السعادة والصفاء

السعادة والصفاء

سر الوصول إلى السعادة والصفاء والسلام النفسي ،أسراروأنوار القلوب التى صفت وأشرقت بعلوم الإلهام وأشرفت على سماوات القرب وفاضت بعلوم لدنية ومعارف علوية وأسرار سماوية



    الأمير والمجاهد الصوفي عبدالقادر الجزائري

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 1157
    تاريخ التسجيل : 29/04/2015
    العمر : 51

    الأمير والمجاهد الصوفي عبدالقادر الجزائري

    مُساهمة من طرف Admin في السبت يوليو 18, 2015 11:12 am

    الأمير الصوفي عبدالقادر الجزائري
    ــــ فالوجود الحقّ مرآة تظهر صورة المتجلّي له فيها بقدر استعداده،فتظهر أحواله وأحكامه كما أنّ الوجود يظهر في مرايا الأعيان بحسب استعدادها،وقابليتها لظهور أحكامه وأوصافه،والصّورة دائما حائلة بين الرّائي والمرآة، فغير ممكن أن يبصر المبصر الصّورة والمرآة في آن واحد..
    .مواقف العارف بالله الامير عبد القادر الحسني الجزائري.

    هو مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة ورائد مقاومتها ضد الاستعمار الفرنسي بين 1832 و 1847. كما يعد أيضا من كبار رجال التصوف والشعر وعلماء الدين . وفوق كل ذلك كان داعية سلام وتآخي بين مختلف الأجناس والديانات وهو ما فتح له باب صداقات وإعجاب كبار السياسيين في العالم.


    المولد والنشأة :


    الشيخ عبد القادر ابن الأمير محيي الدين بن مصطفى الحسني، المشهور باسم الأمير عبد القادر الجزائري، يتصل نسبه بالإمام الحسن بن علي بن ابي طالب.والجد المباشر للأمير عبد القادر والذي تسمى على اسمه , كان  الأمير عبد القادر , الذي وصل من المغرب إلى الجزائر واستقر في منطقة " غريس " وأسس في في منطقة " الغيطنه " زاويته الصوفيه ,
     ويدعى في الجزائر وعند أهل الطريقه " سيدي قاده " تحببا , ولا يزال ضريحه مزارا شريفا , على الطريقة القادرية وشيخها الإمام " عبد القادر الجيلاني " , الذي عاش ومات في بغداد .
    ولد الأمير عبد القادر يوم الجمعة 23 رجب 1222هـ/مايو 1807م، بقرية القيطنة الواقعة على وادي الحمام غربي مدينة معسكر (الجزائر)، وترعرع في كنف والديه حيث حظي بالعناية والرعاية.

    تلقى عبد القادر تربيته بالزاوية التي كان يتكفل بها أبوه محي الدين، أين حفظ القرآن الكريم ثم تابع دراسته بأرزيو و وهران على يد علماء أجلاء حيث أخذ منهم أصول العلوم الدينية، الأدب العربي، الشعر، الفلسفة، التاريخ، الرياضيات، علم الفلك و الطب، فصقلت ملكاته الأدبية والفقهية والشعرية في سن مبكرة من حيـاتـه.

    وكان على علم و دراية تامين بعلماء أمثال أفلاطون، أرسطو، الغزالي، ابن رشد كما تبينه كتاباته. وقد تفانى طوال حياته في تجديد علمه و إثراء ثقافته.

    لم يكتف الشاب عبد القادر بتلقى العلوم الدينية و الدنيوية بل اهتم أيضا بالفروسية و ركوب الخيل و تعلم فنون القتال، فتفوق في ذلك على غيره من الشباب. و بذلك كان عبد القادر من القلائل جدا الذين جمعوا بين العلوم الدينية و الفروسية، عكس ما كان عليه الوضع آنذاك إذ انقسم المجتمع إلى المرابطين المختصين في الدين و الأجواد المختصين في الفروسية و فنون القتال.

    و كان يبدو و هو في الثالثة عشرة من عمره جميل الصورة حلو التقاطيع، ذا شخصية عميقة جذابة، يأسر الناس بلطفه، و يكسب ثقتهم بثقافته. و في تلك السن المبكرة بدأ ينظم الشعر و يعرضه على أبيه، فيشجعه و يسدده و هو موقن بأن مستقبل ابنه قد تحدد، و معالم شخصيته قد اتضحت، فكل شيء من حوله كان يعده ليكون رجل أدب و علم و دين. فبينما كان أترابه يمرحون و يعبثون في الكروم و البساتين المحيطة بقرية القيطنة، كان هو يلازم مجالس أبيه التي تضم نخبة من أهل الأدب و العلم، فيصغي إليهم مأخوذا مبهورا و هم يتبادلون الآراء و يتناشدون الشعر، و يتجادلون في معضلات الفقه أو يتذاكرون وقائع التاريخ.

    و لم ترتح السلطة التركية لتلك المجالس، و ما يدور فيها من آراء، ففرضت على محي الدين الحسني سنة 1821 الإقامة الجبرية في وهران، فانتقل عبد القادر مع أبيه إلى تلك المدينة، و أتيح له أن يتعرف بنخبة جديدة من أهل الأدب و العلم، و أن يطلع على ألوان جديدة من الحياة، و أن يزداد إيمانا بفساد الحكم التركي و الحاجة الماسة إلى التطور و الإصلاح. و في هاته الفترة أي في عام 1823 زوجه والده من لالة خيرة وهي ابنة عم الأمير عبد القـــادر.

    و بعد سنتين من الاحتجاز تدخل داي الجزائر فسمح لهما بالذهاب إلى الحج معتقدا بأن ذلك وسيلة لإبعادهما عن البلاد حتى و لو لمدة قصيرة.

    سافر عبد القادر مع أبيه عام 1241هـ/ 1825م إلى البقاع المقدسة عبر تونس ،ثم انتقل بحرا إلى الإسكندرية و منــها إلى القاهرة حيث زار المعالم التاريخية وتعرف إلى بعض علمائها وشيوخها وأعجب بالإصلاحات والمنجزات التي تحققت في عهد محمد علي باشا والي مصر.








     ثم أدى فريضة الحج، ومنها انتقل إلى بلاد الشام لتلقي العلم على يد شيوخ جامع الأمويين.من دمشق سافر إلى بغداد أين تعرف على معالمها التاريخية واحتك بعلمائها ، ووقف على ضريح الولي الصالح عبد القادر الجيلاني مؤسس الطريقة القادرية، التي تضم زاوية القيطنة، مما سمح للأمير و والده بالابتعاد عن سيطرة باي وهران الذي كان متخوفا من النفوذ العقائدي الذي كان يتسم به كل من محي الدين و ابنه عبد القادر. 


    ليعود مرة ثانية إلى البقاع المقدسة عبر دمشق ليحج. وبعدها رجع مع والده إلى الجزائر عبر القاهرة ثم إلى برقة ومنها إلى درنة وبنغازي فطرابلس ثم القيروان والكاف إلى أن وصلا إلى القيطنة بسهل غريس في الغرب الجزائرى عام 1828 م .

    بعد الاستيلاء  على  مدينة  الجزائر عام  1830 م من  طرف الفرنسيين،  شارك  محي الدين  و ابنه عبد  القادر  المقاومة  الشعبية  التي  خاضها الأهالي  الجزائريون.  و  قد  أثبت  خلالها  عبد القادر  شجاعة
    و  حنكة  نادرتين. تجتمع  بعدها  قبائل المناطق الغربية  لاختيار  قائد  لها يدافع  و إياهم  على البلاد  حيث  يقع اختيارهم  على  محي الدين.غيرأن هذا الأخير يعتذر بسبب سنه المتقدمة و يقترح، بدلا منه،ابنه عبدالقادر الذي  و  بإقبال كبير  يبايع  أميرا  عليهم  في  تجمع  ضخم  بتاريخ 21  نوفمبر 1832.وفي 13 رجب 1248هـ/ 27 نوفمبر 1832 اجتمع زعماء القبائل والعلماء في سهل غريس قرب معسكر وعقدوا لعبد القادر البيعة الأولى تحت شجرة الدردارة، ولقبه والده بـ "ناصر الدين" واقترحوا عليه أن يكون "سلطان" ولكنه اختار لقب "الأمير"، ثم تلتـها البيعة العامة في 4 فبراير 1833.

    في هذه الظروف تحمل الأمير مسؤولية الجهاد و الدفاع عن الرعيــة و ديار الإسلام وهو في عنفوان شبابه. وما يميز هذه المرحلة ،انتصاراته العسكرية و السياسية- التي جعلت العدو الفرنسي يتـــردد في انتهاج سياسة توسعية أمام استماتة المقاومة في الغرب و الوسط ، والشرق . 

    أدرك الأمير عبد القادر منذ البداية أن المواجهة لن تتم إلا بإحداث جيش نظامي مواظب تحت نفقة الدولة .لهذا أصدر بلاغا إلى المواطنين باسمه يطلب فيه بضرورة تجنيد الأجناد وتنظيم العساكر في البلاد كافة.وقد وجه الأمير خطابه الأول إلى كافة العروش قائلاً: "… وقد قبلت بيعتهم (أي أهالي وهران وما حولها) وطاعتهم، كما أني قبلت هذا المنصب مع عدم ميلي إليه، مؤملاً أن يكون واسطة لجمع كلمة المسلمين، ورفع النزاع والخصام بينهم، وتأمين السبل، ومنع الأعمال المنافية للشريعة المطهرة، وحماية البلاد من العدو، وإجراء الحق والعدل نحو القوى والضعيف، واعلموا أن غايتي القصوى اتحاد الملة المحمدية، والقيام بالشعائر الأحمدية، وعلى الله الاتكال في ذلك كله".فاستجابت له قبائل المنطقة الغربية و الجهة الوسطى، و التف الجميع حوله بالطاعة كون منهم جيشا نظاميا سرعان ما تكيف مع الظروف السائدة و استطاع أن يحرز عدة انتصارات عسكرية.

    مقاومة الأمير عبد القادر

    تمثل مقاومة الأمير عبد القادر مرحلة هامة من مراحل الكفاح المسلح للشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي في طوره الأول، فبعد مبايعة الأمير عبد القادر في نوفمبر 1832، وهو في عز شبابه شرع في وضع مشروع بناء دولة حديثة ،فكانت حياته مليئة بالإنجازات العسكرية والسياسية والحضارية.


    ويمكن تقسيم المقاومة إلى ثلاث فترات

    مرحلة القوة 1832-1837

    عمل الأمير على توحيد صف مختلف القبائل حول مسألة الجهاد، وبسط نفوذه على أغلب الغرب الجزائري وأتخذ من مدينة معسكر عاصمة له وشرع في تنظيم المقاومة ، فاستولى على ميناء آرزيو لتموينها ، وشرع في تنظيم الجيش ، إضافة الى فرق المدفعية ودربهم على حرب العصابات ، وفي إطار التنظيم العسكري زيادة على توحيد الأوامر والقوانين العسكرية الدالة على الانضباط والصرامة في المؤسسة العسكرية مثل :

    - وضع سلم تسلسلي للرتب العسكرية على النحو التالي : رقيب - رئيس الصف - السياف - الآغا. 


    -قسم الوحدات الأساسية في الجيش النظامي إلى كتائب و تضم الكتيبة الواحدة مائة جندي.


    -وسـع دائرة نفوذه إلى أنحاء أخرى من الوطن شملت جزءا كبيرا من إقليم تلمسان ومليانة والتيطري (المدية).

    وتوسع نفوذ الأمير عبر الغرب الجزائري خاصة بعد انتصاراته العسكرية ، وقد كانت بطولته في المعارك مثار الإعجاب من العدو والصديق فقد رآه الجميع في موقعة "خنق النطاح" التي أصيبت ملابسه كلها بالرصاص وقُتِل فرسه ومع ذلك استمر في القتال حتى حاز النصر على عدوه، وأمام هذه البطولة اضطرت فرنسا إلى عقد اتفاقية هدنة معه عرفت باسم القائد الفرنسي في وهران وهي معاهدة "دي ميشيل" في عام 1834، وبهذه الاتفاقية اعترفت فرنسا بدولة الأمير عبد القادر، وبذلك بدأ الأمير يتجه إلى أحوال البلاد ينظم شؤونها ويعمرها ويطورها، وقد نجح الأمير في تأمين بلاده إلى الدرجة التي عبر عنها مؤرخ فرنسي بقوله: "يستطيع الطفل أن يطوف ملكه منفردًا، على رأسه تاج من ذهب، دون أن يصيبه أذى!!".



    غير أن الجنرال تريزيل الذي خلف الجنرال ديميشال منذ عام 1835،لم يحترمها و حاول إيجاد الفرصة لمعاودة قتال الأمير و نقض معاهدة الصلح، و فعلا اغتنم فرصة لجوء قبائل الدوائر و الزمالة إليه . طلب الأمير من الجنرال تريزيل أن يرفع حمايته عن هذه القبائل ليعيدها إلى سلطته إلا أن هذا الأخير رفض ، فأستؤنف القتال من جديد حيث التقا في حوش غابة مولاي إسماعيل قرب مدينة سيق يوم 26 جوان 1835اين دارت بينهما معركة سيق ، انهزم فيها الفرنسيون. ثم التقيا مرة أخرى في معركة المقطع 27 جوان تكبدت فيها القوات الفرنسية هزيمة نكراء ترتبت عنها انعكاسات و آثار منها :

    1-عزل الحاكم العام ديرلون والجنرال تريزل.

