : لأن في المعصية خلاف ربي وسخطه، وفي النار إظهار قدرته وانتقامه. قال : فسخطه أعز إلى وأعظم من تعذيب نفسي. 


    وكذلك حدثونا في معناه عن بعض المؤمنين من العمال أنه قال: وركعتان تتقبل مني أحب إلى من دخول الجنة. قيل: وكيف؟ قال : لأن الركعتين رضا ربي عز وجل ومحبته، وفي الجنة رضاي وشهوتي، فرضا ربي عز وجل أحب إلى من محبتي. 


    وقد قال مهيب بن الورد المكي في لبن سئل أن يشربه فلم يفعل لأنه سأل عن أصله فلم يستطبه فقالت لـه أمه: أشربه فإني أرجو إن شربته أن يغفر الله لك فقال: ما أحب أني شربته وأن الله غفر لي. قال: ولم؟ لا أحب أن أنال مغفرته بمعصية.



    وصف النفس:


    لوصف النفس معنيان: الطيش والشره، فالطيش عن الجهل، والشره عن الحرص، وهما فطرة النفس ، فمثلها في الطيش كمثل كرة أو جوزة في مكان أملس منحدرة فإن أثرت إليها أو حركتها أدنى حركة تحركت بوضعها، وهي في صفتها وصورتها في الشره متولدة من الحرص أنها على صورة الفراشة أنها تقع في النار جاهلة شرهه تطلب بجهلها الضوء وفيه هلاكها، فإذا وصلت إلى شيء منه لم تقتنع بيسيره لشرهها فتحرص على الغاية منه وتطلب عين الضوء وجملته وهو نفس المصباح فتحترق، ولو قنعت بقليل الضوء عن بعد سلمت.. فكذلك النفس في طيشها الذي يتولد من العجلة، وفي شرهها الذي ينتج من الحرص والطمع هما اللذان كانا سبب إخراج آدم عليه السلام من الجنة لأنه طمع في الخلود فحرص على الأكل. وقد مثل بعضهم النفس في شرهها بمثل ذباب مر على رغيف عليه عسل فوقع فيه يطلب الكلية فعلق بجناحه فقتله، وآخر مر به فدنا من بعضه فنال حاجته فرجع إلى ورائه سالما. وقد مثل بعض الحكماء ابن آدم مثل دود القز لا يزال ينسج على نفسه لجهله حتى يكون لـه مخلص فيقتل نفسه ويصير القز لغيره وربما قتلوه إذا فرغ من نسجه لأن القز يلتف عليه فيروم الخروج منه فلا يجده وربما غمزوه بالأيدي حتى يموت لئلا يقطع القز ليخرج القز صحيحا، فهذه صورة المكتسب الجاهل الذي أهلكه أهله وماله فتنعم ورثته بما شقي به، فأن أطاعوا الله به كان أجره لهم وحسابه عليه وأن عصوا به كان شريكهم في المعصية لأنه أكسبهم إياها فلا تدري أي الحسرتين عليه أعظم: إذهابه عمره لغيره، أو نظره إلى ماله في ميزان غيره.



    جبلات النفس:


    جبلات النفس الأربعة هي أصول ما تفرع من هواها، وهي مقتضى ما فطرها عليه مولاها:


    1- الضعف وهو مقتضى فطرة التراب.


    2- ثم البخل وهو مقتضى جبلة الطين.


    3- ثم الشهوة وموجبها الحمأ المسنون.


    4- ثم الجهل ومقتضاه الصلصال.



    وهذه الصفات هي معاني تلك الجبلات للابتلاء بالأمشاج، ففيه بدأ الأمن. قال تعالى ) ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)(الأنعام: من الآية96).



    ابتلاءات النفس الأربعة:


    ثم أن النفس مبتلاة بأوصاف أربعة متفاوته:


    أولها: معاني صفات الربوبية نحو الكبر والجبروت وحب المدح والعز والغنى.


    ثانيا: بأخلاق الشياطين مثل الخداع والحيلة والحسد والظنة.


    ثالثا: بطبائع البهائم وهو حب الأكل والشرب والنكاح.


