السعادة والصفاء

السعادة والصفاء

سر الوصول إلى السعادة والصفاء والسلام النفسي ،أسراروأنوار القلوب التى صفت وأشرقت بعلوم الإلهام وأشرفت على سماوات القرب وفاضت بعلوم لدنية ومعارف علوية وأسرار سماوية



    حكم الصلاة فى مسجد فيه قبر أو فى المقبرة

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 1179
    تاريخ التسجيل : 29/04/2015
    العمر : 51

    حكم الصلاة فى مسجد فيه قبر أو فى المقبرة

    مُساهمة من طرف Admin في السبت يونيو 06, 2015 6:06 pm


    حكم الصلاة في المقبرة وفي مسجد فيه قبر
    دراسة فقهية مقارنة
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه ومن تبع هداه وبعد:
    فهذا بحث موجز في حكم الصلاة في مسجد فيه قبر وقد جعلته في مبحثين:
    المبحث الأول: حالات الصلاة في مسجد فيه قبر وحكم كل حالة
    والمبحث الثاني: في أدلة أهل العلم في المسألة

    المبحث الأول:حالات الصلاة في مسجد فيه قبر وحكم كل حالةالصلاة بالنسبة للقبور لها ثلاثة أحوال:


    أن تكون على القبور
    أن تكون إلى القبور
    أن تكون عند القبور

    ولكل من ذلك حالتان:
    الحالة الأولى : أن توجد في موضع الصلاة نجاسة من صديد الموتى فلا خلاف بين أهل العلم في حرمة الصلاة في ذلك الموضع والصلاة عندئذ باطلة
    والحالة الثانية : ألا توجد في الموضع نجاسة وقد اختلف أهل العلم في هذه الحالة على ثلاثة أقوال :


    القول الأول :أن ذلك مكروه والصلاة صحيحة وهو مذهب الجمهور وعليه الشافعية وهو رواية عند الحنابلة وعليه الحنفية في حالة الصلاة إلى القبور , وكذا في حالة الصلاة على القبور مالم يكن قبر نبي
    والقول الثاني :أن ذلك جائز وهو مذهب المالكية, وهو أيضا مذهب الحنفية في حالة الصلاة عند القبور
    والقول الثالث :أن ذلك حرام وهو الرواية الأخرى عند الحنابلة وعليها المذهب, وفي صحة الصلاة عندهم روايتان والأصح عدم الصحة, ثم الكلام السابق عند الحنابلة إنما هو إذا كانت الصلاة في مقبرة أما القبر والقبران فلا يمنعون من الصلاة عندها وخالف في ذلك بعضهم كما سيأتي إن شاء الله

    أقوال أهل العلم من المذاهب الأربعة في المسألة ضمن الفروع التالية :
    الفرع الأول:من أقوال الحنفيةفي بدائع الصنائع 1/301: (وأما المقبرة فقيل : إنما نهى عن ذلك لما فيه من التشبيه باليهود كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فلا تتخذوا قبري بعدي مسجد .
    وروي أن عمر رضي الله عنه رأى رجلا يصلي بالليل إلى قبر فناداه: القبر القبر, فظن الرجل أنه يقول القمر القمر فجعل ينظر إلى السماء فما زال به حتى تنبه ، فعلى هذا تجوز الصلاة وتكره
    وقيل : معنى النهي أن المقابر لا تخلو عن النجاسات لأن الجهال يستترون بما شرف من القبور فيبولون ويتغوطون خلفه، فعلى هذا لا تجوز الصلاة لو كان في موضع يفعلون ذلك لانعدام طهارة المكان)اه
    وفي البحر الرائق 5/217: (ويكره أن يكون محراب المسجد نحو المقبرة أو الميضأة أو الحمام)اه
    وفي حاشية ابن عابدين 1/38 Sadقوله: (ومقبرة) مثلث الباء, واختلف في علته:
    فقيل: لأن فيها عظام الموتى وصديدهم وهو نجس وفيه نظر
    وقيل: لأن أصل عبادة الأصنام اتخاذ قبور الصالحين مساجد
    وقيل: لأنه تشبه باليهود وعليه مشى في الخانية

    ولا بأس بالصلاة فيها [يعني المقبرة] إذا كان فيها موضع أعد للصلاة وليس فيه قبر ولا نجاسة كما في الخانية ولا قبلته إلى قبر حلية)اه
    وفي حاشية الطحطاوي 2/351 Sadقوله: وفي المقبرة بتثليث الباء لأنه تشبه باليهود والنصارى قال صلى الله عليه وآله وسلم : (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) وسواء كانت فوقه أو خلفه ، أو تحت ما هو واقف عليه
    ويستثنى مقابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلا تكره الصلاة فيها مطلقا منبوشة أو لا, بعد أن لا يكون القبر في جهة القبلة, لأنهم أحياء في قبورهم ألا ترى أن مرقد إسماعيل عليه السلام في الحجر تحت الميزاب وأن بين الحجر الأسود وزمزم قبر سبعين نبيا ثم إن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى للصلاة بخلاف مقابر غيرهم أفاده في شرح المشكاة
    وفي زاد الفقير: وتكره الصلاة في المقبرة إلا أن يكون فيها موضع أعد للصلاة لا نجاسة فيه ، ولا قذر فيه اهـ
    قال الحلبي : لأن الكراهة معللة بالتشبه ، وهو منتف حينئذ ، وفي القهستاني عن جنائز المضمرات: لا تكره الصلاة إلى جهة القبر إلا إذا كان بين يديه بحيث لو صلى صلاة الخاشعين وقع بصره عليه)اه