    2-تعيين الماريشال كلوزيل حاكما عاما على الجزائر في جويلية 1835 وإرسال قوات كبيرة لمواجهة الأمير.

    قام كلوزيل بمهاجمة معسكر عاصمة الأمير ، إلا أنه وجدها خالية فغادرها إلى تلمسان التي احتلها ، إلا أن جيوش الأمير بقيت تسيطر على الطريق الرابط بين تلمسان وهران، فأصبح الجيش الفرنسي محاصرا داخل أسوار المدينة. و لرفع الحصار ، قاد الجنرال بيجو حملة عسكرية كبيرة حقق على إثرها انتصارا في موقعه وادي السكاك سنة 1836، ولكن الأمير نجح في إحراز نصر على القائد الجديد في منطقة "وادي تفنة" أجبرت القائد الفرنسي على عقد معاهدة هدنة جديدة عُرفت باسم "معاهد تافنة" في يوم 30 ماي 1837، كانت فرنسا من خلالها تريد تحقيق الأغراض الآتية:

    -التفرغ للقضاء على مقاومة أحمد باي في الشرق الجزائري.

    -إعداد فرق عسكرية خاصة بحرب الجبال.

    -فك الحصار عن المراكز الفرنسية.

    -انتظار وصول الإمدادات العسكرية من فرنسا.

    - مرحلة تنظيم الدولة 1837-1839

    وعاد الأمير عبد القادر لإصلاح حال بلاده وترميم ما أحدثته المعارك بالحصون والقلاع وتنظيم شؤون البلاد، فاستغل معاهدة التافنة لتعزيز قواته العسكرية و تنظيم دولته من خلال الإصلاحات الإدارية والتنظيمات العسكرية الآتية:

    1-تشكيل مجلس وزاري مصغر يضم رئيس الوزراء ، نائب الرئيس ، وزير الخارجية ، وزير الخزينة الخاصة و وزير الأوقاف - وزير الأعشار ، الزكاة، ثم الوزراء الكتبة وهم ثلاثة حسب الحاجة و اتخذت هذه الوزارة من مدينة معسكر عاصمة لها.

    2- تأسيس مجلس الشورى الأميري و يتكون من 11 عضوا يمثلون مناطق مختلفة.

    3- التقسيم الإداري للبلاد إلى ولايات وكل ولاية يديرها خليفة، وقسم الولاية إلى عدة دوائر و وضع على رأس كل دائرة قائدا يدعى برتبة آغا و تضم الدائرة عددا من القبائل يحكمها قائد ،و يتبع القائد مسؤول إداري يحمل لقب شيخ. 

    4-تنظيم الميزانية وفق مبدأ الزكاة وفرض ضرائب إضافية لتغطية نفقات الجهاد وتدعيم مدارس التعليم…الخ.

    5-تدعيم القوة العسكرية بإقامة ورشات للأسلحة و الذخيرة وبناء الحصون على مشارف الصحراء.حتى يزيد من فاعلية جيشه .

    6-تصميم علم وطني وشعار رسمي للدولة.

    7-ربط علاقات دبلوماسية مع بعض الدول .

    -مرحلة الضعف 1839-1847

    بادر المارشال فالي إلى خرق معاهدة التافنة بعبور قواته الأراضي التابعة للأمير، فتوالت النكسات خاصة بعد أن انتهج الفرنسيون أسلوب الأرض المحروقة، كما هي مفهومة من عبارة الحاكم العام الماريشال بيجو: "لن تحرثوا الأرض، وإذا حرثتموها فلن تزرعوها ،وإذا زرعتموها فلن تحصدوها..." فلجأ الفرنسيون إلى الوحشية في هجومهم على المدنيين العزل فقتلوا النساء والأطفال والشيوخ، وحرقوا القرى والمدن التي تساند الأمير. 

    وبدأت الكفة ترجح لصالح العدو بعد استيلائه على عاصمة الأمير تاقدامت 1841، ثم سقوط الزمالة -عاصمة الأمير المتنقلة- سنة 1843 و على إثر ذلك اتجه الأمير إلى المغرب في أكتوبر عام 1843 الذي ناصره في أول الأمر ثم اضطر إلى التخلي عنه على إثر قصف الأسطول الفرنسي لمدينة طنجة و الصويرة (موغادور)، وتحت وطأة الهجوم الفرنسي يضطر السلطان المغربي إلى طرد الأمير عبد القادر، بل ويتعهد للفرنسيين بالقبض عليه. الأمر الذي دفعه إلى العودة إلى الجزائر في سبتمبر 1845 محاولا تنظيم المقاومة من جديد .

    يبدأ الأمير سياسة جديدة في حركته، إذ يسارع لتجميع مؤيديه من القبائل، ويصير ديدنه الحركة السريعة بين القبائل فإنه يصبح في مكان ويمسي في مكان آخر حتى لقب باسم "أبا ليلة وأبا نهار"، واستطاع أن يحقق بعض الانتصارات، ففي عام 1846 و أثناء تنقلاته في مناطق الجلفة و التيتري مدعوما بقبائل أولاد نائل قام الأمير بعدة معارك مع العدو من بينها معارك في زنينة، عين الكحلة و وادي بوكحيل، وصولا إلى معارك بوغني و يسر في بلاد القبائل.

    غير أن الأمر استعصى عليه خاصة بعد فقدان أبرز أعوانه، فلجأ مرة ثانية إلى بلاد المغرب، وكانت المفاجأة أن سلطان المغرب وجه قواته لمحاربة الأمير، ومن ناحية أخرى ورد في بعض الكتابات أن بعض القبائل المغربية راودت الأمير عبد القادر أن تسانده لإزالة السلطان القائم ومبايعته سلطانًا بالمغرب، وعلى الرغم من انتصار الأمير عبد القادر على الجيش المغربي، إلا أن المشكلة الرئيسية أمام الأمير هي الحصول على سلاح لجيشه، ومن ثم أرسل لكل من بريطانيا وأمريكا يطلب المساندة والمدد بالسلاح في مقابل إعطائهم مساحة من سواحل الجزائر: كقواعد عسكرية أو لاستثمارها، وبمثل ذلك تقدم للعرش الإسباني ولكنه لم يتلقَ أي إجابة، وأمام هذا الوضع اضطر في النهاية إلى التفاوض مع القائد الفرنسي "الجنرال لامور يسيار" على الاستسلام على أن يسمح له بالهجرة إلى الإسكندرية أو عكا ومن أراد من اتباعه، وتلقى وعدًا زائفًا بذلك فاستسلم في 23 ديسمبر 1847م.

    المعاناة والعمل الإنساني :

    في 23 ديسمبر 1847 سلّم الأمير عبد القادر نفسه بعد قبول القائد الفرنسي لامورسير بشروطه، ونقله إلى مدينة طولون، وكان الأمير يأمل أن يذهب إلى الإسكندرية أو عكا كما هو متفق عليه مع القادة الفرنسيين، ولكن أمله خاب ولم يف الفرنسيون بوعدهم ككل مرة، عندها تمنى الأمير الموت في ساحة الوغى على أن يحدث له ذلك وقد عبّر عن أسفه هذا بهذه الكلمات "لو كنا نعلم أن الحال يؤدي إلى ما آل إليه، لم نترك القتال حتى ينقضي الأجل". وبعدها نقل الأمير وعائلته إلى الإقامة في "لازاريت" ومنها إلى حصن "لامالغ" بتاريخ 10 جانفي 1848 ولما اكتمل عدد المعتقلين من أفراد عائلته وأعوانه نقل الأمير إلى مدينة "بو" PAU في نهاية شهر أفريل من نفس العام، ليستقر بها إلى حين نقل إلى آمبواز . في 16 أكتوبر 1852 

    ظل الأمير عبد القادر في سجون فرنسا يعاني من الإهانة والتضييق حتى عام 1852م ، ثم استدعاه نابليون الثالث بعد توليه الحكم، وأكرم نزله، وأقام له المآدب الفاخرة ليقابل وزراء ووجهاء فرنسا، ويتناول الأمير كافة الشؤون السياسية والعسكرية والعلمية، مما أثار إعجاب الجميع بذكائه وخبرته، ودُعي الأمير لكي يتخذ من فرنسا وطنًا ثانيًا له، ولكنه رفض، ورحل إلى الشرق.

    استقر الأمير في استانبول، و التقى فيها بسفراء الدول الأجنبية، وخلال إقامته زار ضريح أبي أيوب الأنصاري و وقف في جامع آيا صوفيا، إلا أنه فضل الإقامة في مدينة بورصة لتاريخها العريق ومناظرها الجميلة ومعالمها الأثرية، لكنه لم يبق فيها طويلا نتيجة الهزات الأرضية التي كانت تضرب المنطقة من حين لآخر، فانتقل إلى دمشق عام 1855 بتفويض من السلطان العثماني.

    وفي دمشق تفرغ الأمير عبد القادر للقراءة والتصوف والفقه والحديث والتفسير ، و أخذ مكانة بين الوجهاء والعلماء، وقام بالتدريس في المسجد الأموي كما قام بالتدريس قبل ذلك في المدرسة الأشرفية، وفي المدرسة الحقيقية.

    وكانت أهم المواقف الإنسانية التي سجلت للأمير، تصديه للفتنة الطائفية التي وقعت بين المسلمين والمسحيين في الشام عام

    المؤلفات
    كتب الأمير عبد القادر عددا من المؤلفات كـ"المقرض الحاد"، و"السيرة الذاتية"، و"ذكرى العاقل" الذي ترجم مرتين وكان يعرف باسم "رسالة إلى الفرنسيين"، و"المواقف" بالإضافة إلى رسائل أخرى.

    [rtl]1- ذكرى  العاقل (طبع   بالجزائر)  الذي ترجم  عام  1856   و أعيدت  ترجمته  عام  1877  حيث عرف  حينها  تحت  إسم  "رسالة  إلى الفرنسيين"  أين برهن  من  خلاله  الأمير على  تمكنه  و  ثقافته  الواسعين.[/rtl]

    [rtl]2- المقرض الحاد (طبع  بالجزائر)  حيث  يدين  الأمير  أولئك  الذين  يتهجمون على  الإسلام.[/rtl]
    [rtl]3- السيرة  الذاتية  (طبع   بالجزائر) .[/rtl]

    [rtl]4- المواقف  (طبع  بدمشق و الجزائر).[/rtl]
    [rtl]و  العديد  من  الرسائل  التي  لم  يتم  جمعها  إلى  غاية  الساعة.[/rtl]
    الوفاة


    (صــــــــــــــــورة  ناذرة لوصول جثمان الامير عبد القادر الى الجزائر في سنة 1966
     ويظهر الرئيس الراحل هواري بومدين في مقدمة الشخصيات التي تحمل نعش الامير عبد القادر المتوفي في سوريا)


    توفي الأمير عبد القادر بدمشق في 26 مايو/أيار 1883 عن عمر ناهز 76 عاما، ودفن بحي الصالحية بجوار الشيخ ابن عربي تنفيذا لوصيته، وفي عام 1965 تم نقل جثمانه إلى الجزائر ودفن في المقبرة العليا.


    من أقوال الأمير عبدالقادر

    1 ـ " لو أصغى إلي المسلمون والنصارى لعرفت الخلاف بينهم ، ولصاروا إخوانا ظاهرا 

    وباطنا ، ولكن لا يصغون إلي . [ الأمير ـ ذكرى العاقل وتنبيه الغافل ] 

    2 ـ فرحات عباس يقول عن الأمير:

    "لانتكلم عن أحاديث المعارك التي إشتبك أثناءها أولئك الضباط مع الجيش الجزائري 

    الذي نظمه الأمير عبد القادر بعد أن أصبح روح المقاومة ورئيس الدولة الجزائرية 

    و كثيرما خرج من تلك المعارك ظاهرا منتصرا،وأعطىالدليل بأنه قد جمع الحذاقة 

    والديبلوماسية الفائقة مع العبقرية العسكرية السامية والمهارة الحربية الرائعة .

    3 ـ يقول الأمير عن فرنسا: 

    أنا لست كخدوي مصر،إن إبراهيم باشا يرى باريس وغيرها من أمصار فرنسا مهدا له 

    يمرح فيه كيف يشاء ، أما أنا فلا أرى فرنسا إلا سجنا لي ولمن معي ، فلا فرق عندي بين 

    طولون وباريس .

    4 ـ ولو جاءني من يريد معرفة طريق الحق ، كان يفهم لساني فهما كاملا لأوصلته إلى 

    طريق الحق من غير تعب ، لا بأن يقلدني ، بل بأن يظهر الحق له ، حتى يعترف به 

    إضطرارا ً .

    [ الأمير ـ ذكرى العاقل وتنبيه الغافل ] 

    5 ـ سلوا تخبـركم عـنـا فرنسـا ويصدق إن حكت منها المقال

    فكم لي فيهم من يوم حرب به إفـتخر الزمــان ولا يزال [ الديوان ]

    6 ـ حيثما بدأت مقاومتي للفرنسيين كنت أظن أنهم شعب لا دين له ، ولكن تبينت غلطتي ،

    وعلى كل حال فإن مثل هذه الكنائس ستقنعني بخطئي .

    [ من تصريح للأمير عبد القادر في كنيسة المادلين في باريس(PARIs ) عام 1269 هـ ،

    الموافق لـ 1852م ، نقلا عن كتاب : حياة الأمير عبد القادر الجزائري لشارل هنري

    تشرشل ] .

