السعادة والصفاء

السعادة والصفاء

سر الوصول إلى السعادة والصفاء والسلام النفسي ،أسراروأنوار القلوب التى صفت وأشرقت بعلوم الإلهام وأشرفت على سماوات القرب وفاضت بعلوم لدنية ومعارف علوية وأسرار سماوية



    الرد على منكري رؤية النبي فى اليقظة

    شاطر

    عابر سبيل

    المساهمات : 15
    تاريخ التسجيل : 01/05/2015

    الرد على منكري رؤية النبي فى اليقظة

    مُساهمة من طرف عابر سبيل في الخميس يونيو 04, 2015 8:09 am

    رؤية النبى صل الله عليه وسلم فى اليقظة

    إن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة ؛ليست من المسائل التشريعية التي يترتب عليها زيادة في الدين،
    أو نقص فيه،هذه المسألة من المسائل التفضلية الوهبية
    وهي مبنية على مسألة خرق العادة المكملة للمعجزة واستدل القوم بكثير من الأدلة النقلية منها ما ذكره سادتي الأفاضل الأكارم ومنها قصة الصحابي الذي كان ينظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في منتهى الجيش ومنها قول الإمام مالك رضي الله عنه وكثير في هذا الباب مما لا تحصر بل ما أعتقده أن كبار الأئمة أهل السنة أمثال البخاري ومسلم والنسائي وأحمد ومالك والشافعي وأبو حنيفة والكثير ممن تبعهم من المعروفين لهم ذوق مليح في هذا الباب نسأل الله التفضل علينا برؤيته صلى الله عليه وآله وسلم مناما ويقظة والمسألة تستدعي تفصيلا أكثر وبيانا لقصد أهل الله والله ورسوله أعلم
    اتفق علماء أهل السنة ان كل معجزة لنبى يجوز أن تكون كرامة لولى. ثم الم يرى النبى صلى الله عليه وسلم الأنبياء ويصلى بهم يقظة لا مناما ألم يكلم موسى فى رحلة الاسراء والمعراج ويقابل عدد من الانبياء فلماذا لا تكون هذه الكرامة جائزة لولى من الأولياء.فهذه المسألة إذن جائزة شرعا بالأدلة النقلية فلماذا نحكم فيها العقل.ويبدا ان السلفيين انقلبوا على انفسهم فى هذه المسألة وناصروا المعتزلة فى تقديم العقل على النقل

    قال الإمام السيوطى فى (تنوير الحلك فى إمكان رؤية النبى والملك) : فقد كثر السؤال عن رؤية أرباب الأحوال للنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة وإن طائفة من أهل العصر ممن لا قدم لهم في العلم بالغوا في إنكار ذلك والتعجب منه وادعوا أنه مستحيل فألفت هذه الكراسة في ذلك وسميتها (تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك)