    رابعا: وهي مع ذلك كله مطالبة بأوصاف العبودية مثل : الخوف والتواضع والذلة بمعنى ما قلناه قبل أنها خلقت متحركة وأمرت بالسكون وأني لها ذلك أن لم يتداركها المالك، وكيف تسكن للأمر إن لم يسكنها محركها بالخير، فلا يكون العبد عبدا مخلصا حتى يكون للمعاني الثلاث محصلا، فإذا تحقق بأوصاف العبودية كان خالصا من المعاني التي هي بلاؤه من صفات الربوبية، فإخلاص العبودية للوحدانية عند العلماء الموحدين أشد من الإخلاص في المعاملة عند العالمين، وبذلك رفعوا إلى مقامات القرب، وذلك أنه لا يكون عندهم عبدا حتى يكون مما سوى الله عز وجل حرا، فكيف يكون عبد رب وهو عبد عبد؟ لأن ما قاده إليه فهو إلهه، وما ترتب عليه فهو ربه، وهذا شرك في الإلهية عند المتألهين ومزج بالربوبية عند الربانيين ومهلك منقوص منكوس بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول (تعس عبد الدنيا تعس عبد الدرهم تعس عبد الزوجة تعس عبد الحلة). فهؤلاء عبيد العدو الذين قال مولاهم )إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً) (مريم:94) أصحاب النفوس الأمارة بالسوء المسئولة الموافقة للهوى المخالفة للمولى )وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً )(الفرقان: من الآية63) إلى آخر وصفهم، أولو النفس المرحومة المطمئنة المرضية هم عباد الرحمن أهل العلم والحكمة، علمهم من لدنه واختارهم لنفسه، ولا يكون المريد بدلا حتى يبدل بمعاني صفات الربوبية صفات العبودية، وبأخلاق الشياطين أوصاف المؤمنين، وبطبائع البهائم أوصاف الروحانيين من الأذكار والعلوم.. فعندما يكون بدلا مقربا. والطريق إلى هذا بأن يملك نفسه فيملكها فتسخر لـه فيسلط عليها، فإن أردت أن تملك نفسك فلا تملكها وضيق عليها ولا توسع لها، فإذن ملكتها ملكتك وإن لم تضيق عليها اتسعت عليك، فإذن أردت الظفر بها فلا تعرضها لهواها واحتبسها عن معتاد بلاها، فإن لم تمسكها انطلقت بك، وإن أردت أن تقوى عليها فأضعفها بقطع أسباب هواها وحبس مواد شهواتها وإلا قويت عليك فصرعتك، فأل الملكة لها أن تحاسبها في كل ساعة وتراقب حسبتها في كل وقت وتقف عند همة من خواطرها فإن كانت الهمة لله عز وجل سابقت الموت في إمضائها.



    مجاهدة النفس بالرفق والتدريج:


    وللعلم أنه يجب أن تكون المجاهدة والرياضة بالتنقل والتدريج والرفق بالنفس شيئا فشيئا، ولا يهجم عليها بما يشق عليها من الأعمال فتنفر منه نفورا شديدا يخشى منه الترك والخروج بالكلية، فيستجب الرفق بها إلى أن تتعود ذلك، وهذا هو الذي نبه عليه صلى الله عليه وسلم بقوله (إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى)، فإذا أراد المجاهدة نقل نفسه عن عوائدها المذمومة إلى المحمودة، فليمنعها من الفعل المذموم، وليذكرها ما ورد فيه الوعيد على فعل المذموم والوعد على فعل المحمود، فإن ثقل عليه ذلك قطع عنها لذاتها الناجزة وداوى نفسه بترك الشهوات العاجلة، ومن عزم على تحصيل مقام السخاء مثلا فطريقه إلزام نفسه القيام بإخراج الواجب من الزكاة والنذور والكفارات ونفقة الأب والأولاد الصغار والزوجة وغيرهم من العيال، فإذا قام بذلك بسهولة عود نفسه الإنفاق في المندوب، وإذا وصل إلى ذلك آثر على نفسه ذوي الحاجات، ثم ينتقل إلى الزهد في حظوظ نفسه في الترفه والراحات، فهذه طريق المجاهدة والرياضة يدرج العبد نفسه في سلوك الطريق إلى مولاه مع الرفق بنفسه.