    7 ـ نص الرسالة التي وجهها الأمير إلى مشايخ القبائل مباشرة بعد البيعة عند الدردارة .

    ... وبعد : فإن أهل معسكر وغريس الشرقي والغربي ومن جاورهم وإتحد معهم ، قد

    إجتمعوا على مبايعتي ، وبايعوني على أن أكون أميرا ً عليهم ، وعاهدوني على السمع 

    والطاعة في اليسر والعسر ، وعلى بذل أنفسهم وأولادهم وأموالهم في إعلان كلمة الله ...

    ...فلذلك ندعوكم لتتحدوا وتتقوا جميعا ً ، واعلموا أن غايتي القصوى إتحاد الملة المحمدية 

    والقيام بالشعائر الأحمدية . وعلى الله الإتكال في ذلك كله .

    [ الأمير عبد القادر] 

    08 ـ قال الأمير مخاطبا أفراد جيشه :

    لا تحاربوا الفرنسيين في جمع كبير ، بل الإقتصار على مضايقتهم ومطاردة أجنحتهم،

    وقطع إتصالاتهم والوقوع على معداتهم ووسائل نقلهم ، والتراجع الخادع ، ونصب الكمائن 

    والهجوم المفاجيء لإذاعة الإرتباك والحيرة والدهشة فيهم " .

    09 ـ وقال الأمير : " لو جمعت فرنسا سائر أموالها وخيرتني بين أن أكون ملكا ً عبدا ً أو أن 

    أكون حرا فقيرا ً معدما ً ، لأخترت أن أكون حراً فقيرا ً " .