    روى الامام البخاري في صحيحه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من رآني في المنام فسيراني في اليقظة فإن الشيطان لا يتمثل بي)) كما روى هذا الحديث مسلم وأبو داود في صحيحيهما.
    فهذا حديث صحيح صريح لا يقبل التأويل؛ فمعروف أن اليقظة هي الانتباه, والانتباه ضد النوم, قال العلامة ابن الأثير في كتابه (النهاية في غريب الحديث والأثر) : اليقظة قد تكرر في الحديث ذكر اليقظة والاستيقاظ وهو الانتباه من النوم.
    وأخرج الطبراني مثله من حديث مالك بن عبد الله الخثعمي ومن حديث أبي بكرة ، وأخرج الدارمي مثله من حديث أبي قتادة . قال العلماء اختلفوا في معنى قوله ( فسيراني في اليقظة ) فقيل معناه فسيراني في القيامة وتعقب بأنه بلا فائدة في هذا التخصيص لأن كل أمته يرونه يوم القيامة من رآه منهم ومن لم يره ، وقيل المراد من آمن به في حياته ولم يره لكونه حينئذ غائبا عنه فيكون مبشرا له أنه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته، وقال قوم هو على ظاهره فمن رآه في النوم فلا بد أن يراه في اليقظة يعني بعيني رأسه وقيل بعين في قلبه حكاهما القاضي أبو بكر بن العربي، وقال الإمام أبو محمد بن أبي جمرة في تعليقه على الأحاديث التي انتقاها من البخاري : هذا الحديث يدل على أنه من رآه صلى الله عليه وسلم في النوم فسيراه في اليقظة وهل هذا على عمومه في حياته وبعد مماته أو هذا كان في حياته وهل ذلك لكل من رآه مطلقا أو خاص بمن فيه الأهلية والإتباع لسنته عليه السلام اللفظ يعطى العموم ومن يدعي الخصوص فيه بغير مخصص منه صلى الله عليه وسلم فمتعسف قال وقد وقع من بعض الناس عدم التصديق بعمومه وقال على ما أعطاه عقله وكيف يكون من قد مات يراه الحي في عالم الشاهد قال وفي قول هذا القول من المحذور وجهان خطران : أحدهما عدم التصديق لقول الصادق عليه السلام الذي لا ينطق عن الهوى والثاني الجهل بقدرة القادر وتعجيزها كأنه لم يسمع في سورة البقرة قصة البقرة وكيف قال الله تعالى : (( فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى )) وقصة إبراهيم عليه السلام في الأربع من الطير وقصة عزير فالذي جعل ضرب الميت ببعض البقرة سببا لحياته وجعل دعاء إبراهيم سبباً لإحياء الطيور وجعل تعجب عزير سبباً لموته وموت حماره ثم لإحيائها بعد مئة سنة قادر أن يجعل رؤيته صلى الله عليه وسلم في النوم سببا لرؤيته في اليقظة وقد ذكر عن بعض الصحابة أظنه ابن عباس رضي الله عنهما أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فتذكر هذا الحديث وبقي يفكر فيه ثم دخل على بعض أزواج النبي أظنها ميمونة فقص عليها قصته فقامت وأخرجت له مرآته صلى الله عليه وسلم قال رضي الله عنه فنظرت في المرآة فرأيت صورة النبي صلى الله عليه وسلم ولم أر لنفسي صورة قال وقد ذكر عن بعض السلف والخلف وهلم جرا ممن كانوا رأوه صلى الله عليه وسلم في النوم وكانوا ممن يصدقون بهذا الحديث فرأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متشوشين فأخبرهم بتفريجها ونص لهم على الوجوه التي منها يكون فرجها فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص قال والمنكر لهذا لا يخلو إما أن يصدق بكرامات الأولياء أو يكذب بها فإن كان ممن يكذب بها فقد سقط البحث معه فإنه يكذب ما أثبتته السنة بالدلائل الواضحة وإن كان مصدقا بها فهذه من ذلك القبيل لأن الأولياء يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء في العالمين العلوي والسفلي عديدة فلا ينكر هذا مع التصديق بذلك انتهى كلام ابن أبي جمرة.