    والانقطاع إلى الأعمال دفعة وإخراج ما في اليد دفعة واحدة منهي عنه، فإن قيل أن الصديق أتى بجميع ماله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخرجه في سبيل الله قلنا: ذلك لأن الحاجة كانت إليه متأكدة إذ كان ذلك وقت وفاقة وضرورة وبالمسلمين حاجة إليه، وأيضا فإن الصديق كان عنده من الوثوق والصبر واليقين بالله تعالى ما ليس عند غيره، ولا بأس أيضا أن يرقع المجاهدة لنفسه بالعبادة بشيء من المباحات ليقوي بذلك على الطاعات وينتفي عنه الملل ويزول عنه السأم، قال سيدنا على رضي عنه (روحوا النفوس فإنها إذا كرهت عميت)، والشريعة جاءت بمداواة النفوس المريضة وتطبيب القلوب المعلولة.



    ويستعرض الإمام أمراض النفس البشرية وعلاماتها وأنواعها وما يفسد مزاجها، وكيف لمريد الحق أن يحتاط ليحافظ على صحته النفسية وذلك في كتاب "مذكرة المرشدين والمسترشدين" فيقول :


    كل مريد سلك الطريق لابد وأن يكون على علم من الأخلاق الجميلة والأخلاق السيئة ما لا يعلمه غيره ممن لم يسلك الطريق. ومن آمن بيوم القيامة الإيمان الكامل كان أهم شيء أمامه: فوزه بنعيم الآخرة ونجاته من عذاب النار.


    ولذلك فإنك ترى المريد المخلص أشغل الناس بعيوب نفسه، وأحرص الناس على المحافظة عليها من الوقوع في الأمراض أشد من حرص أهل الدنيا على صحة أبدانهم وعلى حفظ أموالهم وحريمهم، بحيث أن المريد الصادق لو سقط أو زل زلة أو هفا هفوة أو غضب أو احتد أو بخل بما لا يبقى أو أسرف فيما ينفع أو تهاون في واجب أو تساهل في عمل فضيلة.. تحقق أنه كاد أن يهلك، فأخذ يداوي نفسه إن علم الدواء بندم واستغفار أو توبة وإنابة وعمل قربات وخروج من مال للفقراء، حتى يتحقق أنه عالج نفسه مما ألم بها من مرض المعاصي والرذائل.


    وإن كان حصل منه أمر دعاه إليه مرض في النفس من أمل أو طمع أو حرص أو حب علو في الأرض أو تكاثر في الدنيا، أو لسبب من أسباب المعاصي كمجاورة من يفسد عليه حاله أو نيل رزقه على يد قوم يسببون لـه أمراض النفس.. أسرع إلى الطبيب الحاذق بأمراض النفس، وهو المرشد الحقيقي، فرفع إليه الأمر بدون أن يستحي أو يخجل كما يكشف الرجل والمرأة العورة على الطبيب ليعرف المرض ويعالجه، ويفهم المرشد أنه يريد النجاة بأي دواء، فإذا كاشفه حقيقة الأمر وظهر لـه أسباب المرض أمره بالعلاج النافع والدواء الناجع، فقبله منه فرحا لأنه وجد لمرضه دواء، واسرع إلى استعمال الدواء مبادرا بدون تأن ولا تأويل، هذا هو الواجب على المريد.


    ومن كان هكذا في بدايته فاز بأمرين عظيمين:


    الأمر الأول: أن يكون طبيبا حاذقا.


    الأمر الثاني :أن يكون وارثا من ورثة الرسل عليهم الصلاة والسلام، متصفا بصفات التوابين المتطهرين، منعما عليه بمحبة الله تعالى.



    علامات أمراض النفس:


    أما المريد الذي تمرض نفسه فيستر مرضه ويخفيه، حتى إذا ظهرت علاماته وكلمه فيه صديق لـه أو محب، نفر منه وعداه وأنكر عليه ذلك واشتغل بعيوب غيره، فذلك ليس بمريد، إنما ذلك جاهل بنفسه عدو لها، سالك بها سبل الهلاك.