    Admin
    Admin

    المساهمات : 1157
    تاريخ التسجيل : 29/04/2015
    العمر : 51

    الرد علي الشبهات المثارةحول الأمير عبدالقادر الجزائري

    مُساهمة من طرف Admin في السبت يوليو 18, 2015 4:54 pm

    أيها الإخوة السلام عليكم ورحمة الله
    وقفتُ على مقال منشور في هذا الموقع الطيب (الألوكة) بعنوان ((فك الشفرة الجزائرية وفتح الأيقونة الباريسية)) كتبه محمد المبارك . وهذا المقال منشور في كثير من المواقع الإسلامية ، والغرض منه الحديث عن شخصية الأمير عبد القادر الجزائري ، ولكن بطريقة ومضمون لم يسبق إليهما ، وطبعًا لا يُقرُّ عليهما! 
    وقبل أن أبدأ بالرد على مغالطات صاحب المقال ، أود أن أبدأ بمسألة ذكَرَها صاحب المقال معتمدًا عليها ؛ ويذكرها بعضُ من خاض في عرض الأمير عبد القادر ويظنون أنها ثابتة أو صحيحة ويبنون عليها أحكامهم ، ويبالغ بعضهم كاذبًا فيقول إنها متواترة!! ويحاول البعض أن يدلّس على الناس فيوهمهم أنّ بعض علماء الحديث الكبار في عصرنا هذا ؛ قد أثبتها!!
    وهذه المسألة هي ما رواه عبد الرحمن الوكيل في المقدمة التي كتبها لكتاب الإمام برهان الدين البقاعي رحمه الله (تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي) نقلاً عن الصفحة الأولى من نسخة الشيخ محمد نصيف الذي أهدى هذا الكتاب إلى الشيخ محمد حامد الفقي ليطبعه حيث قال: وقد كتب الشيخ الجليل محمد نصيف على نسخته ما يأتي : "أقول أنا محمد نصيف بن حسين بن عمر نصيف: سألت السائح التركي ولي هاشم عند عودته من الحج في محرم سنة 1355هـ عن سبب عدم وجود ما صنفه العلماء في الرد على ابن عربي ، وأهل نحلته الحلولية والاتحادية من المتصوفة ؟ فقال: قد سعى الأمير السيد عبد القادر الجزائري بجمعها كلها بالشراء والهبة ، وطالعها كلها ، ثم أحرقها بالنار ، وقد ألف الأمير عبد القادر كتاباً في التصوف على طريقة ابن عربي . صرّح فيه بما كان يلوّح ابن عربي ، خوفاً من سيف الشرع الذي صرع قبله:" أبو الحسين الحلاج " ، وقد طبع كتابه بمصر في ثلاث مجلدات ، وسماه المواقف في الواعظ والإرشاد ، وطبع وقفاً ، ولا حول ولا قوة إلا بالله" .انتهى [ص14]
    وأقول : إذا كان ما رواه الوكيل عن الشيخ محمد نصيف صحيحًا ، فإننا مع احترامنا للشيخ محمد نصيف ولمنزلته ، لا يمكن أن نقبل هذا الكلام لأنه كلام غير مقبول أبداً وليس علمياً ولا منطقياً!! والذين يقبلونه هكذا على علاّته عندهم مشكلة ولا ريب ، ونحن مسلمون نكتب في منتدى أهل الحديث ، فيجب علينا أن نقتفي طريقة أهل الحديث في قبول الروايات وردّها ، فما بالك برواية عجيبة كهذه؟!
    أوّلاً ـ لماذا لم يترجم الشيخ نصيف لشخصية السائح التركي ولي هاشم؟ من هو ، وما منزلته العلمية ، ومتى ولد ، وما عمله واختصاصه ، وعَمَّن تلقى تلك الرواية عن الأمير؟ أسئلة كثيرة يجب أن تُعرف قبل القبول برواية شخص مجهول الحال! 
    ثانياً ـ من المعروف أن الشيخ محمد نصيف من أشهر أصحاب المكتبات في مدينة جُدّة والمهتمّين بالكتب ، فما حاجته إلى سؤال أحد السّائحين الأتراك عن تلك الكتب؟ وهل ذلك التركي أعلم بالكتب والمخطوطات من الشيخ نصيف؟ وقد ذكر عبد الرحمن وكيل ص13 أنّ السيد أحمد زكي أهدى صورة مخطوط (تنبيه الغبي) للشيخ محمد نصيف سنة (1352هـ) أي قبل اجتماعه بالسائح التركي بثلاث سنوات!! إذن عمَّ كان يسأله والكتاب عنده؟!
    ثالثاً ـ إنّ سؤال الشيخ نصيف غريب ، فما هي الكتب التي صُنّفت في الرد على ابن عربي؟ نحن لم نسمع أو نقرأ عن كتاب صنّف لأجل الرّد على ابن عربي غير كتاب الإمام البقاعي (تنبيه الغبي) ، فلماذا لم يذكر لنا الكتب المفقودة التي صنّفت في الرد على ابن عربي؟ وجواب السائح التركي أغرب منه فقد زعم أنّ الأمير اشترى جميع(انتبه جميــع) تلك الكتب والمخطوطات وأحرقها!!
    ونحن نرى أنّ كتاب البقاعي كان موجوداً عند الشيخ نصيف وقد طُبع! إذن فالمخطوط لم يُحرق والحمد لله ، وكذلك كتب التراجم التي ترجمت لابن عربي وانتقدته ، مثل (ميزان الاعتدال) و(لسان الميزان) و(سير أعلام النبلاء) و(العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين) وغيرها من الكتب كلّها موجودة ومطبوعة ، إذن فمخطوطاتها لم تحرق والحمد لله ، فعن أي كتب يسأل الشيخ نصيف؟ وأيّ جواب هذا الذي افتراه السائح التركي؟!!
    رابعاً ـ إنّ الأمير عبد القادر توفي سنة (1300هـ)! ، والشيخ نصيف من مواليد (1302هـ)!( ) أي بعد وفاة الأمير بسنتين ، والسائح التركي لا نعرف من هو ولا تاريخ مولده ، ولكنّ اللقاء جرى بينه وبين الشيخ نصيف سنة (1355هـ) !!! أي بعد وفاة الأمير بخمس وخمسين سنة! فمن أين لهذا السائح التركي تلك المعلومات ؟ شراء جميع تلك المخطوطات أو استيهابها ثمّ الاطلاع على ما فيها وبعد ذلك إحراقها!! 
    إنّ واحدة من تلك المعلومات تحتاج من راويها أن يكون معاصراً للأمير ومخالطاً له ومطلعاً على أعماله واتصالاته ، فما بالها غابت عن كل من خالط الأمير واجتمع به وعاش معه من العلماء والوجهاء والأدباء والأعيان الذين ترجموا له وكتبوا عن سيرته ، وظفر بها السائح التركي المجهول والذي يفتقر إلى كل تلك الصفات؟! 
    خامساً ـ إن حادثة مثل هذه (إحراق مخطوطات) هي حادثة كبيرة جداً ، ومن الغريب والمستبعد جداً ألاّ يعلم بها أحدٌ من أهل الشام على مختلف طبقاتهم ، فكل من ترجم للأمير عبد القادر ، وهم من تيارات مختلفة : ففيهم الصوفي وفيهم السلفي وفيهم الكافر وفيهم المسلم وفيهم المستشرق والمغرض وفيهم المؤرخ الحر وفيهم الأدباء ، كل هؤلاء لم يذكروا هذه الحادثة أو يشيروا إليها لا من قريب ولا من بعيد!! فكيف علم بها السائح التركي وحده؟ وكيف قَبِل منه هذا الخبر الشيخ محمد نصيف؟!
    وهؤلاء العلماء ذكروا ما للأمير وما عليه بإنصاف وعدل . 
    سادساًـ من المعلوم عند أهل العلم أن السلطان سليم العثماني هو من أشد الناس تعظيماً وتقديساً لابن عربي ، وبعد دخوله إلى الشام أسرع وأمر ببناء مقام للشيخ ابن عربي بصالحية دمشق في أعلى الجبل وفق إشارة الشيخ ابن عربي في أحد كتبه!![انظر (منتخبات التواريخ لدمشق) للحصني 2/573] (وكان يعبّر عن هذه الإشارة بعض شيوخ المتصوفة بقولهم : إذا دَخَلَت السِّين في الشين ظَهَرَ مقام محيي الدين! إذن فلتكن السين هي رمزٌ للسلطان سليم والشين رمزٌ للشام) 
    ومن المعلوم أيضاً عند أهل العلم أن السلطان سليم قام بمصادرة مخطوطات الحديث والسنة من الشام ومصر وألقاها في أقبية الآستانة (وهذا قبل أن يولد أجداد الأمير عبد القادر)، وآخر من اطلع على هذه المخطوطات من العلماء المشاهير الحافظ ابن حجر العسقلاني ،رحمه الله ، فلماذا لم يذكر أحد من أهل التواريخ أن السلطان سليم أحرق الكتب التي ترد على ابن عربي؟ ولماذا لم يقم بهذا الفعل أصلاً مع تعصبه الشديد لابن عربي؟ [والدليل على ما قاله أهل العلم من المؤرخين هو عثور الأستاذ أحمد زكي على مخطوط (تنبيه الغبي) في خزائن القسطنطينية (استنبول)!! . انظر مقدمة عبد الرحمن الوكيل ص13 
    فائدة :[الأستاذ أحمد زكي باشا والملقّب بشيخ العروبة كان من أصدقاء الأمير سعيد الجزائري حفيد الأمير عبد القادر]
    سابعاً ـ إنّ الدولة العثمانيّة في كلّ أطوارها كانت ترسّخ التصوّف وتشجّعُ عليه في كلّ أرجاء دولتها ، وهي التي أنشأت الأضرحة والقباب والمقامات والزوايا وأجرت لها الأوقاف ، وعيّنت كبار شيوخ التصوف مُتَولِّين على الأوقاف الإسلامية . وكما نعلم فإنّ المتصوفة يعظّمون ابن عربي ويقدّسونه فهل يريد منا الشيخ نصيف أن نقبل أن جميع هؤلاء المتعصبين لابن عربي من السلطان سليم وباقي السلاطين والولاة مروراً بمشيخة الطرق والأضرحة لم يتعرّضوا للكتب الرادة على ابن عربي عبر تلك القرون كلها وحافظوا عليها واعتنوا بها ، وتركوا التفكير بإحراقها ، حتى إذا أهلَّ زمان الأمير عبد القادر ؛ ذلك القائد الفذ والأديب الشريف ، أقدم على التفكير بهذه الطريقة وقام بتنفيذها؟!!!
    إنّ هذا حقاً لأمر عجيب ولا يمكن القبول به عند العقلاء .
    وألفت الانتباه إلى أنّ السيوطي نفسه ؛ وهو الذي ردّ على كتاب الإمام البقاعي ؛ كان يعتقد بولاية ابن عربي ولكن كان يقول بحرمة قراءة كتبه!
    وجلّ شيوخ التصوف كان هذا مذهبهم ينهون أتباعهم عن نسخ كتب ابن عربي أو قراءتها مع إقرارهم بولايته!! ويقولون للناس إن الفقهاء الذين ينتقدون ابن عربي لم يفهموا كلامه ونحن نعذرهم فهم أهل الظاهر وابن عربي من أهل الباطن!!
    إذن فما الحاجة إلى إحراق كتب العلماء التي انتقدت ابن عربي؟
    ليس هناك حاجة طبعاً سوى أن مختلق هذه القصّة (السائح التركي!) أراد أن يشوّه صورة الأمير عبد القادر فحسب ، فالأمير صوفي المشرب في الأصل وهذا يكفي عند البعض لأن يكون مباح العرض والدم فيفترى عليه بالباطل وتلصق به التهم.
    ثامناً ـ أنا أعلم أنّ الأمير عبد القادر كان صوفيّ المشرب وقرأ "الفتوحات المكيّة" ، ولكن هذا لا يسمح لي أن أجزم من عند نفسي بأنّه كان موافقاً لابن عربي في كلّ شذوذاته وانحرافاته ، كيفَ لي ذلك وأنا أقرأُ في كتاب المواقف ؛ الذي نَسَبه الشيخ محمد نصيف للأمير!(وليس له)؛ قولَ الأمير : "وما يُنسَبُ لسيدنا خاتم الولاية محيي الدين مِنَ الكتب المؤلّفة في علم التدبير والكيمياء ، ولغيره من الأولياء الدّاعين إلى الله تعالى ؛ فزورٌ وافتراء ، فإنّه مُحالٌ أنْ يَدُلَّ وليٌ من أولياء الله ، عبادَ الله على ما يقطعهم عن الله تعالى ... وكذا ما يُنسَبُ لسيدنا محيي الدين ، من الكتب المؤلّفة في الملاحم والجِفْر كالشّجرة النعمانيّة وغيرها .. وكذا الفتاوى المنسوبة إليه ، كذبٌ وزور".انتهى [المواقف 2/709]
    فكما ترون فإنّ الأمير عندما اطّلَعَ على كلامٍِ يُنسبُ للشيخ ابن عربي ووجَدَه مخالفاً للشريعة أسرعَ فنفاه عنه وذلك في كتابه الخاص بعلوم القوم ، والسبب في ذلك أنّ الأمير نشَأ على محبّة من يُسمّونهم أولياء الله ، ومنهم ابن عربي . فمن باب حُسنِ ظنّه به نفى عنه ما رآه مخالفاً للشرع .
    ولَسْتُ هنا في معرض تصويب أو تخطئة كلام الأمير في نفي تلك الكتب أو إثباتها ، ولكنّ الذي أُريد بيانه أنّ الأمير صرَّح بعدم موافقته على الكلام المخالف للشرع الذي نُسِبَ لابن عربي ، فكيفَ يسمح البعض لأنفسهم أن يجزموا بأنّ الأمير كان على معتقد الشيخ ابن عربي من الحلول والاتحاد؟! 
    كما فعل الشيخ محمد نصيف الذي لم يكتف بذلك بل قال : ((وقد ألف الأمير عبد القادر كتاباً في التصوف على طريقة ابن عربي . صرّح فيه بما كان يلوّح ابن عربي)) . سبحان الله!
    وانظروا إلى تحذير الأمير من ذلك عندما كان يشرحُ بعض إشارات الصوفيّة قال في آخر كلامه : 
    " واحذر أن ترميَني بحلولٍ أو اتّحاد أو امتزاج أو نحو ذلك ، فإني بريء من جميع ذلك ومِنْ كل ما يُخالف كتابَ الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم .. ".انتهى [المواقف 2/869]
    وانظروا إلى قوله : "... فإنّ هلاكه أقرب ، ونجاته أغرب ، إذ للشيطان فيه مدخلٌ واسع وشبهة قويّة فلا يزال أبو مُرّة (يعني إبليس) معه يستدرجه شيئاً فشيئاً يقول له : الحقُّ ـ تعالى ـ حقيقَتُكَ ، وما أنتَ غيرُه ، فلا تُتْعِب نفسك بهذه العبادات ، فإنّها ما وُضعت إلا للعوام الذين لم يصلوا إلى هذا المقام ، فما عرفوا ما عَرَفت ، ولا وصلوا إلى ما إليه وصلت. ثمّ يُبيحُ له المحرّمات، ويقول له : أنتَ ممَّن قال لهم : اعملوا ماشئتم فقد وجبت لكم الجنّة ، فيُصبِحُ زنديقاً إباحيّاً حلوليّاً ، يمرقُ من الدِّين كما يمرق السهم من الرميَّة".
    انتهى [المواقف 3/1043]
    يقول شارل هنري تشرشل : ((إن العرب ينسبون نجاح وحظّ عبد القادر السعيد إلى تعضيد سميّه العظيم (يقصد بسميّه الشيخ عبد القادر الجيلاني) ، ولكن كلّما سُئلَ عبد القادر عن عقيدته في هذه الخرافة ، أجاب بلا تغيير ، مُشيراً بإصبعه إلى السماء ، "إنّ ثقتي في الله وحده")) .انتهى [(حياة الأمير عبد القادر) ترجمة أبي القاسم سعد الله ص46]
    وهذا نصٌّ واضح يرويه هنري تشرشل (البريطاني المسيحي) مباشرة عن الأمير ـ فقد لازمه مدة خمسة أشهر في دمشق سنة 1860م يسأله عن حياته العائلية ووقائعه في الجزائرـ وبعد أن سأله مراراً عن عقيدته فيما يعتقده بعض المتصوفة من أنّ نجاح الأمير كان بسبب عناية الولي الجيلاني به ومساندته له ، كان جواب الأمير ثابتًا دائماً ،كان يُشير بإصبعه إلى السماء ويقول :"إنّ ثقتي بالله وحده"!! وهذه النصوص التي سقتها لكم هي نصوص ظاهرة الدلالة يصرّح فيها الأمير عن معتقده ، فلا يجوز أن يُتغافل عنها ويُصار إلى الكلام عنه بالتخرّص والتوهّم!! بل يتعيّن الاعتماد عليها وطرح ما يخالفها.
    وسيأتي مزيدٌ لبيان فكر وعقيدة الأمير عبد القادر عند الحديث على كتاب المواقف إن شاء الله . 
    أعتقد أنّ هذه الأشياء التي ذكرتها لكم تبيّن بوضوح عدم صحة الرواية التي أوردها الشيخ محمد نصيف عن السائح التركي ، على جميع الصُعد ، فهي لا تصح سنداً ولامتناً ولا مقبولة عقلاً ، ومتعارضة مع الحقيقة والواقع ، فقد زعم راويها أنّ الأمير اشترى كل تلك الكتب وأحرقها ، وها نحن نرى اليوم جميع تلك الكتب موجودة ومحفوظة! فالأخذ بهذه الرواية ليس من الدّين في شيء .
    وأعجب من ذلك أنّ بعض الذين أوردوا هذه الرواية فهموا منها شيئاً لم يُذكر فيها! وصاغوه كما يروق لهم ، فقالوا : إن الأمير عبد القادر من ألد أعداء دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية وكان يُحرق كُتبه وكتب ابن القيّم!!