    الفرع الثاني من أقوال المالكيةفي المدونة الفقهية 1/90 : (قلت لابن القاسم: هل كان مالك يوسع أن يصلي الرجل وبين يديه قبر يكون سترة له؟ قال: كان مالك لا يرى بأسا بالصلاة في المقابر وهو إذا صلى في المقبرة كانت القبور أمامه وخلفه وعن يمينه وعن يساره
    قال: وقال مالك: لا بأس بالصلاة في المقابر, قال: وبلغني أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يصلون في المقبرة)اه
    وفي الذخيرة للقرافي 2/95 Sad وثالثها المقبرة :قال في الكتاب : لا بأس بالصلاة إلى القبر وفي المقبرة وبلغني أن أصحاب رسول الله كانوا يفعلون ذلك, قال صاحب الطراز : ومنع ابن حنبل من الصلاة إلى القبر وفي المقبرة
    والمقبرة تنقسم إلى مقبرة الكفار والمسلمين وعلى التقديرين فإما أن يتيقن نبشها أو عدمه أو يشك في ذلك فهذه ستة أقسام منع أحمد والشافعي جميع ذلك, واختلف قول أحمد في صحة الصلاة فمرة حمل النهي على التعبد لا على النجاسة فحكم بالصحة
    وفرق ابن حبيب بين قبور المسلمين والمشركين فمنع من قبور المشركين لأنه حفرة من حفر النار وقال : يعيد في العامرة أبدا في العمد والجهل لبقاء نبشها النجس ولا يعيد في الداثرة لذهاب نبشها وبين قبور المسلمين فلم يمنع كانت داثرة أو عامرة
    قال صاحب الطراز : ويحمل قوله في الكتاب على أن المقبرة لم تنبش أما المنبوشة التي يخرج منها صديد الأموات وما في أمعائهم فلم يتكلم عليه مالك
    حجتنا : أن مسجده عليه السلام كان مقبرة للمشركين فنبشها عليه السلام وجعل مسجده موضعها ولأنه عليه السلام صلى على قبور الشهداء, وهذه المسألة مبنية على تعارض الأصل والغالب فرجح مالك الأصل وغيره الغالب
    حجة المخالف : ما في الترمذي نهى عليه السلام أن يصلى في سبعة مواضع في المزيلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق ومعاطن الإبل وفي الحمام وفوق ظهر بيت الله عز وجل وقال عليه السلام لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ) اه
    وفي مواهب الجليل 1/135 : ( ومن صلى وبين يديه جدار مرحاض أو قبر فلا بأس به إذا كان موضعه طاهرا, قال ابن ناجي: ظاهره وإن ظهر على الجدار نجاسة وهو كذلك لأن المعتبر محل قيام المصلي وقعوده وسجوده وموضع كفيه لا أمامه أو يمينه أو شماله انتهى) اه
    وفي حاشية الدسوقي 1/188: (قوله : وجازت بمربض بقر أو غنم ولو على القبر) أي هذا إذا صلى بين القبور بل ولو صلى فوق القبر
    فإن قلتَ : سيأتي أن القبر حبس لا يمشى عليه ولا ينبش والصلاة تستلزم المشي, قلتُ : يحمل كلامه على ما إذا كان القبر غير مسنم والطريق دونه فإنه يجوز المشي عليه حينئذ
    (قوله: منبوشة أو لا) فيه أن المقبرة إذا نبشت صار التراب الذي نزل عليه الدم والقيح من الموتى ظاهرا على وجه الأرض فيكون قد صلى على تراب نجس فكيف يحكم بجواز الصلاة ؟
    وحاصل الجواب :أنه سيأتي في كلام المصنف تقييد الجواز بالأمن من النجاسة بأن يعتقد أو يظن طهارة المحل الذي يصلي عليه والمقبرة إذا نبشت يمكن أن يعتقد أو يظن طهارة ما صلى عليه وأنه من غير المنبوش أو أن الدم والصديد النازل من الموتى لم يعم التراب, أو يقال إن جواز الصلاة في المقبرة المنبوشة مبني على ما قاله مالك من ترجيح الأصل وهو الطهارة على الغالب وهو النجاسة عند تعارضهما فتأمل
    (قوله : خلافا لمن قال بعدم الجواز في مقبرتهم ) الذي في المواق ترجيح هذا القول فانظره اه ... (قوله: إن أمنت من النجس ) أي بأن تحقق أو ظن طهارة الموضع الذي صلى فيه منها ...(قوله : كموضع منها ) أي كأن يصلي في موضع من هذه الأمور الأربعة المقبرة والزبلة والمحجة والمجزرة منقطع عن النجاسة أي بعيد عنها) اه


    الفرع الثالث:من أقوال الشافعيةفي الأم 1/92 : روى حديث (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) ثم ( قال الشافعي ): وبهذا نقول ومعقول أنه كما جاء في الحديث ولو لم يبينه لأنه ليس لأحد أن يصلي على أرض نجسة لأن المقبرة مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم وذلك ميتة وإن الحمام ما كان مدخولا يجري عليه البول والدم والأنجاس
    ( قال الشافعي ) والمقبرة الموضع الذي يقبر فيها العامة وذلك كما وصفت مختلطة التراب بالموتى وأما صحراء لم يقبر فيها قط قبر فيها قوم مات لهم ميت ثم لم يحرك القبر فلو صلى رجل إلي جنب ذلك القبر أو فوقه كرهته له ولم آمره يعيد لأن العلم يحيط بأن التراب طاهر لم يختلط فيه شيء وكذلك لو قبر فيه ميتان أو موتى )اه
    وقال الإمام البيهقي 2/435 : ( عن أنس قال : قمت يوما أصلى وبين يدي قبر لا أشعر به فنادانى عمر القبر القبر فظننت أنه يعني القمر فقال لي بعض من يليني إنما يعني القبر فتنحيت عنه وروينا عن أبي ظبيان عن بن عباس أنه كره أن يصلى إلى حش أو حمام أو قبر وكل ذلك على وجه الكراهية إذا لم يعلم في الموضع الذي تصيبه ببدنه وثيابه نجاسة لما روينا في هذا الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعلت لي الأرض طيبه طهورا ومسجدا ) اه
    وقال النووي في المجموع 3/164: (حكم المسألة :
    إن تحقق أن المقبرة منبوشة لم تصح صلاته فيها بلا خلاف إذا لم يبسط تحته شيء, وإن تحقق عدم نبشها صحت بلا خلاف وهي مكروهة كراهة تنزيه
    وإن شك في نبشها فقولان :أصحهما تصح الصلاة مع الكراهة, والثاني لا تصح , هكذا ذكر الجمهور الخلاف في المسألة الأخيرة قولين كما ذكره المصنف هنا , ممن ذكرهما قولين الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب في تعليقه والمحاملي والشيخ أبو علي البندنيجي وصاحب الشامل وخلائق من العراقيين , ومعظم الخراسانيين ونقلهما جماعة وجهين منهم المصنف في التنبيه وصاحب الحاوي قال في الحاوي : القول بالصحة هو قول ابن أبي هريرة وبالبطلان قول أبي إسحاق والصواب طريقة من قال : قولان, قال صاحب الشامل: قال في الأم : لا تصح , وقال في الإملاء : تصح واتفق الأصحاب على أن الأصح الصحة وبه قطع الجرجاني في التحرير
    قال أصحابنا : ويكره أن يصلي إلى القبر هكذا قالوا يكره , ولو قيل : يحرم لحديث أبي مرثد وغيره مما سبق لم يبعد, قال صاحب التتمة : وأما الصلاة عند رأس قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متوجها إليه فحرام .
    وقال النووي في المجموع 3/166 ( فرع ) في مذاهب العلماء في الصلاة في المقبرة :

    قد ذكرنا مذهبنا فيها , وأنها ثلاثة أقسام , قال ابن المنذر روينا عن علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي أنهم كرهوا الصلاة في المقبرة
    ولم يكرها أبو هريرة وواثلة بن الأسقع والحسن البصري
    وعن مالك روايتان أشهرهما لا يكره ما لم يعلم نجاستها
    وقال أحمد: الصلاة فيها حرام , وفي صحتها روايتان وإن تحقق طهارتها
    ونقل صاحب الحاوي عن داود أنه قال : تصح الصلاة وإن تحقق نبشها)اه