    قلت: ظهرت علامات أمراض النفس.. هل لأمراض النفس علامات؟ نعم.. لها علامات كما أن لأمراض الجسم علامات، فإنك ترى الجسم إذا مرض فإنه قد يتغير عقل المريض، ولا تكون آراؤه صحيحة، وقد يعتريه النسيان والذهول وإنكار نفسه وأقاربه وأهله، وتلك من مرض الجسم. وكذلك إذا مرضت النفس بعض شهواني أو بعمل أو بغير ذلك.. فإن الجسم يصفر ويرتعد ويضعف، وتنقص قوته وتقل شهوته، كما قدمنا من أن قوة العقل والفكر تضعف بضعف البدن، كذلك يضعف الجسم بمرض النفس، وأمراض النفس لا تخفى على المتوسمين.


    أسباب أمراض النفس وأنواعها:


    تمرض النفس لأمرين عظيمين:


    (1) اختلاف تركيب الجسم أو فساد المزاج.


    (2) سوء الاعتقاد والعياذ بالله تعالى.



    أولا: أنواع الأمراض الناتجة عن اختلاف التركيب وسوء المزاج


    1- فساد الرأي.


    2- البله.


    3- الحيرة في الأمر البسيط.


    4- ضعف الذاكرة.


    5- عدم الفكر في غد


    6- التهيج مما لا يتهيج منه.


    7- الغلو في كل شيء حبا أو بغضا، مدحا أو ذما.


    8- الشـره.


    9- فساد التخيل، وهي أهمها.




    ثانيا: أنواع أمراض النفس من جهة فساد العقيدة:


    1- الجدل.


    2- إنكار غير المحسوس.


    3- الشك في يوم القيامة.


    4- حصر الملاذ في تلك الحياة الدنيا.


    5- الحرص على الدنيا.


    6- حب المرء ذاته حبا يجعله يعق والديه، يقطع الرحم، يسيء إلى المحسن، يتمنى زوال نعم غيره ونوالها لنفسه.


    7- البخل بالمال حتى على النفس.


    8- بذل الفضائل لاكتساب شهواتها.


    9- التجرد من الحياء.


    10- التهكم بالعلماء العاملين والعباد الزاهدين.


    11- تقبيح مجاهدة النفس وحبسها عن الشهوات والرذائل.


    12- غلوه في الحب لذاته غلوا يجعله يرى كل ما هو عليه فضائل وكمالات وإن كانت من أرذل الرذائل.


    13- التلذذ بفعل الفواحش والمنكرات.


    14- الفرح بالانتقام والأبية.


    15- الجبن لخوفه على نفسه من الموت لاعتقاده أنه يموت ويفارق الملاذ والكرامات.


    16- اليأس عند أقل مؤلم.


    17- القنوط عند فقد الأسباب لجهله بالله تعالى.


    18- التملق والتذلل عند الاحتياج، والغرور والطيش والكبر عند عدم الاحتياج لجهله بالمستقبل.


    19- الكذب تخلصا من المؤلم أو انتقاما من عدو جهلا بيوم الحساب.


    20- الغيبة والنميمة للإفساد بين الناس لينال خيرا لنفسه.


    21- التجمل للخلق، والغفلة عن تجمل السريرة للحق، لأنه لم يؤمن بيوم القيامة.


    22- الذل والتملق لمن يظن أنه ينفعه أو يضره في دنيا، والمسارعة إلى رضاه ولو في معصية الله لسوء ظنه بالرزاق المقدر، حتى قد يبلغ به أن يستعمله من لـه عليه نعمة أو رياسة في عمل أكبر الكبائر: كأذية الخلق، أو شهادة الزور، أو التجسس والتحسس، أو الاشتراك معه في عمل الفواحش وارتكاب الرذائل. ويفرح بذلك المسكين ويرى في نفسه أنه وثق برزقه وضمن سعادته وأذل عدوه ونفع حبيبه، وينسى أنه سقط إلى مكان سحيق وانحط عن الرتبة الإنسانية إلى أقل من رتبة الحيوانات الداجنة، واستحق مقت الله وغضبه وأليم العذاب يوم القيامة.