    ودليلهم على ذلك هو الرواية التي ساقها الشيخ محمد نصيف .
    ولا أدري من أين ظهر لهم اسم شيخ الإسلام ابن تيمية في كل تلك الرواية؟!
    لعلّهم ظنوا أنّ الإمام ابن تيميّة ، رحمه الله ، كان الوحيد الذي يُنكر على ابن عربي ، ومِنْ ثَمَّ فالكتب التي أحرقها الأمير عبد القادر هي كتب الإمام ابن تيميّة ، ومن هنا استشفّوا العداوة بين الرجلين!
    وهذا والله أمرٌ عجيب! أيكون الحكم على العلاقات بين الرجال بهذه الطريقة السقيمة؟!
    توهّمٌ أوّل مضافٌ إلى توهّمٍ ثان والتوهمان مبنيان على رواية باطلة ، وبعد ذلك الخروج بحكم ما أنزل الله به من سلطان . ثم "نحن أهل الإسلام وأهل الحديث!!"
    إنّ الواجب على الذي يدّعي هذا الكلام أن يأتي بالبرهان والدليل على كلامه ، وإلاّ فهو ساقط الرواية وليس بثقة ؛ هذا في الدنيا ، وأما في الآخرة فالموقف عصيب والدّيان شديد العقاب .
    وأنبّه هنا إلى أمر هام وهو أنّ علماء عصرنا الذين ترجموا لابن تيمية وابن القيم وكذلك المحققين الذين تولوا إخراج تراثهما المكتوب ، لم يشيروا لا من قريب ولا من بعيد إلى حادثة إحراق كتبهما . وتفرّد بذكر هذه الحادثة صاحب مقال فك الشيفرة وأمثاله من الذين يلقون أوهامهم هنا وهناك في (الإنترنت) ، وهم ليسوا من أهل العلم بل وغير معروفين .وليس لهم أي مستند أو برهان لما ذكروه وافتروه!!
    والأمير له بعض الكتب والرسائل ، لا يوجد في أي منها تعريض بشيخ الإسلام أو بغيره . 
    وبعد مطالعتي لتراث الأمير عبد القادر لم أقف على شيء يدل على نفور الأمير من ابن تيمية. ولكنني وقفت على بعض النصوص ، التي كتبها السيد أحمد بن محيي الدين الحسني الأخ الأصغر للأمير عبد القادر وتلميذه النجيب وهو صوفي المشرب أيضًا (وهو من أصفياء العلاّمة جمال الدين القاسمي)، هي أقوى في الدلالة وأظهر من تلك التي اعتمد عليها أدعياء العداوة بين الرجلين ؛
    1ـ جاء في كتاب (نثر الدر وبسطه) لأحمد بن محيي الدين الحسني (وهو مطبوع سنة 1324هـ) في الصفحة 102 : (( .. ثمّ إنّ مما يُستغرب منه ويُتعجّب ما كنتُ سمعته من بعض طلبة وقتنا ، وهو أنّ العلاّمة المحقق الشيخ ابن تيميّة رحمه الله تعالى ألّف كتاباً حاول فيه تعليل المسائل الفقهيّة التي عجز فحول العلماء عن تعليلها ، واستنبطَ لها جميعها تعليلات مقبولة ، فاستبعدتُ ذلك منه كل البعد ، وعددته من الأشياء المحالة أو الشبيهة بالمحال ، إذ لا يمكن للإنسان أن يلتمس لتلك الأشياء تعليلاً مقبولاً إلاّ أن يكون بقوة كشفيّة أو ملكة وهبيّة . فلربما يصحّ ذلك لمن أطلعه الحق تعالى على ما هنالك وتخرج وقتئذ عن كونها تعبّديّة ..)) انتهى
    إذن فالسيد أحمد الأخ الأصغر للأمير وتلميذه المخلص إذا أورد اسم شيخ الإسلام قال عنه : ((العلاّمة المحقق الشيخ)) ثمّ يقول ((رحمه الله تعالى)) ، مع أنّ الكلام الذي سيسوقه إنما هو في معرض الرد والمخالفة ، فهل يمكن أن يُفهم من كلامه أنّه من ألدّ أعدائه؟
    وانظروا إلى ما قال الهيتمي بحق شيخ الإسلام ابن تيمية عندما سُئل عنه فأجاب بقوله : ((ابن تيمية عبدٌ خذَلَه الله وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذله وبذلك صرّح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله)).انتهى [انظر فتاوى الهيتمي ص114].
    بمقارنة بسيطة بين كلام السيد أحمد الحسني وبين كلام الهيتمي يستطيع العاقل أن يميّز بين من هو مبغضٌ وعدوّ ، وبين من يحترم الآخر مع مخالفته له في المذهب الفقهي . ومِِنْ ثَمَّ يستطيع القول إنّ الهيتمي مبغضٌ وعدوٌ لابن تيميّة ، ولكنه لا يستطيع أن يقول ذلك أبداً عن السيد أحمد ، وغرضي من هذا أن موقف السيد أحمد هو بالضرورة يعبّر عن موقف أخيه وأستاذه الأمير عبد القادر .
    2ـ وجاء في كتاب السيد أحمد بن محيي الدين الحسني (نُخبة ما تُسرُّ به النواظر) وهو مخطوط موجود عندي ، وقد قدَّم له العلاّمة جمال الدين القاسمي ؛ يقول السيد أحمد في الصفحة 173 
    (( .. وما أحسن قول العلاّمة محمد بن أبي بكر المعروف بابن القيّم الدمشقي الحنبلي في وصف الحور العين في نونيّته المشهورة رحمةُ الله عليه ....)) .انتهى ، ثم أورد (32) بيتاً منها .
    أهذا وصف الأعداء الألداء بعضهم لبعض؟! وابن القيّم هو من أخص تلاميذ ابن تيميّة ووارث منهجه .
    إذن أستطيع أن أرى من خلال هذين النصين أن من زعم أنّ الأمير يكره ابن تيميّة وابن القيم هو متخرّص ومتكلّم بغير علم ولا تقوى .
    وللفائدة فإن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لم يكن مكروهاً من قِبَل العلماء ولا الناس ولا المتصوفة ؛ لا في عصره ولا بعد ذلك ، وإنما كان له بعض المنافسين الذين حاولوا أن ينالوا منه ، ولكن هذا لم يكن له أي أثر عند الناس ، وفقهاء المذاهب الأربعة المتأخرون نقلوا عنه واستشهدوا بكلامه في كتبهم ؛ ولم يظهر التحامل على ابن تيمية والتعريض به على نحو عريض إلاّ في هذا العصر وذلك لأسباب أظن أنني غير محتاج إلى ذكرها في هذا المقام . والشيء نفسه يُقال بحق ابن القيّم رحمه الله.
    وإنني أشهد أنني رأيت أناساً من المتصوفة ، بل ومن غلاتهم يقفون على قبر الشيخ ابن تيمية في دمشق خلف مشفى التوليد الجامعي وفي حرم كلية طب الأسنان القديمة ، ومدخل رئاسة جامعة دمشق ، ويقرؤون له الفاتحة كما هي عادتهم إذا زاروا القبور . (وقبره مع قبر صاحبيه) هي القبور الوحيدة المتبقّية من مقابر الصوفية! (المقبرة التي دُفن فيها ابن تيمية اسمها مقابر الصوفية) .
    والآن سآتي على بيان فساد الادعاء الثاني ، وهو توهّم أن الأمير أحرق كتب ابن تيمية .
    إن شيخ الإسلام لم يتعرّض فيما أعلم لتأليف جزءٍ خاص في الرد على ابن عربي ، وإنما هو ذكره في فتاويه ورسائله خلال حديثه عن انحرافات الصوفية . وكان يذكر عباراته التي في (فصوص الحكم والفتوحات) وينتقدها ويصفها بما تستحق من الضلال إلى الكفر ، ولكنّه لم يتعرّض لتكفير شخص ابن عربي مباشرة ، بل انظروا ماذا قال عنه في الفتاوى : ((..المَقَالَةُ الأُولَى مَقَالَةُ ابنِ عَرَبِيٍّ صَاحِبِ فُصُوصِ الحكم. وَهِيَ مَعَ كَونِهَا كُفْرًا فَهُوَ أَقْرَبُهُم إلَى الإِسلامِ لِمَا يُوجَدُ فِي كَلامِهِ مِنْ الكَلامِ الجَيِّدِ كَثِيرًا وَلأَنَّهُ لا يَثبُتُ عَلَى الاتِّحَادِ ثَبَاتَ غَيرِهِ بَل هُوَ كَثِيرُ الاضْطِرَابِ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ قَائِمٌ مَعَ خَيَالِهِ الوَاسِعِ الَّذِي يَتَخَيَّلُ فِيهِ الحَقَّ تَارَةً وَالبَاطِلَ أُخرَى . وَاَللَّهُ أَعلَمُ بِمَا مَاتَ عليه)) انتهى.[مجموع الفتاوى 1/141]
    وقال : ((وَهُوَ قَوْلُ بَقِيَّةِ الاتِّحَادِيَّة ِ لَكِنَّ ابنَ عَرَبِيٍّ أَقْرَبُهُم إلَى الإسلام وَأَحسَنُ كَلامًا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ فَإِنَّهُ يُفَرِّقُ بَينَ الظَّاهِرِ وَالمَظَاهِرِ فَيُقِرُّ الأَمرَ وَالنَّهيَ وَالشَّرَائِعَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيهِ وَيَأْمُرُ بِالسُّلُوكِ بِكَثِيرِ مِمَّا أَمَرَ بِهِ الْمَشَايِخُ مِن الأَخْلاقِ وَالعِبَادَاتِ وَلِهَذَا كَثِيرٌ مِن العِبَادِ يَأخُذُونَ مِن كَلامِهِ سُلُوكَهُم فَيَنتَفِعُونَ بِذَلِكَ وَإِن كَانُوا لا يَفقَهُونَ حَقَائِقَهُ وَمَن فَهِمَهَا مِنهُم وَوَافَقَهُ فَقَد تَبَيَّنَ قَولَهُ)) . انتهى [مجموع الفتاوى 1/ 196]وفي الجزء الثاني من مجموع الفتاوى ص464 : ((وإنما كنتُ قديماً ممن يُحسن الظن بابن عربي ويُعظّمه : لِمَا رأيت في كتبه من الفوائد مثل كلامه في كثيرٍ من "الفتوحات" ، و"الكُنْه"( ) ، و"المحكم المربوط" ، و"الدرة الفاخرة" ، و"مطالع النجوم" ، ونحو ذلك . ولم نكن بعد اطلعنا على حقيقة مقصوده ، ولم نطالع الفصوص ونحوه ، وكنا نجتمع مع إخواننا في الله نطلب الحق ونتبعه ، ونكشف حقيقة الطريق، فلما تبيّن الأمر عرفنا نحن ما يجب علينا ...)) ثمّ ذكرَ طامّات من أقوال ومعتقدات غلاة الصوفية الفلاسفة وختمها بقوله : ((وهذه المعاني كلها هي قول صاحب الفصوص (يعني ابن عربي) والله تعالى أعلم بما مات الرجل عليه ، والله يغفر لجميع المسلمين والمسلمات ، والمؤمنين والمؤمنات ، الأحياء منهم والأموات {ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم})). انتهى [مجموع الفتاوى2/ 469]
    فهل في هذا الكلام ما يحمل على الحقد على ابن تيميّة؟ وهل في كلام ابن تيمية أي رائحة شدّة وتعسّف أو حقد على ابن عربي؟ 
    وروى الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة ابن عربي ، قال : وقد حكى العلامة ابن دقيق العيد شيخُنا أنه سمع الشيخ عز الدين ابن عبد السلام يقول عن ابن العربي : ((شيخ سوء كذّاب ، يقول بقدم العالم ولا يحرِّم فرجاً)).انتهى
    وقال تقي الدين السبكي : ((ومَنْ كان مِنْ هؤلاء الصوفية المتأخرين كابن عربي وغيره ، فهم ضُلال جهالٌ ، خارجون عن طريقة الإسلام ، فضلاً عن العلماء)). انتهى . قال ذلك في باب الوصية من شرح المنهاج ونقله الكمال الدَّميري والتقي الحصني . 
    إننا إذا قارنا بين ما قاله الإمام العز بن عبد السلام أو السبكي وأبو حيان الأندلسي والبقاعي وغيرهم في ابن عربي وبين ما قاله ابن تيميّة ، تبيَّن لنا كم كان الإمام ابن تيميّة متلطفاً في العبارة ، ورعاً في الوصف مع الجرأة في بيان الحق ودحض الباطل . والشيء نفسه يُقال بحق ابن القيّم .
    إذن فإحراق كتب هؤلاء أولى من إحراق كتب ابن تيمية وابن القيم!
    ومع ذلك أقول للذين يصرّون بغير حق على اتهام الأمير بحرق كتب ابن تيميّة وابن القيّم .
    هل تدرون أين وُجِدَت كُتب شيخ الإسلام ابن تيمية؟ وهل تدرون أين كانت تُحفظ وتتعهد بالرعاية ؟ إلى أن يسّر الله طبعها ونشرها . 
    لقد وُجد مجموع فتاوى ابن تيمية بتمامه تقريباً في دمشق ، موطنِ الأمير عبد القادر ومكان نفوذه وسلطته ، في المكتبة الظاهريّة غير البعيدة عن دار الأمير عبد القادر! فكيف يزعمون أنه أحرقها؟
    أم أنهم سيقولون إنها فاتته ، إذن ماذا كان يحرق؟! 
    وكيف لم يستحوذ عليها كما ادّعى السائح التركي ، مع أنها تحت يده في دمشق؟
    وإليكم ما قاله الشيخ محمد بن عبد الرحمن العاصمي ، في مقدّمة مجموع الفتاوى المطبوع ، قال : ((إن أباه الشيخ عبد الرحمن العاصمي الحنبلي رحمه الله بدَأَ بجمع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيميّة في نجد سنة 1340 هـ(انتبه للتاريخ) فوجد منها ثلاثة مجلّدات عند الشيخ محمد بن عبد اللطيف ثمّ قال :" وكانت نجدٌ وما زالت ـ بحمد الله ـ أسعد الأقاليم بالانتفاع بمؤلّفات شيخ الإسلام ، وتداولها وتدريسها" 
    [طبعاً هذا الكلام بعد وفاة الأمير عبد القادر وقبل قصّة الشيخ نصيف مع السّائح التركي فتنبَّه!]
    ثمّ استخرَج من مكتبة الحرم المكي عدداً منها ؛ كما تحصّل على مسائل من بعض العلماء الأفاضل . وأمّا فَرَحُه الكبير فقد كان عندما عَثَرَ في المكتبة الظّاهريّة بدمشق على الكمّ الأكبر من الفتاوى قال :" .. ثمّ تصفّحتُ ((المجاميع)) وهي تزيد على (150) مجموعة ، وقد اشتَمَلَت على مسائل ونبذٍ لا توجد في غيرها ، وهي بخطوط قديمة ، وفيها من خطّ شيخ الإسلام بيده ما يزيد على (850) صحيفة . ومن تلك المجاميع ((مجموعة مسودة)) كلّها بخطّه ، لا يوجد شيء منها في المكاتب ، ولا غيرها عدد صفحاتها ( 664).."
    ويتابع الحديث عن بحثه في المكتبات الأهليّة (الخاصّة) بدمشق فيقول : " فوجدتُ عند الشيخ حسن الشطي كتابين في الوقف ضمن مجاميع لشيخ الإسلام ، وعند محمد حمدي السفرجلاني مسائل في التراويح والإمامة وغيرها ..وعند أحمد عبيد وإخوانه مسائل ..." .انتهى انظر مقدّمة مجموع الفتاوى بقلم الشيخ محمد بن عبد الرحمن العاصمي النجدي الحنبلي.
    إذن بعض كتب شيخ الإسلام كانت في بلاد الحرمين قديماً ، ولكن عُثر على معظم تراثه في دمشق! حيث كان يعيش الأمير عبد القادر ، وحيث كانت دار الكتب الظاهرية التي أنشأها ومدّها بالمخطوطات والكتب أحدُ ألمع تلامذة الأمير عبد القادر والمقرّبين منه إنه الشيخ طاهر الجزائري السمعوني السَّلَفي ، والأمير كان يمدّه بالمال والمخطوطات ، ومعظم المخطوطات التي كانت عند الأمير أعطاها للشيخ طاهر ، والمكتبة الظاهرية أُسِّسَت سنة 1879م يعني قبل وفاة الأمير بخمسة أعوام . والشيخ طاهر يُجلّ الأمير كثيرًا ورثاه بمرثيّة من أبدع ما قيل.
    والذي أرشد الشيخ عبد الرحمن العاصمي إلى مجموع فتاوى ابن تيميّة ، هو الأمير عبد المجيد حفيد الأمير عبد القادر ، الذي كان أمينًا للمكتبة الظاهرية قرابة أربعين سنة! وللفائدة فإن الأمير عبد المجيد هو الذي كان يقدم التسهيلات للشيخ المحدّث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله ، أثناء وجوده في المكتبة الظاهرية . وكان الأمير عبد المجيد يأخذ برأي الإمام ابن تيمية في بعض المسائل! 
    وبالمناسبة فإن هواة الطعن في الرجال بالتشهي يتّهمون الشيخ طاهر الجزائري بالماسونية
    !
    إذن على طريقتهم فإنّ الماسون هم الذين حافظوا على تراث شيخ الإسلام ابن تيمية! وحسبنا الله ونعم الوكيل .
    أعتقد أن في هذا القدر من التوضيح والبيان كفاية لمن يريد الحق .
    وفي المشاركة القادمة إن شاء الله سأبدأ بالرد على التهم والتخرصات التي ساقها صاحب فك الشيفرة الجزائريّة . وسأجعل الرد مقسمًا على حلقات أتناول فيها التهم واحدة إثر أخرى . 
    والحمد لله ربّ العالمين
    خلدون بن مكّي الحسني
    للبحث صِلة