    وفي المجموع أيضا 5/280: ( اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر سواء كان الميت مشهورا بالصلاح أو غيره , لعموم الأحاديث
    قال الشافعي والأصحاب : وتكره الصلاة إلى القبور , سواء كان الميت صالحا أو غيره قال الحافظ أبو موسى : قال الإمام أبو الحسن الزعفراني رحمه الله : ولا يصلى إلى قبره , ولا عنده تبركا به وإعظاما له للأحاديث والله أعلم ) اه
    وفي فتح المعين للمليباري 2/360 في شروط صحة النذر : ( وخرج بالقربة المعصية كصوم أيام التشريق وصلاة لا سبب لها في وقت مكروه فلا ينعقدان, وكالمعصية المكروه كالصلاة عند القبر والنذر لأحد أبويه أو أولاده فقط ) اه ونحوه في حاشية الشرواني على التحفة 10/79
    وقال الحافظ في الفتح 1/524 : ( قوله: (وما يكره من الصلاة في القبور) يتناول ما إذا وقعت الصلاة على القبر أو إلى القبر أو بين القبرين وفي ذلك حديث رواه مسلم من طريق أبي مرثد الغنوي مرفوعا: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها أو عليها) قلت: وليس هو على شرط البخاري فأشار إليه في الترجمة وأورد معه اثر عمر الدال على أن النهي عن ذلك لا يقتضي فساد الصلاة ) اه
    وقال الحافظ أيضا 1/529 : ( استنبط من قوله في الحديث ولا تتخذوها قبورا أن القبور ليست بمحل للعبادة فتكون الصلاة فيها مكروهة…
    قال بن التين: تأوله البخاري على كراهة الصلاة في المقابر وتأوله جماعة على أنه إنما فيه الندب إلى الصلاة في البيوت إذ الموتى لا يصلون كأنه قال لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم وهي القبور, قال: فأما جواز الصلاة في المقابر أو المنع منه فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك)اه