    وقال الشيخ محمد بن علوى المالكى في كتابه (الذخائر) : (ص146) : إن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ممكن لعامة أهل الأرض في ليلة واحدة، وذلك لأن الأكوان مرايا، وهو صلى الله عليه وسلم كالشمس إذا أشرقت على جميع المرآيا ظهر في كل مرآة صورتها، بحسب كبرها وصغرها، وصفائها وكدرها، ولطافتها وكثافتها... الخ .
    كالشمس فى كبد السماء وضوؤها يغشى البلاد مشارقا ومغاربا
    وقال صاحب رسالة (الموقظة فى رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم فى اليقظة) : هل يمكن الاجتماع بالنبي والتلقي منه فى اليقظة ؟ نعم يمكن ذلك، فقد صرح بأن ذلك من كرامات الأولياء الغزالي والبارزي والتاج السبكي والعفيف اليافعي من الشافعية والقرطبي وابن أبي جمرة من المالكية.
    قال ابن بطّال : قوله ( فسيراني في اليقظة ) يريد تصديـق تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها وخروجها على الحق وليس المراد أنه يراه في الآخرة لأنه سيراه يوم القيامة في اليقظة فتراه جميع أمته من رآه في النوم ومن لم ير منهم
    وقال ابن التين : المراد من آمن به في حياته ولم يره لكونه حينئذٍ غائباً عنه، فيكون بهذا مبشراً لكل من آمن به ولم يره أنه لابدّ أن يراه في اليقظة قبل موته.
    وقال ابن الحاج المالكي في (المدخل) : وقلّ من يقع له ذلك الأمر، إلاّ من كان على صفة عزيز وجودها في هذا الزمان بل عدمت غالباً، مع أننا لا ننكر من يقع له هذا من الأكابر الذين حفظهم الله تعالى في ظواهرهم وبواطنهم.
    وقال الخطيب القسطلاني : فلا يمتنع من الخواص أرباب القلوب القائمين بالمراقبة والتوجه على قدم الخوف بحيث لا يسكنون لشيء مما يقع لهم من الكرامات فضلاً عن التحدث بها لغير ضرورة مع السعي في التخلص من الكدورات والإعراض عن الدنيا وأهلها جملة، وكون الواحد منهم كالشيخ عبد القادر الكيلاني يود أن يخرج من أهله وماله وأنه يرى النبي .
    وقال الإمام الغزالي : ومن أول الطريقة تبتدأ المكاشفات والمشاهدات حتى أنهم في يقظتهم (يعني أرباب القلوب) يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق.
    لماذا لم تظهر هذه الرؤية في صدر الإسلام الأول؟
    أجاب الإمام الآلوسي في (تفسيره) فقال : وكانت الخوارق في الصدر الأول ـ لقرب العهد بشمس الرسالة ـ قليلة جداً وأنّى يرى النجم تحت الشعاع أو يظهر كوكب وقد انتشر ضوء الشمس في البقاع! فيمكن أن يكون وقع ذلك لبعضهم على سبيل الندرة ولم تقتض المصلحة إفشاءه، ويمكن أن يقال : إنه لم يقع لحكمة الابتلاء أو لخوف الفتنة أو فيما يهمهم أو ليهرع الناس إلى كتاب الله وسنته صلى الله عليه وسلم لأن في القوم من هو كالمرآة له فيتسع باب الاجتهاد وتنتشر الشريعة وتعظم الحجة التي يمكن أن يعقلها كل أحد أو لنحو ذلك.
    وأضاف رحمه الله فقال : وهذه الرؤية إنما تقع للكاملين الذين لم يخلّوا وبين أحد من الأمة باتباع الشريعة قدر شعيرة ومتى قويت المناسبة بين رسول الله قوى أمر رؤيته إياه عليه الصلاة والسلام، وقد تقع لبعض صلحاء الأمة عند الاحتضار لقوة الجمعية حينئذٍ.
    أعلم أخي القارئ أن رؤيته صلى الله عليه وسلم من الممكنات وأنها جائزة شرعًا وعقلا ونقلا, فليس هنالك تكذيب بعد النص الصريح وأن رؤيته صلى الله عليه وسلم تحصل في الدنيا لا في الآخرة, لأنه صلى الله عليه وسلم قال "فسيراني في اليقظة" ولم يقل سوف يراني, ومن المعلوم أن كلمة سيراني تستخدم في اللغة للقريب عكس عبارة سوف , وأنه صلى الله عليه وسلم أدرى الناس بالعربية ولو أراد الآخرة لقال سوف يراني. والقول بتخصيص الرؤية في القيامة باطل, لأن كل الأمة تراه يوم القيامة فأين المزية لمن يراه في النوم؟؟
    ولقد أجمع علماء الأصول أن المخصص إذا لم يوجد فاللفظ على عمومه وظاهره، فالتخصيصُ بغير مخصِصٍ باطل عند الجميع.