    Admin
    Admin

    المساهمات : 1157
    تاريخ التسجيل : 29/04/2015
    العمر : 51

    هل كان الأمير عبدالقادر الجزائري ماسونيا ؟

    مُساهمة من طرف Admin في السبت يوليو 18, 2015 5:00 pm

    [size=27]الحلقة الثانية 
    نُشر في الكثير من المواقع الإسلامية!! مقال للأخ (محمد المبارك) بعنوان ((فك الشفرة الجزائريّة وفتح الأيقونة الباريسيّة)) والقارئ للعنوان يظن أنه سيطلع على خفايا ووثائق تكشف شيئًا عن السياسة في الجزائر وفرنسة ، ولكن سرعان ما يتلاشى هذا الظن عندما يجد القارئ نفسه أمام مقال يترجم للأمير عبد القادر فحسب!! ولكن أيّ ترجمة؟ إنها ترجمة غير مسبوقة ولا يُقرُّ الكاتب عليها ، فهي وإنْ بدأَتْ بذكر شيء من مآثره ومزاياه ، إلاّ أنها في صلبها لا تُبقي للأمير أي خصلة حميدة إلاّ جرّدته منها ، وألصقت به خصال السوء . 
    كل ذلك دون ذكر أي مصادر أو مراجع أو إحالات لكتب أو علماء . اللهم ما كان من ذكر لأقوال بعض رجال الماسون ولكن أيضًا دون ذكر المصادر والإحالات!
    وإذا راجعنا تاريخ تلك الحقبة ، وترجمة الأمير عبد القادر في كتب المغاربة والمشارقة الذين عاصروه أو كانوا قريبًا من عصره ، وهم بالعشرات ، فسنجد خلاف ما ذكره صاحب المقال!
    وتحت إلحاح الكثير من الإخوة والأساتذة الكرام ، كتبتُ ردًا على ذلك المقال ، أُبيّن فيه ما وقفتُ عليه في كتب العلماء والمؤرّخين من الحقائق والوثائق ، وذلك لتجلية الموضوع وإظهار الحقيقة.
    وتشمل حلقات الرد على بعض التوضيحات التاريخية والتراجم ، إضافة إلى دفع الشُّبه والاتهامات .
    وأنا في ردي هذا إنما أنطلق من مبدأ الذَّب عن أعراض المسلمين الذي أُمِرْنا به ، فلا يجوز لي وأنا أرى ظلمًا واقعًا بأحدٍ من المسلمين ـ أيًّا كان مذهبه ـ وأعلم أنه بريء منه ، أن أسكت عنه أو أتجاهله . لا يجوز هذا لي ولا لغيري أبدًا ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ((كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه)) . [وعِرْضُ الرجل : موضع المدح والذم فيه] .
    وأنطلق من قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيح : [((انصر أخاك ظالماً أو مظلومًا)) . فقال رجل يا رسول الله أنصره إذا كان مظلومًا أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال : ((تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره))]
    وأنا ـ إن شاء الله ـ في بحثي هذا سأنتصر للأمير عبد القادر (المظلوم) والذي انتقل إلى الدار الآخرة فلا يستطيع أن ينتصر لنفسه ، وسأنصفه وأدافع عن عرضه بالحق . وذلك لأنني على اطّلاع جيد على تاريخ حياته وسيرته وآثاره . وهو في حياته لم توجه إليه أي تهمة من هذه التهم الجديدة!!
    وسأنصر الأخ محمد المبارك والإخوة الخائضين في هذا الموضوع بإبداء النصح لهم ، وذلك بعرض الحقائق والبيّنات التي لم يقفوا عليها ، وأدعوهم إلى الاعتماد على الحقائق عوضًا عن الظنون. والاطمئنان لأقوال المسلمين العدول ، والانصراف عن الأخذ بأقوال غيرهم وخصوصًا الماسون .
    يقول الله عزَّ وجلّ :{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}[الأحزاب:58] 
    ويقول تعالى : {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُم ْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ}[النور:15]
    وإذا وجد الأخ محمد المبارك في خطابي شدّة فليعلم أنني لا أضمر له في نفسي بغضًا أو كرهًا ، وإنما خاطبته بلهجة النقد العلمي فحسب ، وقد ترفّقت به كثيرًا ، مع أنه في مقاله لم يترفّق بالأمير ، ولم يترك فضيلة إلاّ جرّده منها ، ولم يدع نقيصة إلاّ ووصمه بها ، حتى إن القارئ لمقاله ليظن نفسه أمام أبشع شخصية عرفتها الإنسانية .
    وأرجو أن تجد كلماتي عنده وعند الذين خاضوا خوضه ، صدرًا سليمًا ، وقبولاً حسنًا . وأسأل الله تعالى أن يرشدنا جميعًا إلى سواء السبيل وصراطه المستقيم ، وكلي أمل ألاّ نصل إلى آخر حلقات هذا البحث إلاّ وقد آب الأوّابون وانصلح الحال . 
    فأقول مستعيناً بالله العظيم :
    يقول الأخ محمد المبارك في مقاله (فكّ الشفرة): ((ومما حُفِظ عن الأمير خلال تلك الحوارات قوله :" لو كان العالم يسمعني لجعلت من المسلمين والمسيحيين إخوةً ولعملنا معاً من أجل إرساء السلام في العالم"ولعلَّ هذه الجملة كانت هي البروتوكول الذي انتهجه فيما بعد الأمير و التزم به كلالالتزام)).انتهى
    يقول مما حُفظ! طيِّب ، مَنْ حفظه لنا يا أخي؟ سمِّ لنا العلماء المسلمين الذين حفظوا هذه المقولة كما ذكرتها! وأين أوردوها؟ 
    ويبدو أنّ الأخ كاتب المقال لم يتنبّه إلى أمر هام وهو أنه أمام جملة شرطية مبدوءة بأداة الشرط [لو]! وهي : حرفُ امتناعٍ لامتناع ، أي تدلُّ على امتناع الجواب لامتناع الشرط!!! ففي قولكَ : (لو درسَ لنجح) امتناعُ النجاح لامتناعِ الدَّرْس!
    إذن عندما يقول الأمير : ((لو أصغى إليَّ المسلمون والنصارى لرفعت الخلاف بينهم))
    فالذي يُفهم من هذا الكلام امتناع رفع الخلاف بين المسلمين والنصارى لامتناع إصغائهم!
    فكيف تكون هذه الجملة منهجًا يلتزمه الأمير وهي ممتنعة؟!!
    وللعلم فإنّ هذه المقولة أوردها عدّة أشخاص في الإنترنت وكل واحد منهم يأتي بها في صيغة مختلفة عن الأخرى ، وذلك لأنهم ينقلونها بالمعنى أو مترجمة عن لغات أخرى . ولكن أغرب ما رأيت في نقل هذه المقولة هو ما كتبه (عبد الحق آل أحمد) ؛ ولا أدري إن كان هذا اسمه الحقيقي ؛حيث قال :" قال الأمير عبد القادر الجزائري:(( لو أصغى إلي المسلمون و النصارى، لرفعت الخلاف بينهم، ولصاروا إخوانا، ظاهرا و باطنا، ولكن لا يصغون إلي)).اهـ من [ذكرى العاقل و تنبيه الغافل:ص/107]". انتهى
    والغرابة في هذا النقل أنّ كاتبه ينقله هذه المرة من مصدره الأصلي وهو رسالة ((ذكرى العاقل وتنبيه الغافل)) للأمير عبد القادر الجزائري . ولكنّه نقَلَه بعد أن سلخه عن سياق الكلام ، فحذف ما سبقه وما لحقه لكي يُظهر العبارة بوجهٍ يساعده على ما يريد . ومِنْ ثَمَّ حَكَمَ على الأمير بأنه يدعو إلى المؤاخاة مع النصارى!!! 
    وأقول : إنّ رسالة (ذكرى العاقل) هي رسالة كتبها الأمير عبد القادر إلى علماء فرنسة يدعوهم فيها إلى الإسلام ؛ وقد بدأها بالكلام على ضرورة إعمال النظر وترك التقليد ، ثم بيّن فضل العلم والعلماء ، وبيان انقسام العلم إلى محمود ومذموم ، ثم بيّن فضل العلم الشرعي ، وتحدث عن ضرورة إثبات النبوة التي هي منبع العلوم الشرعية ، وتحدث عن قصور المكذبين للأنبياء ، وبرهن لهم أن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم هو خاتم الأنبياء ، ثم تحدث عن الكتابة وضرورة التصنيف . 
    وبالطبع فإن هذه الرسالة موجهة إلى غير المسلمين وطريقة الخطاب فيها تراعي حال المخاطبين من أهل الكتاب ، كما أمرنا الله تعالى في قوله :{ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين َ} [النحل:125] .
    فينبغي على القارئ لها أن يستحضر هذا الأمر ، ولا ينظر إليها بوصفها رسالة إلى علماء المسلمين في بيان عقيدة المؤلف! هذا أولاً
    وأمّا ثانيًا ؛ فهذه الرسالة المطبوعة إنما هي الترجمة العربية للنص الفرنسي المترجم عن الأصل العربي!
    فيجب على القارئ لها أن يدرك أنّ الألفاظ التي صيغت بها ليست من إنشاء المؤلِّف (الأمير) وإنما هي ألفاظ المترجِم لها من الفرنسية ، وكذلك المعاني هي ما فهمه المترجِم من النص الفرنسي!
    وكذلك يجب أن يدرك أنّ النص الفرنسي أيضًا صِيْغَ على النحو الذي فهمه المترجم الفرنسي من النص العربي! 
    إذن نحن أمام نصّ تعرّض لشيء من التشويه عندما تُرجِمَ من العربية إلى الفرنسية وكذلك عندما تُرجِمَ من الفرنسية إلى العربية!!
    ليس هذا فحسب وإنما يجب على القارئ أن يعلم أنّ النص الفرنسي الموجود هو نصٌّ محرّف!! والفرنسيون يخفون الأصل العربي الذي كتبه الأمير بخطّه ، ولا يروّجون إلاّ للنص الفرنسي أو النص العربي المترجم عن الفرنسي.
    وهذا الذي أقول ليس ظنًا أو تخمينًا ، وإنما عندي دليل عليه . فقد ذكر محمد باشا في كتابه (تحفة الزائر) قصة هذه الرسالة فقال : ((إنّ علماء باريس تذاكروا في علماء الإسلام المشاهير ، وانتهى بهم الحديث إلى ذكر الأمير ومؤلفاته التي اتصلت بأيديهم ومواعظه التي كان يلقيها على من يجتمع به منهم ، وأجوبته على أسئلتهم التي كانوا يبعثونها إليه ، فوقع اتفاقهم على أن يثبتوا اسمه في ديوان العلماء من كلِّ أُمّة وملّة من أهل القرون الماضية ، فأثبتوه وكتبوا إليه يخبرونه بذلك فكتب إليهم رسالةً ضمّنها علومًا جمّة ذَكرَ في خطبتها ما نصّه : (((الحمدُ لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين ، ورضي الله تعالى عن العلماء العاملين ، أمّا بعد : فإنه بلغني أنّ علماء باريس كتبوا اسمي في ديوان العلماء ، ونَظَموني في سلك العظماء ، فحمدت الله على ستره عليَّ حتى نظر عباده بالكمال إليّ ؛ وقد أشار عليَّ بعض المحبين منهم أن أكتب إليهم بعض الرسائل ، فكتبتُ هذه العجالة، وسميّتها "ذكرى العاقل وتنبيه الغافل" ورتبتها على مقدمة وثلاث أبواب...إلخ))).انتهى
    هذا هو الأصل العربي الذي افتتح به الأمير رسالته ، وللأسف ليس لدينا إلاّ هذا الجزء الذي نقله محمد باشا . وإذا قارناه بما كُتبَ في الرسالة المطبوعة باللغة العربية المترجمة عن الفرنسية وجدنا أنه حتى في هذه الافتتاحية الصغيرة (خمسة أو ستة أسطر) وقع حذفٌ وزيادة وتحريف للنص الأصلي!!
    وإليكم النص المطبوع والمنشور (المحرّف) : (()الحمد لله ربّ العالَمين . ورضي الله تعالى عن العالِمين. أما بعد : فإنه بلغني أن علماء بريز . وفّقهم العليم الحكيم العزيز . كتبوا اسمي في دفتر العلماء . ونظموني في سلك العظماء . فاهتززت لذلك فرَحا . ثم اغتممت ترَحا . فرِحت من حيث ستر الله عليّ . حتى نظر عبادُه بحسن الظن إليّ . واهتممت من كون العلماء استسمنوا ذا ورم . ونفخوا في غير ضرم . ثم أشار عليّ بعض المحبين منهم بإرسال بعض الرسائل إليهم . فكتبتُ هذه العجالة للتشبه بالعلماء الأعلام . ورميت سهمي بين السهام .
    فتشبهوا إن لم تكونوا منهمُ ***** إن التشبه بالكرام رباحُ
    وسميتُ هذه الرسالة (ذكرى العاقل . وتنبيه الغافل) ورتبتها على مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة ...إلخ()) . انتهى
    إنّ كل قارئ يقظ وسليم الصدر ، سيرى بوضوح الفوارق الكثيرة بين النصين (الأصلي والمحرّف)!!
    لقد حذف المزور الصلاة على النبي بدايةً ـ التي وصفه فيها الأمير بخاتم النبيين لأنّ الرسالة تتضمن إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه خاتم النبيين ـ ، ثمّ حذف كلمة العلماء العاملين ، ووضع مكانها كلمة العالِمين!! ، ثم غير كلمة باريس فجعلها باريز ، وأضاف جملةً كاملة فيها دعاء وثناء على علماء باريس أتى بها مسجوعة ، وبعد ذلك حذف المزوّر الجملة التي حمِد اللهَ فيها الأمير ، ووضع مكانها جملاً ليس فيها معنى الحمد ، ثم أضاف كلامًا وشعرًا ، وكل ذلك ليس له وجود في كلام الأمير!! 
    حتى بيت الشعر جاء بصيغة غير الصيغة المعروفة والتي لا تخفى على الأمير الشاعر!وهي :
    فتشبهوا إن لم تكونوا مثلَهمْ*****إن التشبه بالكرام فلاحُ
    وسيدرك القارئ الفطن أنّ المحرّفين للنص الأصلي هم من المستشرقين الفرنسيين أو من عملائهم من نصارى الشرق (لبنان) بخاصة! (وأعني بذلك أنّه كان بحوزتهم النص العربي الأصلي يستعملون ألفاظه ومبانيه ، في صياغة النص المحرّف).
    وللعلم فإنّ النص المترجم إلى العربية طُبِع أوّل مرة في لبنان دون ذكر اسم الناشر أو دار النشر!!
    وقبل أن أنقل لكم كامل الصفحة التي اقتُصّت منها تلك العبارة . سأنقل لكم بعض الجمل والعبارات التي وردت في رسالة الأمير حتى تكونوا على شيء من الاطلاع على فحوى هذه الرسالة.
    (والرسالة مطبوعة وأنا أدعو الجميع لقراءتها بأنفسهم) .
    قال الأمير عبد القادر في مقدمة الرسالة في معرض حثّ علماء فرنسة (والغرب) على إعمال عقولهم لكي يصلوا إلى الدين الحق : ((اعلموا أنه يلزم العاقلَ أن ينظر في القول ولا ينظرَ إلى قائله ، فإن كان القول حقًا قبِلَه سواء كان قائله معروفًا بالحق أو الباطل ، فإنَّ الذَّهب يُستخرج من التراب والنرجسَ من البصل والتِرياقَ من الحيّات ويُجْتنى الورد من الشوك ؛ فالعاقل يعرفُ الرجال بالحق ولا يعرف الحقَّ بالرجال)).انتهى[ص5] ، ثمّ قال : ((والمتبوعون من الناس على قسمين ، قسمٌ عالمٌ مُسْعِدٌ لنفسه ومسعدٌ لغيره وهو الذي عرف الحق بالدليل لا بالتقليد ودعا الناس إلى معرفة الحق بالدليل لا بأن يقلّدوه ، وقسمٌ مُهلِكٌ لنفسه ومهلك لغيره وهو الذي قلَّد آباءَه وأجداده فيما يعتقدون ويستحسنون وتَرَكَ النَّظرَ بعقله ودعا الناسَ لتقليده ، والأعمى لا يصلح أن يقود العميان ؛ وإذا كان تقليد الرجال مذمومًا غيرَ مرضيّ في الاعتقادات فتقليد الكُتب أولى وأحرى بالذم ، وإنّ بهيمةً تُقاد أفضل من مقلِّدٍ يَنْقَاد . وإن أقوال العلماء والمتدينين متضادّةٌ في الأكثر واختيارُ واحد منها واتِّبَاعُه بلا دليل باطلٌ لأنّه ترجيحٌ بلا مرجِّح فيكون مُعارَضًا بمثله)).انتهى[ص6ـ7] ؛ وفي معرض كلامه على فضل العلم والعلماء قال : ((ويُدرَكُ شرفُ العلم مطلقًا من حيث هو علمٌ بشيئين ، أحدهما شرف الثمرة والثاني قوة الدليل . وذلك كعلم الأحكام الدينية الشرعية وعلم الطب ، فإن ثمرة علم الدين السلامة في الدارة الآخرة وهي الحياة الأبدية . وثمرة الطب السلامة في الدنيا وهي سلامة بدنية منقطعة . فيكون علم الدين أشرف لأنه سببٌ لسلامة أبدية لا تنقطع)).انتهى[ص22] ؛ وقال : ((وأشرفُ العلوم النافعة معرفةُ الله تعالى ومعرفة حكمته في أفعاله وفي خلق السموات والأرض وما فيهما وما بينهما)).انتهى[ص33] ؛ وفي معرض كلامه عن الفرق بين الإنسان وغيره من المخلوقات قال : ((ولما كان المقصود الأعظم من خلق الإنسان هو معرفة خالقه وعبادته أكرمَ اللهُ الإنسان وميّزه بصفة أخرى أشرفَ من الكل وهي العقل ، فبه يعرف الإنسان خالقَه ويدرك المنافع والمضار في الحال والمآل)).انتهى[ص35ـ36] ؛ وفي معرض نقده لعلماء فرنسة قال : ((وقد اعتنى علماء افرنسا ومن حذا حذوهم باستعمال العقل العملي وتصريفه فاستخرجوا الصنائع العجيبة والفوائد الغريبة فاقوا بها المتقدمين وأعجزوا المتأخرين ، رقوا بها أعلى المراقي ، وحصل لهم بها الذكر الباقي ، فلو استعملوا مع هذا العقلَ النظري في معرفة الله وصفاته وفي معرفة حكمته في خلق السموات والأرض وما يلزم للإله من الكمال وما يتقدس عنه من النقص وما يمكن في حقّه أن يفعله وأن لا يفعله لكانوا حازوا المرتبة التي لا تدرك والمزية التي لا تُشرَك ، ولكنهم أهملوا استعمال هذه القوة النظرية حتى إنهم لا يُسمَع منهم لها ذاكر ولا يعثر عليها في كتبهم ناظر)).انتهى[ص40] ؛ وقال : ((وأقلّ أحوال من يقصد بعلم النجم الاطلاعَ على المغيبات أنه خوض في فضول لا ينفع ، فإن المقدورَ واقعٌ والاحتراز منه غير ممكن ،وأحكام النجوم ظنٌ خالصٌ والحكم بالظن حكمٌ بجهل)).انتهى[49] ؛ وقال ((اعلموا وفّقكم الله أنَّ العقل وإن بلغ من الشرف والاطلاع على حقائق الأشياء ما بلغ فثَمَّ علوم لا يصل إليها ولا يهتدي إلى الاطلاع عليها إلاّ بتصديق الأنبياء واتباعهم والانقياد إليهم)).انتهى[ص50] ؛
    وقال : ((فالذي يدعو الناس إلى التقليد المحض مع عزل العقل جاهل ، والمكتفي بمجرد العقل عن العلوم الشرعية مغرور ، فإياكم أن تكونوا من أحد الفريقين وكونوا جامعين بينهما ، فإن العلوم العقلية كالأغذية والعلوم الشرعية كالأدوية ، وقلوب الخلق كلها مرضى ولا علاج لها إلاّ بالأدوية التي ركّبها الأنبياء ، وهي وظائف العبادات ، فمن اكتفى بالعلوم العقلية تضرر بها كما يتضرر المريض بالغذاء . كما وقع لبعض الناس فإنهم قالوا الإنسان إذا حصل له المعقول وأثبتَ للعالم صانعًا وصل إلى الكمال المطلق فتكون سعادته على قدر علمه وشقاوته على قدر جهله ، وعقلُه هو الذي يوصله إلى هذه السعادة . وإيّاكم أن تظنوا أنّ العلوم الشرعية مناقضةٌ ومنافرةٌ للعلوم العقلية ، بل كلُّ شيء جاء عن الأنبياء مما شرعوه للناس لا يخالف العقول السليمة ؛ نعم يكون في شرائع الأنبياء ما تستبعده العقول لقصورها عنه ، فإذا عرفتْ طريقَه عرفتْ أنه الحقُّ الذي لا ينبغي العدول عنه . مثاله في شرع الإسلام الذهب والفضة فإن الشرع يمنع من اختزانهما من غير إعطاء بعضها للفقراء والمساكين ، ويمنع من اتخاذ الأواني للأكل والشرب منها ، ويمنع من بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة بزيادة ، فإذا قيل لإنسان أعطِ بعضها للفقراء وإلاّ تُحرق بالنار! يقول أنا تعبت وجمعتُها فكيف أعطيها مَنْ كان نائمًا مستريحًا هذا خارج عن العقل؟ وإذا قيل له لا تأكل ولا تشرب في أواني الذهب والفضة وإلاّ تُحرق بالنار! يقول أنا أتصرف في ملكي ولا ينازعني فيه أحدٌ فكيف أُعاقب على التصرف في ملكي هذا خارج عن العقل؟ وإذا قيل له لا تبعْ الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة بزيادة وإلاّ تُحرق بالنار! يقول أنا أبيع وأشتري بِرِضًا مني ومن الذي أتعامل معه ولولا البيع والشراء لخربت الدنيا وتعطلت المنافع هذا شيء خارج عن العقل. وكلامه هذا صحيح فإن العقل غير مدركٍ للعقاب على هذه الأمور ، فيحتاج العقل إلى التعريف ، فيُقال له الحكمة التي خلق الله الذهبَ والفضة لأجلها هي أنّ قِوامَ الدنيا بهما وهما حجران لا منفعة في أعيانهما إذ لا يرُدَّان حرًّا ولا بردًا ولا يُغذيان جسمًا ، والخلق كلهم محتاج إليهما من حيث أنّ كل إنسان محتاج إلى أشياء كثيرةٍ في مطعمه وملبسه ، وقد لا يملك ما يحتاج إليه ويملك ما يستغني عنه كمن يملك القمح مثلاً وهو محتاج إلى فرس ، والذي يملك الفرس قد يستغني عنه ويحتاج إلى البُرّ فلا بدّ بينهما من معاوضة ولابُدَّ من تقدير العِوَض إذ لا يعطى صاحب الفرس فرسَه بكل مقدار من البُر ، ولا مناسبة بين البُر والفرس حتى يُقال يُعْطَى منه مثلَه في الوزن أو الصورة فلا يدري أن الفرس كم يسوى بالبُر فتتعذر المعاملات في هذا المثال وأشباهه . فاحتاج الناس إلى متوسط يحكم بينهم بالعدل فخلق الله الذهب والفضة حاكمين بين الناس في جميع المعاملات ، فيُقال هذا الفرس يسوى مئة دينار وهذا القَدر من البُر يسوى مثلَه ؛ وإنما كان التعديل بالذهب والفضة لأنه لا غرض في أعيانهما وإنما خلقهما الله لتتداولهما الأيدي ويكونا حاكمين بالعدل ، ونسبتهما إلى جميع الأموال نسبة واحدة ، فمن ملكهما كأنه ملَكَ كلَّ شيء ، ومن ملك فرسًا مثلاً فإنه لا يملك إلاّ ذلك الفرس ، فلو احتاج إلى طعام ربما لم يرغب صاحب الطعام في الفرس لأنّ غرضه في ثوبٍ مثلاً فاحتيج إلى ما هو في صورته كأنه ليس بشيء وهو في معناه كأنه كل الأشياء . والشيء إنما يستوي نسبته إلى الأشياء المختلفات إذا لم تكن له صورة خاصّة ؛ كالمرآة لا لون لها وتحكي كل لون . فكذلك الذهب والفضة لا غرض فيهما وهما وسيلتان إلى كل غرض ؛ فكل من عمل فيهما عملاً لا يليق بالحكمة الإلهية فإنه يُعاقب بالنار إن لم يقع السّماح)).انتهى[54ـ57] .
    وفي معرض كلامه على إثبات النبوّة واحتياج كافة العقلاء إلى علوم الأنبياء قال : ((وإذا ثبت أنّ اللهَ تعالى فاعلٌ مختار لا عِلّةٌ موجبة وثبت أن إرسال الأنبياء ممكن غير محال في حقه ، وجاءت الأنبياء بما يصدقهم من المعجزات الخارقة للعادة لزم تصديقهم)).انتهى[ص65] ؛ ثم قال : ((ولو أن قائلاً قال إن هذا الإبريق تكوّن بنفسه من غير قصد قاصدٍ حكيم ، ولا فعلِ فاعلٍ بل اتفق تكوُّنه بنفسه كما اتفق تشكل هذه القطعة بهذا الشكل الخاص من غير قصد قاصد حكيم ولا جعل جاعل ، لشهدت الفطرة السليمة بأن هذا القول باطل محال ؛ [size=27]ومتى ثبت القول بالفاعل المختار ثبتَ حدوث العالم ، ومن عرف هذا سهل عليه معرفة النبيّ)).انتهى[ص67] ؛ وقال : ((فإذا قال قائل إن هذا المنقول عنهم (يعني الأنبياء) خرافات وكذب! فنقول له ما بال الناس لا ينقلون نقلاً متواترًا عن غير الأنبياء مثلَ ما نقلوا عن الأنبياء؟)).انته� �[ص68]