    أولا: علاج أمراض النفس الناتجة عن اختلاف التركيب


    فأهم علاج لاختلاف التركيب أن يعتني بالطفل من صغره بما يلي:


    (1) يعلم ما يستطيع تعلمه من الحرف النافعة لمعاشه التي تستغرق وقته نهارا في شغل.


    (2) يلقن أركان الإيمان وأركان الإسلام، ثم تفصل لـه- من أركان الإيمان- الآخرة بمثل تنقش في نفسه من صغره تجعله يشتاق إلى النعيم فيعمل لنواله ويخاف من العذاب فيتباعد عما يوقعه فيه.


    (3) يلاحظ أن يمرن على الأعمال الواجبة شرعا من الصلاة وغيرها من أول ما تندب عليه.


    (4) يحافظ عليه من صحبة الأشرار والفجار ليكون أبعد عن موجبات أمراض نفسه المفطور عليهغا.



    ومثل هذا لا دواء لـه إلا الرضا منه بما أهل لـه وعدم مطالبته بما لا طاقة لـه عليه من أعمال الفكر والتدبير والتبحر في العلم، وخير لـه أن يعيش بين نظرائه في العلم والفكر بشرط أن يكونوا أتقياء وأن يكلف بكثرة الأذكار والأعمال البدنية ليشتغل بها عما يوقعه في المرض، كما يتحفظ على الأطفال والصبيان من الوقوع فيما يضر أبدانهم.



    علاج أمراض النفس الناتجة عن انحراف المزاج:


    تقدم بعض أنواع تلك الأمراض، وأهم علاج لها العناية باعتدال الأمزجة ورد الصحة على الجسم، وهذا منوط بفن الطب الجسماني.



    ثانيا: علاج أمراض النفس الناتجة عن فساد الاعتقاد.


    اختلف العلماء في هذا الموضوع فمنهم:


    (1) من رأى أن الإنسان يتخذ لـه صاحبا يسأله عن علوم نفسه، وليست هذه بالطريقة المهيئة للشفاء.


    (2) استحسن بعضهم أن يعلم عيوبه من عدوه، وإني أرى أن هذا الدواء لا ينفع إلا للأخيار، لأنه لا ينتفع من عدوه إلا الرجل الورع. وأرى أكثر الناس يتغالى كل واحد في إذلال عدوه ونسب عيوب لـه ليست فيه لمهانته وعداوة الناس لـه، ولذلك فليس هو الدواء الوحيد إلا للكامل العالم الذي إذا سمع عدوه ينسب إليه عيبا من العيوب بادر بمحوه واستبداله بفضيلة ومكرمة، كما إذا رأى في عينيه قذى أو على وجهه أو ساخا بنظره في المرآة بادر إلى نظافة وجهه. وإني إذا تكلمت في هذا الموضوع فإنما أتكلم عن تجربة في نفسي، ومعرفة بآداب أهل التقوى والصلاح من السلف وممن عاصرتهم، وعن خبرة ومزاولة لأمراض النفوس وأخذ في علاجها.



    لما كان علم الطب الجسماني يراد منه أمران : أ- حفظ الصحة. ب- ردها إذا فقدت.. وكان حفظ الصحة على الجسم يقتضي التوسط فيما لابد منه للجسم والمحافظة عليه مما لا يتحمله، والعناية بمواد الأغذية من جهة النظافة والجودة والسهولة والمقدار، ومراعاة الوقت المناسب، والبعد عن المؤثرات الشديدة، كل تلك لازمة لحفظ الصحة الجسمانية : فكذلك ينبغي لصحيح النفس أن يجتهد في حفظ صحتها عليها باستعمال ما أوجبه عليه الشرع بنسبه ومقاديره في أوقاته ومن عبادات وأخلاق واعتقادات ومعاملات، بحيث لا يتهاون فيسبب مرض النفاق والقطيعة والبعد، ولا يتغالى فيقع في الفتن والضلال ) وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً)(الفرقان: من الآية67)، وأن يتباعد بكل ما في وسعه عن المبتلين بالأمراض النفسانية، كأهل الجدل والإنكار والفساد وغيرها، وعن أهل الشغف بالملاذ الحيوانية وعن مطالعة سيرهم وأخبارهم، ويتباعد عن أهل الخبث المفسدين وأهل الشر المضلين، فإنه قد يقع في أمراضهم من حيث لا يشعر بمجرد مجالستهم، وذلك لأنه لصحة نفسه أول ما يقع نظره عليهم يرى فيهم علامات الأمراض والسقم، كما يحس الإنسان في الآخر بمرض الجسم بعلامات المرض، فكذلك صحيح النفس إذا جلس مع مريضها أنكر عليه، ومريض النفس يرى أن الصحيح الحقيقي مريض، فيحصل الإنكار من كل على الآخر، فيكون بمجرد جلوسه معه مرض بمرضه. فعلي صحيح النفس أن يتباعد عن مرضى النفوس إلا إذا جاءه مريض النفس فشكي إليه مرضه وطلب منه دواءه.