    الفرع الرابع من أقوال الحنابلة في المغني لابن قدامة 1/403: ( اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في الصلاة في هذه المواضع, فروي أن الصلاة لا تصح فيها بحال .وممن روي عنه أنه كره الصلاة في المقبرة علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي وابن المنذر ...
    وعن أحمد رواية أخرى أن الصلاة في هذه صحيحة ما لم تكن نجسة . وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي; لقوله عليه السلام (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) وفي لفظ (فحيثما أدركتك الصلاة فصل , فإنه مسجد) . وفي لفظ (أينما أدركتك الصلاة فصل , فإنه مسجد) متفق عليها ولأنه موضع طاهر فصحت الصلاة فيه كالصحراء...
    وقال بعض أصحابنا :إن كان المصلي عالما بالنهي في هذه المواضع , لم تصح صلاته فيها ; لأنه عاص بصلاته فيها , والمعصية لا تكون قربة ولا طاعة, وإن لم يكن عالما فهل تصح صلاته ؟ على روايتين :إحداهما : لا تصح لأنه صلى فيما لا تصح الصلاة فيه مع العلم , فلا تصح مع الجهل , كالصلاة في محل نجس .والثانية : تصح لأنه معذور)اه
    وفي المغني لابن قدامة 1/405: (فصل : قال القاضي :المنع من هذه المواضع تعبد لا لعلة معقولة , فعلى هذا يتناول النهي كل ما وقع عليه الاسم فلا فرق في المقبرة بين القديمة والحديثة , وما تقلبت أتربتها أو لم تتقلب ; لتناول الاسم لها
    فإن كان في الموضع قبر أو قبران لم يمنع من الصلاة فيها لأنها لا يتناولها اسم المقبرة, وإن نقلت القبور منها , جازت الصلاة فيها; لأن مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت فيه قبور المشركين , فنبشت متفق عليه ...
    ويحتمل أن المنع في هذه المواضع معلل بأنها مظان للنجاسات, فإن المقبرة تنبش ويظهر التراب الذي فيه صديد الموتى ودماؤهم ولحومهم, ومعاطن الإبل يبال فيها ...فنهي عن الصلاة فيها لذلك وتعلق الحكم بها وإن كانت طاهرة لأن المظنة يتعلق الحكم بها وإن خفيت الحكمة فيها , ومتى أمكن تعليل الحكم تعين تعليله , وكان أولى من قهر التعبد ومرارة التحكم)اه
    وفي المغني لابن قدامة 1/406: (فصل : ويكره أن يصلي إلى هذه المواضع فإن فعل صحت صلاته نص عليه أحمد في رواية أبي طالب وقد سئل عن الصلاة إلى المقبرة والحمام والحش ؟ قال : لا ينبغي أن يكون في القبلة قبر , ولا حش ولا حمام , فإن كان يجزئه
    وقال أبو بكر : يتوجه في الإعادة قولان ; أحدهما : يعيد ; لموضع النهي , وبه أقول والثاني : يصح ; لأنه لم يصل في شيء من المواضع المنهي عنها .
    وقال أبو عبد الله بن حامد : إن صلى إلى المقبرة والحش فحكمه حكم المصلي فيهما إذا لم يكن بينه وبينهما حائل ; لما روى أبو مرثد الغنوي , أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ** لا تصلوا إلى القبور , ولا تجلسوا إليها } . متفق عليه .وقال الأثرم : ذكر أحمد حديث أبي مرثد , ثم قال : إسناده جيد .
    وقال أنس : رآني عمر , وأنا أصلي إلى قبر , فجعل يشير إلي : القبر , القبر .قال القاضي : وفي هذا تنبيه على نظائره من المواضع التي نهي عن الصلاة فيها .
    والصحيح أنه لا بأس بالصلاة إلى شيء من هذه المواضع إلا المقبرة ; لأن قوله عليه الصلاة والسلام ** جعلت الأرض مسجدا } يتناول الموضع الذي يصلي فيه من هي في قبلته , وقياس ذلك على الصلاة إلى المقبرة لا يصح لأن النهي إن كان تعبدا غير معقول المعنى امتنع تعديته ودخول القياس فيه , وإن كان لمعنى مختص بها , وهو اتخاذ القبور مسجدا , والتشبه بمن يعظمها ويصلي إليها , فلا يتعداها الحكم ; لعدم وجود المعنى في غيرها... فعلى هذا لا تصح الصلاة إلى القبور للنهي عنها, ويصح إلى غيرها لبقائها في عموم الإباحة وامتناع قياسها على ما ورد النهي فيه , والله أعلم)اه
    وفي الفروع لابن مفلح 2/214: ( ويحرم إسراجها واتخاذ المسجد عليها, وبنيها ذكره بعضهم, وقال شيخنا: يتعين إزالتها لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين
    قال: ولا تصح الصلاة فيها على ظاهر المذهب للنهي واللعن وليس فيها خلاف لكون المدفون فيها واحدا وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة المجردة عن مسجد هل حدها ثلاثة أقبر أو ينهي عن الصلاة عند القبر الفذ على وجهين) اه
    وفي الإنصاف للمرداوي 1/493 : (الثانية : إن بنى المسجد بمقبرة : فالصلاة فيه كالصلاة في المقبرة وإن حدثت القبور بعده حوله أو في قبلته ، فالصلاة فيه كالصلاة في المقبرة على ما يأتي قريبا. هذا هو الصحيح من المذهب قال في الفروع : ويتوجه تصح يعنى مطلقا ، وهو ظاهر كلام جماعة, قلت : وهو الصواب .
    وقال الآمدي : لا فرق بين المسجد القديم والحديث . وقال في الهدى : لو وضع القبر والمسجد معا لم يجز ، ولم يصح الوقف ولا صلاة, وقال ابن عقيل في الفصول : إن بنى فيها مسجد بعد أن انقلبت أرضها بالدفن : لم تجز الصلاة فيه . لأنه بنى في أرض الظاهر نجاستها . كالبقعة النجسة وإن بنى في ساحة طاهرة ، وجعلت الساحة مقبرة جازت لأنه في جوار مقبرة)اه
    وفي الإنصاف للمرداوي 1/493 : (قوله: (وتصح الصلاة إليها) هذا المذهب مطلقا مع الكراهة. نص عليه في رواية أبي طالب وغيره . وعليه الجمهور . وجزم به في الوجيز ، والإفادات ، وقدمه في الهداية ، والمستوعب ، والخلاصة ، والتلخيص ، والفروع ، وابن تميم ، والحاويين ، والفائق ، وإدراك الغاية ، وغيرهم .
    وقيل : لا تصح إليها مطلقا . وقيل : لا تصح الصلاة إلى المقبرة فقط . واختاره المصنف ، والمجد وصاحب النظم ، والفائق . وقال في الفروع : وهو أظهر . وعنه لا تصح إلى المقبرة والحش . اختاره ابن حامد ، والشيخ تقي الدين . وجزم به في المنور . وقيل : لا تصح إلى المقبرة ، والحش ، والحمام . وعنه لا يصلى إلى قبر أو حش أو حمام أو طريق . قاله ابن تميم . قال أبو بكر : فإن فعل ففي الإعادة قولان . قال القاضي : ويقاس على ذلك سائر موضع النهى إذا صلى إليها إلا الكعبة
    تنبيه : محل الخلاف إذا لم يكن حائل فإن كان بين المصلى وبين ذلك حائل ، ولو كمؤخرة الرحل صحت الصلاة على الصحيح من المذهب . وقدمه في الفروع وغيره . وجزم به في الفائق وغيره .
    قال في الفروع: وظاهره أنه ليس كسترة صلاة ، حتى يكفي الخط . بل كسترة المتخلى. قال: ويتوجه أن مرادهم لا يضر بعدٌ كثير عرفا، كما لا أثر له في مار أمام المصلى .
    وعنه لا يكفي حائط المسجد. نص عليه . وجزم به المجد ، وابن تميم ، والناظم ، وغيرهم . وقدمه في الرعايتين ، والحاويين ، وغيرهم . لكراهة السلف الصلاة في مسجد قبلته حش وتأول ابن عقيل النص على سراية النجاسة تحت مقام المصلى ، واستحسنه صاحب التلخيص . وعن أحمد نحوه .
    قال ابن عقيل : يبين صحة تأويلي لو كان الحائل كآخرة الرحل : لم تبطل الصلاة بمرور الكلب . ولو كانت النجاسة في القبلة كهي تحت القدم لبطلت . لأن نجاسة الكلب آكد من نجاسة الخلاء ، لغسلها بالتراب قال في الفروع : فيلزمه أن يقول بالخط هنا . ولا وجه له وعدمه يدل على الفرق.
    فائدة : لو غيرت مواضع النهى بما يزيل اسمها كجعل الحمام دارا ونبش المقبرة ونحو ذلك : صحت الصلاة فيها ، على الصحيح من المذهب. وحكى قولا : لا تصح الصلاة . قلت: وهو بعيد جدا)اه
    وفي الفتاوي الكبرى لابن تيمية 5/326 Sadولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها ، والنهي عن ذلك إنما هو سد لذريعة الشرك ، وذكر طائفة من أصحابنا أن القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة ، لأنه لا يتناول اسم المقبرة ، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدا . وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق ، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور ، وهو الصواب ، والمقبرة كل ما قبر فيه . لا أنه جمع قبر .
    وقال أصحابنا : وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه, فهذا يعين أن المنع يكون متناولاً لحرمة القبر المنفرد وفنائه المضاف إليه ، وذكر الآمدي وغيره أنه لا تجوز الصلاة فيه ، أي المسجد الذي قبلته إلى القبر ، حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر)اه
    وفي شرح العمدة لابن تيمية 4/438 : (وعن ابن عمر و ابن عباس كراهة الصلاة في المقبرة وهذا أولى أن يكون صحيحا مما ذكره الخطابي عن ابن عمر أنه رخص في الصلاة في المقابر فلعل ذلك إن صح أراد به صلاة الجنازة وعن علي رضي الله عنه مرفوعا وموقوفا قال من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد رواه عبد الرزاق... وعن عبد الله بن عمرو قال: تكره الصلاة إلى حش وفي حمام وفي مقبرة, وقال إبراهيم: كانوا لا يصلون التطوع فإذا كانوا في جنازة فان حضرت صلاة مكتوبة تنحوا عن القبور فصلوا رواهما سعيد...
    وهذه مقلالات انتشرت ولم يعرف لها مخالف إلا ما روى عن يزيد ابن أبي مالك قال كان واثلة بن الأسقع يصلي بنا صلاة الفريضة في المقبرة غير أنه لا يستتر بقبر رواه سعيد وهذا محمول على أنه تنحى عنها بعض التنحي ولذلك قال: لا يستتر بقبر أو لم يبلغه نهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة فيها فلما سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عن الصلاة إليها تنحى عنها لأنه هو راوي هذا الحديث ولم يبلغه النهي عن الصلاة فيها عمل بما بلغه دون ما يبلغه
    وأما الأحاديث المشهورة في جعل الأرض مسجدا فهي عامة وهذه الأحاديث خاصة وهي تفسر تلك الأحاديث وتبين أن هذه الأمكنة لم تقصد بذلك القول العام ) اه
    وفي شرح العمدة أيضا 4/479 : ( وأما الصلاة إلى هذه المواضع فقد نص احمد في مواضع على كراهة الصلاة إلى المقبرة والحش والحمام قال في رواية الاثرم: إذا كان المسجد بين القبور لا تصلى فيه الفريضة وإن كان بينها وبين المسجد حاجز فرخص أن يصلى فيه على الجنائز ولا يصلى فيه على غير الجنائز وذكر حديث أبي مرثد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا تصلوا إلى القبور وقال إسناده جيد
    وقال في رواية الميموني وقد سئل عن الصلاة إلى المقابر والحش فكرهه, وقال في رواية أبي طالب وقد سئل عن الصلاة في المقبرة والحمام والحش وكرهه وقال: لا يعجبني أن يكون في القبلة قبر ولا حش ولا حمام وإن كان يجزيه ولكن لا ينبغي
    قال أبو بكر في الشافي: يتوجه من الإعادة قولان : أحدهما لا يعيد بل يكره وهذا هو المنصوص في رواية أبي طالب وهو اختيار القاضي, والثاني: يعيد لموضع النهي قال أبو بكر: وبه أقول, قال ابن عقيل: نص احمد على حش في قبلة مسجد لا تصح الصلاة فيه وكذلك قال ابن حامد: لا تصح الصلاة في المقبرة والحش ولم يذكر الحمام
    وقال كثير من أصحابنا منهم الآمدي: لا تجوز الصلاة إلى القبر وصرح جماعة منهم بان التحريم والابطال مختص بالقبر...
    وذهبت طائفة من أصحابنا إلى جواز الصلاة إلى هذه المواضع مطلقا من غير كراهة وهو قول ضعيف جدا لا يليق بالمذهب, ومنهم من لم يكره ذلك إلا في القبر خاصة...
    فأما المقبرة إذا كانت قدام حائط المسجد فقال الآمدي و غيره: لا تجوز الصلاة إلى المسجد الذي قبلته إلى المقبرة حتى يكون بين حائطه وبين المقبرة حائل آخر وذكر بعضهم أن هذا منصوص احمد لقوله المتقدم في رواية الاثرم
    وقال القاضي: إذا لم يكن يعني المصلي في ارض المقبرة بل كانت المقبرة أمامه فقال شيخنا: إن كان بينه وبينها حاجز جازت الصلاة لانه ليس يصلي فيها ولا إليها وإن لم يكن بينه وبينها حاجز لم تجز الصلاة كما لو كان في أرضها فان كان بينه وبين هذه الأشياء عدة اذرع لم تكره الصلاة على ما نص عليه في رواية المروذي)اه