    سئل الفقيه العلامة ابن حجر الهيتمي في كتابه (الفتاوي الحديثة) : سئل هل ممكن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة فأجاب: أنكر ذلك جماعة وجوزه آخرون وهو الحق وقد أخبربذلك جماعة من الصالحين واستدل بحديث البخاري (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة) أي بعين رأسه. واحتمال إرادة القيامة بعيد من لفظ اليقظة، على أنه لا فائدة في التقييد حينئذ لأن أمته كلهم يرونه يوم القيامة من رآه في المنام ومن لم يره في المنام اه.

    وفي شرح الحافظ ابن أبي جمرة للأحاديث التي انتقاها من البخاري قال: (ترجيح بقاء الحديث على عمومه في حياته ومماته لمن له أهلية الاتباع للسنة ولغيره, ومن يدعي الخصوص بغير تخصيص منه صلى الله عليه وسلم فقد تعسف ثم ألزم منكر ذلك بأنه غيرمصدق بقول الصادق وأنه جاهل بقدرة القادر وبأنه منكر لكرامات الأولياء مع ثبوتها بدلائل السنة الواضحة، ومراده بعموم ذلك وقوع رؤية اليقظة الموعود بها لمن رآه في النوم ولو مرة واحدة تحقيقا لوعده الشريف الذي لا يتخلف .وأكثر ذلك للعامة قبل الموت عند الاحتضار فلا تخرج روحه من جسده حتى يراه وفاء بوعده, أما غيرهم فيحصل قبل ذلك بقلة أو كثرة بحسب تأهلهم واتباعهم للسنة إذ الإخلال بها مانع كبير) انتهى كلام الحافظ .
    ثم إن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة من الممكنات التي تدخل تحت القدرة الإلهية وليس من المستحيلات الذاتية, فإن رؤية مخلوق لمخلوق أمر ممكن سواء كان المخلوق المرئي في الدنيا أم في الآخرة, والعلماء مجمعون على أن الممكن الذي يدخل تحت القدرة الإلهية لا يجوز إخراجه إلا بنص صريح.
    فأين النص الصريح هنا؟؟.

    كما أجمع العلماء على أن العدل الضابط إذا أخبر بأمر ممكن فلا وجه لتكذيبه. وقد أخبر برؤيته صلى الله عليه وسلم عدد كبير من العلماء والصالحين الذين لا يشك في عدالتهم. إذا فالأمر ثابت من غير حديث البخاري ثم جاء حديث البخاري فازدادت المسألة ثباتـًا على ثبات.

    الرد على المنكرين :

    أنكر احد المعترضين رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة والف في ذلك كتابا وقال فيه . لايمكن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة وذلك لخمسة اسباب .
    الاول : الخلاف بين المهاجرين والانصار في سقيفة بني ساعدة ولم يروا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة ويفصل النزاع الذي نشب بينهم .
    الثاني : الخلاف بين أبي بكر الصديق والسيدة فاطمة رضي الله عنهما.
    الثالث : الخلاف بين علي وأصحابه وبين طلحة والزبير والسيدة عائشة.
    الرابع : الخلاف بين سيدنا علي كرم الله وجهه والخوارج.
    الخامس : الخلاف بين سيدنا علي ومعاوية رضي الله عنهما .

    الرد :
    اولاً : ان هذه الاسباب والادلة التي سماها خمسة هي في الحقيقة شيئ واحد يتكرر في صور مختلفة , وهي كون الخلاف قد وقع بين الصحابة ولم يرو النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة ليحل لهم الاشكال وليفض بينهم النزاع .

    ثانياً : لنسأل هذا المعترض سؤالا : الم تكن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في النوم جائزة عندكم وقد نصت عليها النصوص الصريحة الصحيحة ؟؟؟ سيجيب بقوله نعم جائزة .
    نقول له اذاً لماذا لم يظهر النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة في المنام ويفض بينهم الخلاف ويحل لهم الاشكال ؟؟؟؟ وهل هذا يدل على عدم جواز رؤيته صلى الله عليه وسلم في النوم ايضاً ؟؟؟؟
    فاذا بطلت رؤيته صلى الله عليه وسلم في اليقظة لهذه الاسباب اذا بطلت رؤيته في المنام لهذه الاسباب ايضاً ..