    العناية بحفظ الصحة على النفس:


    من العجيب أن الرجل الصحيح النفس يهمل صحته حتى يقع في الأمراض، لأن أمراض الأجسام يشعر صاحبها بألم يدعوه إلى الطبيب، وأما أمراض النفوس فقد يحصل منها اللذة للنفس والأنس لها، لأن غالب أمراض النفوس مما يلائم النفوس، فينسى الرجل قبائحه ويغفل عن دواء نفسه، وإذا ذكره أخوه بعيوب نفسه قذفه وعاداه وهو يظن – المسكين- أنه على أكمل الفضائل وأجمل الأخلاق، ناسيا أمراض نفسه لحبه لنفسه فتجب العناية بحفظ الصحة على النفس خشية من الوقوع في المرض.


    العلاج عند حصول المرض:


    فإذا حصل للنفس مرض من الأمراض السابقة، فعلاج ذلك محصور في أمرين أساسهما العلم:


    الأمر الأول


    (1) أن يبادر من حصلت من المخالفة للمرشد- إن كان مسترشدا- فيعرض عليه أمره، ثم يعمل ما يكلفه به مما هو شفاء لنفسه وتوبة من ذنبه، غير خجل ولا مستتر، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الرجل منهم إذا نسي أو أخطأ رفع الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام فنجز ما يكلفه به، فمنهم من يقول زنيت يا رسول الله، وغير ذلك مما قل أو كثر. فإذا خجل المخالف أو رأى أن رفع الأمر للمرشد فضيحة، تهاون بيوم القيامة وجهل الفضيحة فيه، ودعاه التساهل بصغير المخالفة إلى الوقوع في كبيرها، حتى قد تبلغ به الحالة إلى أن يترك عمل الواجبات.


    (2) أما إذا كان ليس لـه مرشدا بأن كان من العلماء أو كان من القائمين بالدعوة إلى الله، فالواجب عليه إذا رأى نفسه أوقعته في الحماقة والغضب والعداوة بين الناس أن يبادر بأن يتعرض إلى سفيه أحمق يسبه أمام الناس ويتحمل ذلك ويفرح، ليعالج نفسه ويرد عليها صحتها، أو يبادر بأن يذل نفسه لمن كان يعظمه ويقبل يده ويخدمه، ويتوب مجاهدا نفسه بترك تلك الصفة القبيحة، وإن شعر منها بحب الشهر والسمعة بادر بأن يعرض عليها مبدأها ونهايتها وحقارة الدنيا وزوالها.


    الأمر الثاني:


    وأكمل دواء للنفس المبادرة بتلقي علوم الدين من أهل اليقين، الذين يعلمون الناس بالحكمة والموعظة الحسنة ويدعونهم إلى الله على بصيرة، ويجعلون أساس دعواهم كشف عناية الله بهم وإظهار آيات في الآفاق وفي أنفسهم بطريق مقنع، ويبينون أسرار الصورة الإنسانية وما احتوت عليه من غرائب الحكمة وعجائب القدرة، وكيف كان مبدؤها من آيات القرآن بقوله تعالى )وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) (المؤمنون:12)، ويتباعد في الدعوة عن غير ذلك بذكر عناية الله تعالى وإبداعه للعالم كله، وهو الأمر الجامع، حتى إذا اطمأنت القلوب وانشرحت، دعاهم بعد ذلك إلى التصديق بالآخرة ويبين لهم حقارة الدنيا وزوالها، ودعاهم لمعرفة أنفسهم وما به تكمليها وسعادتها.. وهذه هي طريق القرآن في الدعوة، وسبل رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم في الدلالة والبيان.