    المبحث الثاني
    الأدلة
    أولا : أدلة الجمهور
    أدلة الجمهور هي :

    1-حديث جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا :
    وهو الصحيحين عن جابر رضي الله عنه وله شواهد كثيرة قالوا: فهو عام وقد جاء على سبيل الامتنان فلا يصح تخصيصه, وقالوا إن النهي عن الصلاة في المقبرة الوارد في بعض الأحاديث - إن صحت - فهو للكراهة لا التحريم بدليل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على كثير من الأموات على قبورهم وكذا صلى عند قبر أمه ركعتين كما في صحيح ابن حبان 12/212 حيث قال : (أخبرنا الحسين بن محمد بن أبي معشر قال حدثنا عبد الرحمن بن عمرو البجلي قال حدثنا زهير بن معاوية عن زبيد الإيامي عن محارب بن دثار عن بن بريدة عن أبيه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فنزل بنا ونحن قريب من ألف راكب فصلى بنا ركعتين ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان فقام إليه عمر ففداه بالأب والأم وقال: مالك يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : إني استأذنت في الاستغفار لأمي فلم يأذن لي فدمعت عيني رحمة لها من النار) اه ورواه أحمد 5/355 والبيهقي 4/76 قال الالباني في الإرواء : 3/224 :وإسناده صحيح على شرط مسلم) اه
    وقال ابن حبان 3/261: ( أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع قال حدثنا أحمد بن عيسى المصري قال حدثنا بن وهب قال حدثنا بن جريج عن أيوب بن هانئ عن مسروق بن الأجدع عن بن مسعود : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج يوما فخرجنا معه حتى انتهينا إلى المقابر فأمرنا فجلسنا ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها فجلس إليه فناجاه طويلا ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باكيا فبكينا لبكاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
    ثم أقبل علينا فتلقاه عمر رضوان الله عليه وقال: ما الذي أبكاك يا رسول الله؟ فقد أبكيتنا وأفزعتنا فأخذ بيد عمر ثم أقبل علينا فقال: أفزعكم بكائي؟ قلنا: نعم فقال: إن القبر الذي رأيتموني أناجي قبر آمنة بنت وهب وإني سألت ربي الاستغفار لها فلم يأذن لي فنزل علي ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) فأخذني ما يأخذ الولد للوالد من الرقة فذلك الذي أبكاني ألا وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وترغب في الآخرة ) اه