    ثالثاً : قد أجمعت الامة والعلماء على أن الالهام هوحق يكرم الله به أولياءه .
    فلماذا لم يلهم الله الصحابة رضوان الله عليهم الحق ويدلهم عليه ويفض بينهم النزاع ؟؟؟ اليس الصحابة أهل للاهام واحق به من غيرهم ؟؟؟ وهل هذا يدل على عدم وجود الالهام الصادق من الله تعالى للاولياء ؟؟ اذن عدم وقوعها لا يعني عدمها بالكلية .

    رابعاً : لنا أن نقول في رد الادلة الخمس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بهذه الفتن وعين أهل الحق فيها من غيرهم وذلك في حياته صلى الله عليه وسلم , فلا معنى حينئذ للقول لم لم يروه يقظة بعد وفاته ليخبرهم بما اخبرهم به في حياته .
    ففي حديث الزهري عن ابي إدريس الخولاني سمعت حذيفة بن اليمان يقول (والله إني لاعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة وماذاك أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني من ذلك شيئاً أسره إلي لم يكن حدث به غيري ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يحدث مجلساً انا فيه سئل عن الفتن وهو فيهن ثلاث لاتذوق شيئاً منهن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار قال حذيفة فذهب أولئك الرهط كلهم غيري). رواه مسلم . والامام احمد .
    عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً فما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك الي قيام الساعة الا حدثه حفظه منا من حفظه ونسيه من نسيه قد علمه اصحابه هؤلاء وإنه ليكون منه الشيئ فاذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا راه عرفه) رواه البخاري ومسلم .
    اذن لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم فتنة من الفتن الي قيام الساعة الا وتحدث عنها و بينها وهذا واضح في الاحاديث . وعلى الناس فقط الرجوع الي السنة, وهو القائل تركتكم على المحجة البيضاء .
    فكيف يطلب المعترض مجيئه صلى الله عليه وسلم في اليقظة ليكرر مافعله مرة اخرى , وهل كان مجيئه صلى الله عليه وسلم واجب ؟؟؟ ومن الذي أوجب عليه ذلك ؟؟؟ وأين هو النص في ذلك ؟؟؟ .

    قال المنكر: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يُرى في الدنيا لماذا لم يره الصحابة ورآه شيوخكم؟.
    فأقول له هل المزية تقتضي الأفضلية؟؟؟
    أي هل كل مزية عند المفضول يجب أن تكون عند الفاضل؟ فإن قال "لا" انفضّ النزاع, وإن قال "نعم" فاسأله أيهما أفضل أبو بكر أم عمر؟؟؟ فسيقول أبو بكر.. فاقول له هل عندكم أي دليل على أنه إذا سلك أبو بكر فجًا سلك الشيطان فجًا غيره؟؟؟ ومعلوم أن أبا بكر أفضل من عمر!!! بل إن الذي هو أفضل منهما وهو النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الشيطان ساوره في صلاته قال فخنقته حتى اندلق لسانه على يدي, فهذه مزية لعمر دون غيره. وكذلك قصة الخضر مع سيدنا موسى؟؟؟ وكذلك كانت الملائكة تستحي من سيدنا عثمان ولا تستحي من ابي بكر وعمر، والشواهد في ذلك كثيرة لا نريد أن نطيل بها.

    وهل أنت تعلم كل الذي حصل للصحابة من خصوصيات ؟؟؟؟ فمن المحتمل أن يكون حدث ذلك لهم وقاموا بإخفائه, ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم لا يصرحون بمزاياهم ويؤثرون عدم إظهارها , مثل عمران بن حصين رضي الله عنهما كان يرى الملائكة يقظة وكانت تسلم عليه ولم يخبر بذلك إلا عند وفاته, وقصته رواها مسلم في صحيحه.