    وقال : ((وأساس الديانة وأصولهُا لا خلاف فيها بين الأنبياء من آدم إلى محمد ، فكلّهم يدعون الخلقَ إلى توحيد الإله وتعظيمه واعتقاد أن كل شيء في العالم صُنعه . وإلى حفظ النفس والعقل والنسل والمال ، فهذه الكلّيات الخمس لا خلاف فيها بين الأنبياء ، وجميعُ الشرائع متفقة عليها ، وحاصلها يرجع إلى تعظيم الإله والشفقة على مخلوقاته ، وطريان النسخ على هذه الكلّيات الخمس مُحال ، وإنما النسخ يمكن في الشرائع الوضعية ، وهي الأشياء التي يجوز ويصح أن لا تكون مشروعة ، دون الأحكام العقلية كتوحيد الإله وما ذكرنا معه من الكلّيات)).انتهى[ص71] .
    والآن إليكم النص الذي وردت فيه عبارة الأمير التي يُراد من اجتزائها وتدليسها الطعن فيه بغير حق. وقد وردت في معرض احتجاجه على النصارى بأن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين قال : ((والنسخُ في الحقيقة ليس هو إبطال وإنما هو تكميل....واليهود هم الذين اعتدوا في السبت فمسخهم الله قردةً وخنازير . وقال المسيح ما جئتُ لإبطال التوراة بل جئتُ لأكملها ، قال صاحب التوراة "النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والجروح قصاص" وأنا أقول "إذا لطمك أخوك على خدّك الأيمن فضع له خدك الأيسر. وجوابُ النصارى لليهود هو جواب المسلمين للنصارى ، والذي قاله المسيح قاله محمد ، فإنه قال "ما جئتُ لأُبطل الإنجيل والتوراة وإنما جئتُ لأكملهما . ففي التوراة أحكام السياسة الظاهرة العامة ، وفي الإنجيل أحكام السياسة الباطنة الخاصة ، وأنا جئتُ بالسياستين جميعًا ، جئتُ بالقصاص {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } وهو إشارة إلى السياسة الظاهرة العامة ، وجئتُ بالعفو {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} وهو إشارة إلى السياسة الباطنة الخاصة . وهذا دليلٌ على أنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ؛ لأن النبوّة حكمةٌ ، والحكمةُ إمّا عملية أو علمية أو جامعة بينهما ، وحكمة موسى كانت عمليةً لاشتمالها على تكاليفَ شاقة وأعمال متعبة ، وحكمة المسيح كانت علمية لاشتمالها على التجرد والروحانيات والتصوف المحض ، وحكمة محمدٍ جامعةٌ بينهما ، فلا يجيءُ نبيٌّ بعده غير المسيح فإنه ينزل ثانيًا إلى الأرض لأنّ الذي يجيء بعد محمد إن كانت حكمته عملية فموسوي وإن كانت حكمته علمية فمسيحي ، وإن كانت جامعة بينهما فمحمدي ، فقد انختمت عليه النبوّة بالضرورة . فالدين واحدٌ باتفاق الأنبياء ، وإنما اختلفوا في بعض القوانين الجزئية ، فهم كرجالٍ أبوهم واحد وأمهاتهم متعددة ؛ فتكذيب جميعهم أو تكذيب البعض وتصديق البعض قصورٌ ؛ ولو أصغى إليَّ المسلمون والنصارى لرفعتُ الخلاف بينهم ولصاروا إخوانًا ظاهرًا وباطنًا ، ولكن لا يصغون إليّ لِمَا سبق في علم الله أنه لا يجمعهم على رأي واحد ؛ ولا يرفعُ الخلافَ بينهم إلاّ المسيح عند نزوله ولا يجمعهم لمجرَّد كلامه مع أنه يحيي الموتى ويبرئُ الأكمه والأبرص ، ولا يجمعهم إلاَّ بالسيف والقتل ، ولو جاءَني مَنْ يريد معرفة طريق الحق وكان يفهم لساني فهمًا كاملاً لأَوصلته إلى طريق الحق من غير تعب لا بأن يُقلّدني بل بأن يَظْهَرَ الحقُّ له حتى يعترف به اضطرارًا.
    وعلوم الأنبياء من حيث خطابهم للعامة دائرةٌ على ما يصلح الناس في معاشهم ومعادهم ، وما جاؤوا ليجادلوا الفلاسفة ولا لإبطال علوم الطب ولا علوم النجم ولا علوم الهندسة وإنما جاؤوا باعتبار هذه العلوم على وجهٍ لا يناقض التوحيد ، ونسبة كل ما يحدث في العالم إلى قدرته وإرادته سبحانه ..)).انتهى[ص75ـ78] .
    هذا ما قاله الأمير عبد القادر ، والقارئ يرى بوضوح الاختلاف الكبير بين إيراد تلك المقولة ضمن سياقها ، وبين سلخها عن سياقها! . فالأمير يتحاور مع العلماء النصارى ويبيّن لهم الحقائق بطريقة تتناسب مع طبائعهم وتفكيرهم ، فضرب لهم المثل بداية باليهود وكيف اعترضوا على النصارى وأنكروا نبوّة المسيح ، ورفضوا مبدأ النسخ والتكميل في الشرائع .. إلى غير ذلك من الاعتراضات . ثم ذكّرهم بما ردّت به النصارى على اليهود! ثم قال لهم لقد اعترضتم على المسلمين بمثل ما اعترض عليكم اليهود ، ونحن نجيبكم بمثل ما أجبتم اليهود! فإذا كنتم تعدّون أنفسكم على الحق وأنّ ما رددتم به على اليهود حق ، فيلزمكم من ذلك أن تقبلوا ردّنا عليكم وتُقِرّوا بأنّ الإسلام هو آخر الشرائع وأنّ محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء . ولا يليق بكم أن تعترضوا علينا بما اعترض به اليهود عليكم ، لأنكم في ردّكم عليهم بيّنتم بطلان أصل اعتراضهم .
    والقارئ يلاحظ أن الأمير لم يقل : لو أصغى إليّ المسلمون واليهود!! وإنما قال والنصارى ، إذن نحن لسنا أمام فكرٍ يدعو إلى توحيد الأديان أو إزالة الفوارق بين المسلمين والكافرين ، كما يتوهّم البعض ، وإنما نحن أمام محاورة يُجْرِيها مسلمٌ مع أهل الكتاب من النصارى حصرًا ـ لأنّهم تعرّضوا لمثل ما تعرّض له المسلمون ـ يحاولُ فيها إلزامهم بالقواعد العقلية التي استندوا إليها في صراعهم مع اليهود . 
    ومع ذلك أعود فأقول إنّ العبارة ليس فيها الإشكال الذي يظنه البعض . فالجملة صدّرها الأمير بحرف الشرط (لو) ، وهو كما يعرف دارسو العربية : حرفُ امتناعٍ لامتناع ، أي يدلُّ على امتناع الجواب لامتناع الشرط!!! ففي قولك : (لو درسَ لنجح) امتناعُ النجاح لامتناعِ الدَّرْس!
    إذن عندما يقول الأمير : ((لو أصغى إليَّ المسلمون والنصارى لرفعت الخلاف بينهم))
    فإنّ العربي يفهم من هذا الكلام امتناعَ رفعِ الخلاف بين المسلمين والنصارى لامتناع إصغائهم!
    ومع ذلك فإنّ الأمير أوضح العبارة كي لا تلتبس على أحد ، فقال : ((ولكن لا يُصغون إليّ لِمَا سبق في علم الله أنه لا يجمعهم على رأي واحد ؛ ولا يرفعُ الخلافَ بينهم إلاّ المسيح عند نزوله ولا يجمعهم لمجرَّد كلامه مع أنه يحيي الموتى ويبرئُ الأكمه والأبرص ، ولا يجمعهم إلاَّ بالسيف والقتل)).انتهى 
    فهل يبقى بعد هذا البيان أي غموض في العبارة؟ لقد قرر الأمير ما استقرّ في عقيدة كل مسلم أنّ النصارى ـ في مجموعهم ـ لن يصغوا إلى المسلمين ولن يعترفوا بالإسلام إلاّ بعد نزول المسيح عليه السلام ، ليس هذا فحسب ، بل إنهم حتى بعد نزول المسيح لن يستعملوا عقولهم ولن يصغوا بآذانهم وقلوبهم ، وإنما سيدفعهم المسيح إلى ذلك بالسيف والقتل!!
    فهل في هذا الكلام أي مطعن في عقيدة الأمير الإسلامية؟! .
    وما كان الأمير ليتودد إلى النصارى ولو ظاهرًا ، وهو عندما كان في أَسْرِهم وفي متناولهم ، وسمع من بعض أعيانهم ورجالاتهم كلامًا ينتقصون فيه دين الإسلام ، كتبَ كتابًا يرد فيه عليهم ووضع له عنوانًا جريئًا قويًا لا يهابُ فيه أحدًا منهم مع أنه يعلم أنه تحت سلطانهم ، ولكنّه الإيمان الراسخ بالله وحده، والعزّة بدين الإسلام ، والقوة في الدفاع عن هذا الدين . وعنوان الكتاب : 
    [المقراضُ الحادّ لقطع لسان منتقص دين الإسلام بالباطل والإلحاد] ؛وهو مطبوع
    وحتى لا أدع أيّ مجال للمشككين أقول : لقد صرّح الأمير عبد القادر ـ بكل اطمئنان وبأوضح بيان ـ بعقيدته في اليهود والنصارى وذلك في رسالته الجوابية إلى مفتي الشام السيد محمود أفندي الحمزاوي ، الذي سأله عن بعض الطوائف والأديان . وقد أثبتَ هذه الرسالة محمد باشا في تحفة الزائر وهي من آخر رسائل وفتاوى الأمير!! ؛ جاء فيها : ((... وأمّا قولك أنّ منطوق الآية الشريفة في سورة الحج أنّ المشركين ليسوا هم النصارى([size=27][1]) .. الخ . فاعلم أنّ النصارى هم أتباع المسيح عليه السلام، وأُمَّته ممن كان تابعًا للمسيح قبل ظهور محمد عليه السلام فهو من أفضل الخلق وأعلاهم درجة ، وبعد ظهور محمد عليه السلام مَنْ آمن به فله أجران ويحشر مع الناجين الآمنين ومَنْ كفرَ بما جاء به محمد من النصارى وغيرهم فيُسمّى كافرًا لا مشركًا ، إلاّ من قال في المسيح عليه السلام أنه ابن الله ومن اليهود في عُزير أنه ابن الله فهو مشرك والنصارى الحقيقيون هم الذين يعتقدون أن المسيح عليه السلام روحُ اللهِ وكلمتُه ألقاها إلى مريم العذراء البتول عليها السلام وأنه رسول الله إلى بني إسرائيل بشرعٍ ناسخ لبعض شرع موسى عليه السلام والإنجيل المُنزّل عليه كلام الله تعالى حقيقةً لا مجازًا . وفِرَقُ النصارى واعتقاداتهم المختلفة أنتَ أعلم بها فلا نطيل الكلام بذكر مذاهبهم وفِرَقهم . وبالجملة فالنصارى أجهل الناس بالمعقول والإلهيات . والكفرُ : إمّا كفر إنكار ، وهو أن يكفر بقلبه ولسانه ، وإما كفر جحود وهو أن يعرف الحق بقلبه ولا يقرّ بلسانه ، وإما كفر عناد وهو أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه ولا يدين به ، وكفر نفاق وهو أن يقر بلسانه ولا يعتقد بقلبه، والجميع سواء في أنه من لقيَ اللهَ تعالى بواحد منهم لا يُغفر له . فقد بان لك أنّ أهل الكتاب لا يُقال فيهم مشركون وإنما يُقال لهم كفّار ؛ فإنّ الكافر اسمٌ لمن لا إيمان له بمحمد وبما جاء به من الشرائع والأحكام ، ومَنْ أخفى الكفرَ وأظهر الإيمان فهو المنافق ، وإن طرأَ عليه الكفر بعد الإيمان فهو المرتد، وإن كان متدينًا ببعض الأديان والكتب المنسوخة فهو الكتابي ،وإن قال بقدم الزمان والدهر ونسبَ الحوادث له فهو الدّهريّ ، وإن كان لا يُثبتُ الباري تعالى فهو المعطّل ، وإن كان يجعل مع الله إلهًا آخر فهو المشرك ؛ وشريعة محمدٍ عليه السلام نسخت الشرائع المتقدمة كلّها ، فلا يقبل الله تعالى دينًا اليوم من أحدٍ ولو عبدَ اللهَ بعبادة الثّقلين ؛ الإنس والجن ؛ إلاّ مَنْ عبدَ اتّباعًا بمحمدٍ عليه السلام)) .انتهى[تحفة الزائر2/246][/size]
    وبعد فإنني أعتقد أنّ الأمر أصبح جليًا لا لبسَ فيه .
    وأُذكّرُ كل من يتسرّع في اتّهام الآخرين ويُطلق عليهم أحكام الردة والكفر وموالاة الكفرَة ، بقول الله تعالى : {ستُكتَبُ شهادتهم ويُسْألون}[الزخرف :19]
    ([1]) في قوله تعالى :{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج :17][/size]
    [/size]