    كما حكى صلى الله عليه وآله وسلم صلاة بعض الناس عند القبور مستحسنا ففي منتخب عبد بن حميد 1/349 Sadحدثني بن أبي شيبة ثنا وكيع عن الربيع بن سعد عن بن سابط عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحدثوا عن بني إسرائيل فإنه كانت فيهم الأعاجيب, ثم أنشأ يحدث قال : خرجت طائفة منهم فأتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا لو صلينا ركعتين فدعونا الله عز وجل يخرج لنا بعض الأموات يخبرنا عن الموت
    قال ففعلوا فبينا هم كذلك إذ طلع رجل رأسه من قبر بن عينيه أثر السجود فقال يا هؤلاء ما أردتم إلي فوالله لقد مت منذ مائة سنة فما سكنت عني حرارة الموت حتى كان الآن فادعوا الله أن يعيدني كما كنت ) اه وذكره الديلمي في فردوسه 2/193
    2-أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون عند القبور :
    كما ورد عن فاطمة رضي الله عنها ففي المستدرك 3/30: ( عن جعفر بن محمد عن أبيه أن أباه علي بن الحسين حدثه عن أبيه :أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة بن عبد المطلب في الأيام فتصلي وتبكي عنده ) اه
    قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه, لكن قال الذهبي في التلخيص: سليمان بن داود مدني تكلم فيه
    وفي موارد الضمآن 1/485 : ( أخبرنا أبو يعلى حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله قال: رأيت أسامة بن زيد يصلي عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخرج مروان بن الحكم فقال تصلي إلى قبره فقال إني أحبه, فقال له قولا قبيحا, ثم أدبر فانصرف أسامة بن زيد فقال له: يا مروان إنك آذيتني وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن الله يبغض الفاحش المتفحش وإنك فاحش متفحش ) اه وقال المحقق اسناده صحيح
    ورواه المقدسي في الأحاديث المختارة 4/105 : ( أخبرنا عبد الله بن محمد اللفتواني بأصبهان أن الحسن بن عبد الملك الأديب أخبرهم قراءة عليه أنا عبد الرحمن بن أحمد المقرئ أنا جعفر بن عبد الله أنا محمد بن هارون نا محمد بن بشار وابن المثنى قالا نا وهب بن جرير نا أبي قال سمعت مع محمد بن إسحاق يحدث عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله قال رأيت أسامة بن زيد مضطجعا على باب حجرة عائشة رافعا عقيرته يتغنى ورأيته يصلي عند قبر النبي... ) اه وقال المحقق: اسناده حسن
    وفي تاريخ الطبري 5/583 : ( قال أبو مخنف : حدثنا الأعمش ، قال : حدثنا سلمة بن كهيل ، عن أبي صادق ، قال : لما انتهى سليمان بن صرد وأصحابه إلى قبر الحسين نادوا صيحة واحدة : يا رب إنا قد خذلنا ابن بنت نبينا ، فاغفر لنا ما مضى منا ، وتب علينا أنت التواب الرحيم ، وارحم حسينا وأصحابه الشهداء الصديقين ، وإنا نشهدك يا رب أنا على مثل ما قتلوا عليه ، فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين
    قال : فأقاموا عنده يوما وليلة يصلون عليه ويبكون ويتضرعون ، فما أنفك الناس من يومهم ذلك يترحمون عليه وعلى أصحابه ، حتى صلوا الغداة من الغد عند قبره . وزادهم حنقا .
    ثم ركبوا ، فأمر سليمان الناس بالمسير ، فجعل الرجل لا يمضي حتى يأنى قبر الحسين فيقوم عليه ، فيترحم عليه ، ويستغفر له قال : فو الله لرأيهم ازدحموا على قبره أكثر من ازدخام الناس على الحجر)اه
    وفي صحيح البخاري 1/165 Sad باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد, وما يكره من الصلاة في القبور ورأى عمر أنس بن مالك يصلي عند قبر فقال القبر القبر ولم يأمره بالإعادة) اه
    قال الحافظ في الفتح : 1/524 Sadوقوله ولم يأمره بالإعادة استنبطه من تمادي أنس على الصلاة ولو كان ذلك يقتضي فسادها لقطعها واستأنف)اه
    وقال في الفتح أيضا 1/533 Sadوإيراده له هنا يحتمل أن يكون أراد أن الكراهة في الأبواب المتقدمة ليست للتحريم لعموم قوله: جعلت لي الأرض مسجدا أي كل جزء منها يصلح أن يكون مكانا للسجود أو يصلح أن يبني فيه مكان للصلاة, ويحتمل أن يكون أراد أن الكراهة فيها للتحريم وعموم حديث جابر مخصوص بها والأول أولى لأن الحديث سيق في مقام الامتنان فلا ينبغي تخصيصه
    ولا يرد عليه أن الصلاة في الأرض المتنجسة لا تصح لأن التنجس وصف طارئ والاعتبار بما قبل ذلك ) اه
    والصحابة رضوان الله عليهم هم أدرى بمراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الشيخ عليش في فتح العلي المالك 1/52: (نقل صاحب المدخل عن ابن بطال : أن العلماء قالوا : الأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم يحتاج فيها إلى معرفة تلقي الصحابة كيف تلقوها من صاحب الشريعة صلى الله عليه و سلم فإنهم أعرف بالمقال وأقعد بالحال) اه
    3-أن السلف كان يحصل ذلك منهم بلا نكير :
    ففي الروح لابن القيم ص 11 Sad قال يزيد بن هارون : أخبرنا سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، أن ابن ساس خرج في جنازة في يوم وعليه ثياب خفاف، فانتهى إلى قبر ، قال فصليت ركعتين ثم اتكأت عليه ، فوالله إن قلبي ليقظان إذ سمعت صوتا من القبر : إليك عني لا تؤذني فإنكم قوم تعملون ولا تعلمون ونحن قوم نعلم ولا نعمل ، ولأن يكون لي مثل ركعتيك أحب إلي من كذا وكذا . فهذا قد علم باتكاء الرجل على القبر وبصلاته
    وقال ابن أبي الدنيا : حدثني الحسين بن علي العجلي ، حدثنا محمد بن الصلت ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن ثابت بن سليم ، حدثنا أبو قلابة قال : أقبلت من الشام إلى البصرة ، فنزلت منزلا ، فتطهرت ، وصليت ركعتين بليل ، ثم وضعت رأسي على قبر ، فنمت ، ثم انتبهت فإذا صاحب القبر يشتكيني يقول : قد آذيتني منذ الليلة ، ثم قال : إنكم تعملون ولا تعلمون ، ونحن نعلم ولا نقدر على العمل ، ثم قال : الركعتان اللتان ركعتهما خير من الدنيا وما فيها ، ثم قال : جزى الله أهل الدنيا خيرا ، أقرئهم منا السلام ، فإنه يدخل علينا من دعائهم نور أمثال الجبال)اه
    وفي شعب البيهقي 7/19 Sad أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو أنا أبو عبد الله الصفار نا أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني الحسين بن علي العجلي نا عبد الله بن نمير نا مالك بن مغول عن ابن منصور عن زيد بن وهب قال : : خرجت إلى الجبانة فجلست فيها فإذا رجل قد جاء إلى قبر فسواه ثم تحول إلى مجلس فقلت له ما هذا القبر ؟ قال : أخ لي مات . فقلت : أخ لك ؟ فقال : أخ لي في الله رأيته فيما يرى النائم فقلت فلان عشت الحمد لله رب العالمين قال : قد قلتها لأن أقدر على أن أقولها أحب إلي من الدنيا وما فيها ثم قال : ألم تر حيث كانوا يدفنوني فإن فلانا قام فصلى ركعتين لأن أكون أقدر على أن أصليهما أحب إلي من الدنيا وما فيها ) اه وهو في حلية الأولياء 4/171
    وفي شعب البيهقي أيضا 7/298 Sad أخبرنا أبو سعيد بن عمرو أنا أبو عبد الله الصفار نا أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني أبو بكر التيمي نا عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني حميد الطويل عن مطرف بن عبد الله الجرشي قال : شهدت جنازة ثم اعتزلت من ناحية قريبا من قبر فركعت ركعتين خففتهما لم أرض إنفاقهما قال : فنعست فرأيت صاحب القبر يكلمني فقال : ركعت ركعتين لم ترض إنفاقهما . فقلت : قد كان ذلك . قال : تعلمون ولا تعلمون ولا تستطيع أن تعمل لأن أكون ركعت مثل ركعتيك أحب إلي من الدنيا بحذافيرها . فقلت : من هاهنا ؟ فقال : كلهم مسلم وكلهم قد أصاب خيرا . فقلت : من هاهنا أفضل ؟ فأشار إلى القبر فقلت في نفسي : اللهم ربنا أخرجه إلي فأكلمه قال : فخرج من قبره فتى شاب . فقلت : أنت أفضل من هاهنا ؟ قال : قد قالوا ذلك . قلت : فبأي شيء نلت ذلك فوالله ما أرى لك تلك السن فأقول نلت ذلك بطول الحج والعمرة والجهاد في سبيل الله عز وجل والعمل . قال : ابتليت بالمصائب فرزقت الصبر عليها فبذلك فضلتهم ) اه .وهو في تاريخ ابن عساكر 58/330

    ثانيا :أدلة المالكية
    وأما أدلة المالكية فهي :
    1-حديث ( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) :
    وضعفوا الأحاديث التي تمنع من ذلك أو قالوا هي منسوخة قال ابن عبد البر في التمهيد 1/168 عن حديث جعلت لي الأرض Sadقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اولئك قوم اذا مات الرجل الصالح عندهم بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصور فأولئك شرار الخلق عند الله
    قال أبو عمر : هذا يحرم على المسلمين ان يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء والصالحين مساجد وقد احتج من لم ير الصلاة في المقبرة ولم يجزها بهذا الحديث وبقوله: ان شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم : صلوا في بيوتكم ولا تجعلها قبورا وهذا الاثار قد عارضها قوله صلى الله عليه وآله وسلم : جعلت لي الارض مسجدا وطهورا
    و تلك فضيلة خص بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يجوز عند أهل العلم في فضائله النسخ ولا الخصوص ولا الاستثناء وذلك في غير فضائله ، إذا كان أمرا أو نهيا، أو في معنى الأمر والنهي, وبهذا يستبين أن الناسخ منها هو قوله صلى الله عليه و سلم جعلت لي الأرض مسجدا طهورا ) اه
    وقال في التمهيد 5/221 عن حديث إلا المقبرة والحمام Sadفلو صح لكان معناه أن يكون متقدما لقوله: جعلت لي الأرض كلها مسجدا طهورا ويكون هذا القول متأخرا عنه ، فيكون زيادة فيما فضله الله به صلى الله عليه وآله وسلم ) اه
    ومما يقوي القول بالنسخ أن حديث جعلت لي الأرض... كان في غزوة تبوك ففي فتح الباري 1/436 Sad قوله: (أعطيت خمسا..) بين في رواية عمرو بن شعيب أن ذلك كان في غزوة تبوك وهي آخر غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) اه
    2-أن موضع مسجد النبي صلى الله عليه وآله سلم كان مقبرة للمشركين فنبشها وبنى المسجد عليها