    كما ان رؤيته صلى الله عليه وسلم في اليقظة حصلت لضمرة ابن ثعلبة وهو من الصحابة في الحديث المشهور وهو (أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أدع الله لي بالشهادة فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم حرم دم ابن ثعلبة على المشركين والكفار قال فكنت أحمل في عرض القوم فيتراءى لي النبي صلى الله عليه وسلم خلفهم فقيل ياابن ثعلبة إنك لتغرر تحمل على القوم فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم يتراءى لي خلفهم فأحمل عليهم حتى أقف عنده ثم يتراءى لي أصحابي فأحمل حتى أكون مع اصحابي قال فعمر زماناً طويلاً من دهره).
    [قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد رواه الطبراني واسناده حسن].


    اعتراضات أخر ى:
    1 / أن فيها مخالفة لنص القرآن ، بغير حجة شرعية ، حيث قال تعالى ، لنبيه صلى الله عليه وسلم {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}. الزمر /30/ ، {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}. آل عمران / 144/ {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} الإسراء /93/ {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} الكهف /110/.

    الرد : هذه المخالفة إنّما تحصُل لو قُلنَا أنّ الجَسَد الشّريف الَّذِي بالمدينة المُنَوَّرَة يخرج إلى حيث يَرَاهُ الولي ، بحيث يكون القبر الشّريف خاليًا ، فتكون رؤية الولي له صلى الله عليه وسلم رؤية حقيقيّة أي في عالم المُلك ، وهُنَا ستستوي رؤية الولي له صلى الله عليه وسلم ورؤية سائر النّاس ..
    أمَّا والكلام عَن رُؤيَة النبي صلى الله عليه وسلم في عالم المَلَكُوت ، بحيث يراه الولي أو الأولياء في المكان الَّذِي قد يكون فيه ناس ولا يرونه صلى الله عليه وسلم ، فَهُنَا خَرَجَت الرُّؤيَة عن عالم المُلك والحس والمادّة ، إلى ما وراء ذلك ..
    وهذه النُّقطَة لا يليق بالمعترضين إغفالهم إيَّاها .. فهل هُم يُؤمنون بأنّ سيّدنا موسى عليه السَّلام ما زال حيًّا أم أنّه قد توفّاه الله ؟
    فهم قائلون وبلا شك أنّه عليه السّلام قد توفَّاه الله ، فبعد هذا بماذا سيفسِّرون أنّ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه يُصَلِّي في قبره أثناء الإسراء والمعراج ، ثُمَّ يراهُ في السَّماء السّادسة ! ، ثم الصّلاة في بيت المقدس !!
    فإن نظرنا إلى (العلّة) في إرادتهم الاستدلال على عدم جواز رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة وهي أنّه قد توفَّاه الله ، فالعلّة قد حصلت هُنَا أعني في قصّة الإسراء والمعراج ، فإنّ سيّدنا موسى أيضًا قد توفَّاه الله .

    2 / أنه ينبني على القول بحضور النبي صلى الله عليه وسلم ، يقظة ، القول بالرجعة بعد الموت ، كما تزعم بعض الفرق الضالة.

    الرد : هذا يتّضح جوابه في قراءة الكلام السّابق ، فقول هؤلاء (الفرق الضّالّة) بالرّجعة ، إنّما هُوَ في عالم المُلكُ والحسّ والمشاهدة ، بحيث يراهم جميع النّاس سواسية ، ويعودوا إلى حاجتهم للأكل والشَّرب وتجري عليهم ما يجري من قوانين الطبيعة .. وهل كل هذا ينطبق على الرؤية في عالم المَلَكُوت ؟ حاشا وكلاّ .

    3 / نقول لمن يقول بحضوره يقظة: لو كان لديكم أدنى معرفة في علوم الحديث لعرفتم مدى سخف كلامكم ، لأن مضمونه بإجماع العلماء الذين عرّفوا الصحابي أن مشايخكم الذين تدعون أنهم التقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظةً قد أصبحوا صحابة ، وبناء على ذلك فإن الصحبة لن تنقطع إلى يوم القيامة!!
    الرد : هذا أجاب عنه الإمام ابن حجر الهيتمي بما قد وضّحناه سابقًا ، وهو أنّ شرط الصُّحبَة الرُّؤيَة في عالم المُلك .. وهنا تجدهم اختلفوا فيمن يرى النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته وقبل دفن جسده الشَّريف صلاة الله عليه وسلامه .
    أمّا لو كانوا يُسَوُّون بين الرُّؤية في عالم الملك وعالم الملكوت ، فيلزمهم أن ينفوا جواز رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، لأنّها ستلزم عدم انقطاع الصُّحبَة أيضًا !! وهم لا يقولون بهذا .