    وهناك أمر هام جدًّا أريد أن أنبّه عليه : وهو أنّ بعض الأوربيين قرؤوا أو سمعوا عبارات وكلمات من الأمير عبد القادر ففهموا منها معنىً ما ، ثمّ ترجموها إلى لغاتهم بحروفهم وأدبيّاتهم ، ثمّ جاء بعد ذلك بعض العرب ليقرؤوها ويفهموا منها فهمًا جديدًا قريبًا من المعنى الأجنبي ثمّ بعد ذلك يعيدوا ترجمتها إلى العربيّة . فماذا تكون النتيجة؟ النتيجة أننا نقرأ كلامًا بعيدًا عن الأصل في المعنى . أو لا وجود له ، وسأضرب بعض الأمثلة :
    استمعَ شارل هنري تشرشل (البريطاني) لخطبة من خطب الأمير عبد القادر وكان من ضمن الخطبة استشهادٌ بآيات من القرآن ، فانظروا كيف ترجم تشرشل الآيات التي قرأها الأمير :
    1ـ الآية الأولى : يقول تشرشل نقلاً عن الأمير : (( ..فأنتم تعلمون ما نصّ عليه القرآن الكريم من أنّ {النمل يغلب الفيلة وأنّ الجرذان تقتل الأسود}.انتهى [حياة الأمير لتشرشل ص150]
    2ـ الآية الثانية :{دع الظلم يسقط على رأس صاحبه}.انتهى[المرجع السابق ص168]
    3ـ الآية الثالثة :{من الأفضل أن تكون مظلومًا من أن تكون ظالماً}.انتهى [المرجع السابق ص168]
    4ـ الآية الرابعة يقول تشرشل : (( وألقى خطبة كان موضوعها آية قرآنية يلوم فيها محمدٌ صهره عليًا على قتل خمسمئة كافر بعد أن استسلموا)).انتهى [المرجع السابق ص207]
    5ـ الآية الخامسة {أنا لا أوجّه الطلقة بل الله هو الذي يوجّهها}.انتهى [المرجع السابق ص146].
    أرأيتم كيف تتحرّف الأشياء! هل سمعتم بتلكم الآيات؟ هل يظن عاقلٌ أن الأمير (الحافظ لكتاب الله) يقول تلك الآيات وعلى مسمعٍ من المسلمين أيضًا؟!
    الواضح تمامًا أن تشرشل البريطاني فهم معنىً ما من الآيات التي ذكرها الأمير ثم ترجمه للغته ثم أتى المترجم العربي ففهم معنى آخر من الترجمة الأجنبية فصاغه بالعربية على النحو الذي رأيناه .
    وقد قال الأستاذ أبو القاسم سعد الله عن ترجمة الآية الأولى : ((ولعل الأقرب إلى هذا المعنى قوله تعالى :{كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} ، وقال عن الآية الثانية : والأقرب إلى هذا المعنى هو قوله تعالى :{ولا يحيق المكر السيئ إلاّ بأهله} )).انتهى .
    وأما الآية الخامسة فالمقصود ولا ريب قوله تعالى :{ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} .
    هكذا يفعل العقلاء والمنصفون.
    وهناك أمثلة أخرى كثيرة وأظن أن ما أوردته يكفي لتوضيح الفكرة . 
    والحمد لله رب العالمين
    خلدون بن مكيّ الحسني
    للبحث صِلَة إن شاء الله

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة سبتمبر 21, 2018 4:09 pm