    ثالثا:أدلة الحنابلة :
    أدلة الحنابلة هي :
    1-حديث إلا المقبرة والحمام :
    ففي سنن الترمذي 2/131 Sad عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام )
    لكن هذا الحديث فيه كلام قال أبو عيسى الترمذي بعد روايته Sadوفي الباب عن علي وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة وجابر وبن عباس وحذيفة وأنس وأبي أمامة وأبي ذر قالوا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا قال أبو عيسى : حديث أبي سعيد قد روي عن عبد العزيز بن محمد روايتين منهم من ذكره عن أبي سعيد ومنهم من لم يذكره وهذا حديث فيه اضطراب ) اه
    وفي سنن الدارمي 1/375 Sadعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام, قيل لأبي محمد [ الدارمي ]: تجزئ الصلاة في المقبرة ؟ قال : إذا لم تكن على القبر فنعم وقال : الحديث كلهم أرسلوه)اه
    وقد ذكر الحافظ في التلخيص 1/277 طائفة ممن تكلموا في الحديث وهم :


    الدارقطني في العلل فقال: المرسل المحفوظ
    وقال الشافعي : وجدته عندي عن بن عيينة موصولا ومرسلا
    ورجح البيهقي المرسل أيضا
    وقال النووي في الخلاصة : هو ضعيف
    وأفحش بن دحية فقال في كتاب التنوير له : هذا لا يصح من طريق من الطرق
    وقال ابن عبد البر في التمهيد 5/220 : وفي إسناد هذا الخبر من الضعف ما يمنع الاحتجاج به.

    2-حديث نهى عن الصلاة في سبعة مواطن :
    عن ابن عمر رضي الله عنهما Sad أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يصلي في سبعة مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله ) رواه الترمذي 2/177 وابن ماجه 1/246
    وقال الترمذي بعد إخراجه :حديث ابن عمر ليس بذلك القوي ، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه , وقال الزيلعي في نصب الراية 2/323 : اتفق الناس على ضعفه, وقال ابن عبد البر في التمهيد 5/226 Sad الحديث منكر ، لا يجوز أن يحتج عند أهل العلم بمثله )اه
    3-حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال :
    ( نهاني حبّي صلى الله عليه و سلم أن أصلي في المقبرة ، ونهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة ) رواه أبو داود 1/132 والبيهقي 2/451
    قال ابن عبد البر : هذا إسناد ضعيف مجمع على ضعفه ، وهو مع هذا منقطع غير متصل بعلي رضي الله عنه, وقال العيني : قال ابن القطان : هو حديث واه وقال البيهقي في المعرفة : إسناده غير قوي, وقال الخطابي رحمه الله : في إسناد هذا الحديث مقال ... وقد عارضه ما هو أصح منه ، وهو قوله صلى الله عليه و سلم : (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ) اه انظر عون المعبود 1/183
    4-أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد فمنها :
    عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : في مرضه الذي مات فيه لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا قالت ولولا ذلك لأبرزوا قبره غير أني أخشى أن يتخذ مساجد ) رواه البخاري 1/446 ومسلم 1/376
    5-حديث ولا تصلوا إليها :
    فعن أبي مرثد الغنوي قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ) رواه مسلم 2/668
    6-حديث لا تجعلوا بويتكم قبورا :
    فعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا على فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ) رواه أبو داود 2/218

    هذا هو آخر المطاف والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
    عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي

    Admin
    Admin

    المساهمات : 1179
    تاريخ التسجيل : 29/04/2015
    العمر : 51

    سؤال عن أضرحة الأولياء وأئمة أهل البيت، وحكم الصلاة في المساجد المرتبطة بها؟

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يونيو 07, 2015 4:05 pm

    سئل شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي حفظه الله:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    أريد رداً شرعياً فقهياً وصريحاً لموضوع أضرحة الأولياء وأئمة أهل البيت، وحكم الصلاة في المساجد المرتبطة بها؟
    أرجو الرد بالدليل من الكتاب والسنة وما أثر عن أي صحابي حول هذه الأمور، مع الرد على الدليل المقابل: كحديث علي:" ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله، ألا تدع قبرا مشرفا إلا سويته "، وحديث: { لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد .. } (الحديث).
    وجزاكم الله خيرا.
    فأجاب شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي حفظه الله:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله ذي الحمد المجيد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير العبيد، ثم على المُبَشِّرين به وآله وصَحْبِه وخُلفائه وورثته إلى يوم المَزيد.
    عزيزي ..، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيباته.
    قال الله تعالى: { ولو ردّوه إلى الرسولِ وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم }[النساء:83].
    وبعد: فاعلم أن سبب الخلاف في حكم بناء الأضرحة واتخاذ المساجد على القبور: الاختلاف في فهم النصوص الواردة في المسألة؛ إذ وردت على ضربين:
    أحدهما: الجواز، ومنه:
    1/ قول الله تعالى في قصَّة أصحاب الكهف: { قال الذين غلبوا على أمرهم لنتَّخذن عليهم مسجداً }[الكهف:21].
    وهو ظاهر في تقرير اتخاذ المساجد على قبور الصالحين، ومِنَّة الله تعالى على أصحاب الكهف بذلك.
    قال الإمام السيوطي في كتاب ( الدر المنثور ):" أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: دعا الملك شيوخا من قومه فسألهم عن أمرهم فقالوا: كان ملك يدعى دقيوس، وإن فتية فقدوا في زمانه، وأنه كتب أسماءهم في الصخرة التي كانت عند باب بالمدينة. فدعا بالصخرة فقرأها فإذا فيها أسماءهم، ففرح الملك فرحاً شديداً وقال: هؤلاء قوم كانوا قد ماتوا فبعثوا، ففشا فيهم أن الله يبعث الموتى. فذلك قوله: { وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها } فقال الملك: لأتخذن عند هؤلاء القوم الصالحين مسجداً، فلأعبدن الله فيه حتى أموت. فذلك قوله: { قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا }. "اهـ
    فائدة: واتخاذ المسجد على القبر يندرج في قول الله تعالى: { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسولُ لوجدوا الله تواباً رحيما }[النساء:64]؛ لأن المقصود به: التوسل إلى الله تعالى بعباده الصالحين تقرباً وتبركاً.
    وهذا يُعتبر دليلاً صريحاً في تساوي التوسل بالصالحين أحياء وأمواتاً، خلافاً لمن فرّق بين الحالتين بلا دليل أصلاً.
    2/ تقرير سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم صاحبه أبا جندل رضي الله تعالى عنه على بناء مسجد على قبر أبي بصير رضي الله تعالى عنه، فيما يرويه عبد الرزَّاق وغيره عن الحديبية.
    وهو ظاهر في بيان جواز اتخاذ المساجد على القبور، وأن صدر أمَّتنا الأول رصي الله تعالى عنهم فعلوه وأقِرُّوا عليه.
    3/ صلاة سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم على قبر سيدنا إبراهيم عليه السلام؛ فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: { لما أسري بي إلى بيت المقدس مرَّ بي جبرائيل إلى قبر إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، فقال: انزل صلِّ هاهنا ركعتين، فإن هاهنا قبر أبيك إبراهيم عليه السلام. ثم مرَّ بي إلى بيت لحم فقال: انزل صلِّ هاهنا ركعتين فإن هاهنا ولد أخوك عيسى عليه السلام }[ابن حبان].
    وهو ظاهر في بيان جواز اتخاذ المساجد على القبور؛ فإن الأرض قد جُعلت لنا مسجداً، ثم إن سيدنا رسول الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم صلى على قبر سيدنا إبراهيم عليه السلام.
    فائدة: وفي هذا الخبر زيادة: تدل على تشريف المقامات وتشريع التبرك بها؛ لطلب الصلاة على مهد سيدنا عيسى عليه السلام في بيت لحم.
    4/ عدم هدم سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم المساجد والقِباب التي بنيت على القبور المُشَرَّفة، ولا أمر بهدمها؛ فقد روي أن جماعة من المرسلين والأنبياء عليهم السلام مدفونون في المسجد الحرام، ما بين زمزم والمقام، منهم أسيادنا نوح وهود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام:
    قال الإمام القرطبي رضي الله تعالى عنه في الجامع لأحكام القرآن:" روى محمد بن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { كان النبي من الأنبياء إذا هلكت أمته لحق مكة فتعبد بها هو ومن آمن معه حتى يموتوا، فمات بها نوح وهود وصالح، وقبورهم بين زمزم والحجر }، وقال ابن عباس:" في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما: قبر إسماعيل، وقبر شعيب عليهما السلام، فقبر إسماعيل في الحجر، وقبر شعيب مقابل الحجر الأسود "، وقال عبد الله بن ضمرة السلولي:" ما بين الركن والمقام إلى زمزم قبور تسعة وتسعين نبياً جاءوا حجاجاً فقبروا هنالك، صلوات الله عليهم أجمعين ". "اهـ
    وروى الحاكم بإسناده عن أمنا السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعاً: { إن قبر إسماعيل في الحِجر }، قال الإمامِ المناوي في ‏فيض القدير:" ( الحِجر ) بالكسر: هو المحوط عند الكعبة بقدر نصف دائرة، فهو مدفون في ذلك الموضع بخصوصه، ولم يثبت أنه نقل منه لغيره "اهـ
    كما ثبت أن قبور أسيادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام كانت موجودة في بيت المقدس، وقد ضربت عليها المساجد والقِباب، ثم إن سيدنا رسول الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر أصحابه رضي الله تعالى عنهم بهدمها رغم أنه بشرهم بفتح ذلك البلد.
    وكذلك فإن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قد فتحوا بلاد الشام والعراق وغيرهما ولم يهدموا الأبنية المقامة على قبور من دفن فيها من الأنبياء عليهم السلام.
    وهذا ظاهر في بيان الحكم السابق أيضاً.
    فائدة: وفيه زيادة تبين مشروعية اتخاذ المقامات وما في معناها، وقد تقدم نحوه.
    5/ اتخاذ المسجد على قبر سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك بعلمه وندبه إليه؛ فقد ثبت في الصحاح قوله: { ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنَّة }، وفي رواية: { ما بين بيتي ومنبري }، في الوقت الذي صرّح فيه بأن الأنبياء يُدفنون في الموضع الذي يموتون فيه؛ ما يفيد سبق معرفته بصفة قبره الشريف، ومن ثم أجمع التابعون رضي الله تعالى عنهم _ وهم خير القرون بعده _ على ضمّ القبر إلى المسجد بعد أن كان محاذياً له.
    وهذا ظاهر أيضاً في بيان جواز بناء الأضرحة واتخاذ المساجد على القبور، بل لو لم يكن ثمة دليل سواه لكفى.
    6/ دفن سيِّدَيْنَا أبي بكر الصّديق وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما مع سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
    وهذا ظاهر في بيان الحكم السابق أيضاً، لاسيما أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم ينكروا ذلك.
    7/ وضع سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم صخرة عظيمة على قبر عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه، وقد ثبت في البخاري قول خارجة بن زيد:" رأيتني ونحن شبان في زمن عثمان _ رضي الله عنه _ أن أشدنا وثبة: الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يُجاوزه ".
    وهو ظاهر في بيان جواز رفع قبور الصالحين؛ فإن الشارع لم ينه عن الزيادة على الصخرة، ولا خصصها.
    الضرب الثاني: التحريم، وهو يرجع إلى وجهين:
    الوجه الأول: الذم لفعل المغضوب عليهم والضالين من الأمم السابقة، والنهي عن التشبه بهم، نحو خبر:" لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "[متفق عليه].
    والجواب عليه: أن المقصود: " اتخذوا قبور أنبيائهم قِبلة يسجدون إليها "، وهو محظور باتفاق.
    وهذا التأويل لازم؛ جمعاً بين هذا الخبر وما تقدم من تقرير الشارع وفعله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.
    يؤكد ذلك: تعقيب أمّنـا السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها على هـذا الخبر بقولها:" فلولا ذلك أبْرِز قبرُه، غير أنه خُشِيَ أن يُتَّخذ مسجداً "، وفيه فوائد أخرى، أهمها:
    */ تأكيد أن الشارع لم ينص على حرمة ذلك مطلقاً، وهو ما فهمه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من خطابه، وبيّنته أمّنا السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها بقولها هذا.
    */ أن صفة نفس القبر كانت اجتهاداً للصحابة رضي الله تعالى عنهم، وذلك لا يفيد الوجوب، لاسيما مع تصريح أمّنا السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، كما أنه لا يُغيّر أصل الحكم.
    الوجه الثاني: النهي عن رفع القبور، نحو خبر:" لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته "[مسلم وغيره].
    والجواب عليه: أن المقصود:" لا تدع قبراً مشرفاً من قبور المشركين ومن في معناهم إلا سويته "؛ وهو ما يفيده سياق الحديث، ويوافق نصوص الجواز المتقدمة.
    فائدة: والذي ينبغي اعتباره في هذه المسألة: أن الشارع راعا " سد الذرائع عند تيقّن الضرر "، فكان يفعل الشيء أو يتوقف فيه أو ينهى عنه حفظاً لدين الناس عند تيقن الضرر من العكس، كما في العطايا وبناء الكعبة المشرّفة.
    ومن ثم، يصلح تعليل النهي بقرب عهد الأولين بالكفر، وهو ما يؤيده أدلة الجواز المتقدمة.
    فالخلاصة: أن بناء أضرحة خواص الأولياء رضي الله تعالى عنهم واتخاذ المساجد عليها مندوب أصلاً.
    وأما العامة: فيجوز رفع قبورهم، لكن السنة أن تسوى، ولا تُتّخذ عليها المساجد.
    وما ورد من ( النهي عن اتخاذ القبور مساجد ) وما في معنى ذلك: فإنما يُراد به النهي عن عبادة صاحب القبر.
    ثم نلفت عنايتك إلى مراجعتنا فيما ضاق فهمك عنه.
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 13, 2018 4:19 pm