    من العرض السابق نرى أن رؤية الصالحين للنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة قد تحدث، ولا يوجد مانع عقلي أو شرعي يمنعها، ولكن هذا باب عزيز ليس مفتوحًا لكل أحد، وينبغي على من رآه أن لا يحدث من لا طاقة له بهذا حتى لا يكذب فمخاطبة الناس بما يعقلون أولى، والله تعالى أعلى وأعلم.


    وقد يقول احدهم رؤيته يقظة تعني دخوله في الصحابة . فنقول :
    1- لم يدعي الصحبة عاقل بل لم ينقل عن احد من السادات الكرام .
    2- ان القول ان اليقظة هي يوم القيامة كلام لايستقيم من جهة اللغة ونحن عرب ، فقوله صلى الله عليه وسلم (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ...) ، فنحن نعلم ان اليقظة و المنام لاتكون الا في الدنيا ، ويعلم هذا الصغار فما بالنا بغيرهم !!!! .
    3- ثم انه ليس من اسماء يوم القيامة ( اليقظة ) التي ذكرت في الكتاب والسنة ، فكيف يأول الحديث بها !!!!!! .
    4- واذا سلمنا لمعترضين انه يوم القيامة ، فاي خصوصية ترجى لمن رآه ، اذ ان الناس كلهم يرونه حتى الكفار ، وحديث الشفاعة يختصر علينا الموضوع ، ويجعل اقوالهم هباءا منثورا .
    5- ومن جهة اخرى ، فهذا الحديث لايعرف قيمته الا من راى ، فكيف يخوض فيه من ام يرى ؟!!!!!!! .
    وقد يقول المعترضون إن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة لم تنقل عن أحد من الصحابة , وهذه شهادة على النفي وهي مردودة عند الفقهاء فإنه لاحجة في عدم النقل بعدم الجواز .

    و هذا الزعم مردود أيضاً بما نقل عن الصحابي ضمرة ابن ثعلبة رضي الله عنه (أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أدع الله لي بالشهادة فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم حرم دم ابن ثعلبة على المشركين والكفار قال فكنت أحمل في عرض القوم فيتراءى لي النبي صلى الله عليه وسلم خلفهم فقيل ياابن ثعلبة إنك لتغرره تحمل على القوم فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم يتراءى لي خلفهم فأحمل عليهم حتى أقف عنده ثم يتراءى لي أصحابي فأحمل حتى أكون مع اصحابي قال فعمر زماناً طويلاً من دهره).[قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد رواه الطبراني واسناده حسن].

    ولو أننا أوردنا لك القصص والشواهد من السلف والخلف في مثل هذا الشأن لطال بنا المقال, ولكننا نكتفي بالنصوص وأقوال العلماء.

    من المعلوم شرعًا والثابت نصًا ثبوت رؤية هلال شهر رمضان تكون بثلاثة أشياء. أولها رؤية الجماعة المستفيضة للهلال, أو رؤية عدلين أو إكمال العدة بثلاثين يومًا, وقال الفقهاء في البلد الذي لا يتهم أهله برؤية الهلال يجب الصوم برؤية العدل الواحد. فإذا كان صوم المسلمين الذي هو ركن من أركان الدين الإسلامي يعتمد في ثبوته برؤية عدلين من المسلمين, وبرؤيتهما يجب الصوم على المسلمين إلزامًا. ومن لا يصوم برؤيتهما يكون آثمًا وعليه القضاء والكفارة
    إذا كان هذا في أهم وأساسيات العبادة التي يتأثرون بها تأثير مباشرًا فكيف يكون الحال في المناقب والكرامات ..
    أخيرًا أذكر بعض أسماء العلماء الذين أقروا برؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة ووقفنا على أقوالهم.
    "يقول الآلوسي رحمه الله تعالى في: "روح المعاني"(22/36) : " قد وقعت رؤيته صلى الله تعالى عليه وسلم بعد وفاته لغير واحد من الكاملين من هذه الأمة والأخذ منه يقظة "أ.هـ"
    قال الإمام الشعراني رحمه الله تعالى في الطبقات الصغري في ترجمة الشيخ شهاب الدين البلقيني :