    القرآن الكريم:


    فاقرأ أيها الأخ البار كتاب الله متدبرا، وتأمل قصصه متفكرا، واعتبر بتكرار أخبار الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وأساليب البيان، وحكم التبيان الجلية لكل ذي بصيرة في كل مكرر القرآن، يظهر لنور سرك ساطع حجج القرآن الكريم، ,جلي نور براهنيه، وما حث فكرك عليه وما نبه قلبك إليه، وما دعاك إلى تدبره والنظر فيه من الآيات الدالة على كمال عنايته والحجج المؤيدة أنه هو المبدع الخلاق.


    فإذا زكت نفسك أيها الأخ المؤمن، وتناولت من سلسبيل القرآن الشريف، ومن كافور كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، سكنت نفسك واطمأن قلبك وانشرح صدرك، ودعاك سرك دعوة الحق إلى الحق، وانكشفت لك سيما الناس، فعلمت بسيماهم مقادير استعدادهم وفطر نفوسهم، فدعوت عباد الله إلى الله بالحكمة والموعظة على قدر النفوس ومناسبات العقول، ناهجا على الطريق المستقيم، لا تميز بين المسلم وغيره ما دمت تجعل أساس دعوتك طريق القرآن العظيم.


    وأحذر يا أخي – أيدني الله وإياك بما أيد به الصديقين والشهداء من عباده الصالحين- أن تتجاوز هذا الطريق في الدعوة والإرشاد بأن تسلك مسالك النظار بعقولهم فتفتح أبواب الجدل والشكوك والريب، فتكون من الفتانين التائهين في بيداء الغفلة، وتحقق أن كل من أراد أن يجادل أو يعارض فهو عدو لأخوة المؤمنين، محروم من التصديق واليقين، والأولى الإعراض عنه وعدم العناية به، فإنك أن أعرضت عنه هلك وحده، وإن جاريته في الجدل والمعارضة ربما هلك وأهلك معه كثيرين.. والله اسأل أن يهدينا بالقرآن، ويعصمنا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم آمين.



    أسباب مفسدات النفس:


    أعلم أيها الأخ- روحني الله وإياك بروح العناية والولاية وريحان الإحسان والرضوان- إن أمهات الخطايا التي بها لعن إبليس وأخرج أبونا آدم من الجنة وقتل قابيل أخاه هابيل ترجع إلى أصول الكبائر وهي:


    1- الكبر: الذي أوقع إبليس في القطيعة واللعنة.


    2- الطمع: الذي هو سبب المعصية لأبينا آدم وأهبط بسببه من الجنة لأنه طمع في الخلود فيها.


    3- الحسد: الذي دعا قابيل أن يقتل هابيل حسدا لـه على النعمة عليه بأخت قابيل.



    وما من رذيلة من الرذائل، إلا وهي ترجع إلى أصل من تلك الأصول، فإذا حفظ الله العبد من تلك البليات الثلاث وفروعها، كان وهو في الدنيا من أهل الآخرة، وقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المعاني بكلمة هي الحصن الحقيقي للسلامة بقوله صلى الله عليه وسلم (حب الدنيا رأس كل خطيئة).


    قد أفلح من تزكى:


    فإذا جاهدت نفسك حتى تزكت فقد أفلحت، فامش في الناس عاملا عمل أهل الدنيا غير خائف فإنك في الآخرة، دليل ذلك كتاب الله تعالى )أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ) (الأنعام: من الآية122). فالميت من زكى نفسه حتى صار من أهل الملكوت الأعلى، فجعل الله لـه نورا من اليقين والعلم والفقه يمشي به في الناس آمنا لانكشاف الحق لـه وبيانه، فلا يضره مشيه في الناس وعمله معهم لأنه ينفعهم النفع الحقيقي وينفع نفسه.



      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة يوليو 20, 2018 12:30 pm