    وكذلك بلغنا أنه كان يجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظة ويحادثه ، أي بجتمع به في حالة بين النائم واليقظان كما هو مقرر في تأويل كلام القوم اهـ صـ 61 ط. مكتبة الثقافة الدينية

    يقول ابن حجر الهيتمي : « أنكر ذلك جماعة وجوزه آخرون وهو الحق، فقد أخبر بذلك من لا يتهم من الصالحين، بل استدل بحديث البخاري (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة) أي بعيني رأسه، وقيل بعين قلبه.


    1. الحافظ جلال الدين السيوطي
    2. الحافظ ابن حجر الهيتمي
    3. الحافظ عبد الله بن أبي جمرة
    4. الحافظ القسطلاني
    5. الحافظ السبكي
    6. الحافظ البيهقي
    7. حجة الاسلام ابو حامد الغزالي
    8. الإمام المفسر القرطبي
    9. الإمام العز ابن عبد السلام
    10. الإمام البارازي
    11. الإمام ابن الحاج المالكي
    12. الإمام الحافظ اليافعي
    13. الإمام أبو بكر بن العربي المالكي



    فهل كذب كل اولئك العلماء في دعواهم ؟؟؟ وهل كذب سادتنا الاولياء الصوفية في قولهم برؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة ؟؟؟ ام صار الامام البخاري يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ؟؟؟

    Admin
    Admin

    المساهمات : 1128
    تاريخ التسجيل : 29/04/2015
    العمر : 50

    تفنيد حجج منكري رؤية النبي فى اليقظة

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يونيو 07, 2015 6:50 am


    الرد على من أنكر رؤية النبى صل الله عليه وسلم فى اليقظة :
    أنكر احد المعترضين رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة والف في ذلك كتابا وقال فيه . لايمكن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة وذلك لخمسة اسباب .
    الاول : الخلاف بين المهاجرين والانصار في سقيفة بني ساعدة ولم يروا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة ويفصل النزاع الذي نشب بينهم .
    الثاني : الخلاف بين أبي بكر الصديق والسيدة فاطمة رضي الله عنهما.
    الثالث : الخلاف بين علي وأصحابه وبين طلحة والزبير والسيدة عائشة.
    الرابع : الخلاف بين سيدنا علي كرم الله وجهه والخوارج.
    الخامس : الخلاف بين سيدنا علي ومعاوية رضي الله عنهما .

    الرد :
    اولاً : ان هذه الاسباب والادلة التي سماها خمسة هي في الحقيقة شيئ واحد يتكرر في صور مختلفة , وهي كون الخلاف قد وقع بين الصحابة ولم يرو النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة ليحل لهم الاشكال وليفض بينهم النزاع .

    ثانياً : لنسأل هذا المعترض سؤالا : الم تكن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في النوم جائزة عندكم وقد نصت عليها النصوص الصريحة الصحيحة ؟؟؟ سيجيب بقوله نعم جائزة .
    نقول له اذاً لماذا لم يظهر النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة في المنام ويفض بينهم الخلاف ويحل لهم الاشكال ؟؟؟؟ وهل هذا يدل على عدم جواز رؤيته صلى الله عليه وسلم في النوم ايضاً ؟؟؟؟
    فاذا بطلت رؤيته صلى الله عليه وسلم في اليقظة لهذه الاسباب اذا بطلت رؤيته في المنام لهذه الاسباب ايضاً ..
    ثالثاً : قد أجمعت الامة والعلماء على أن الالهام هوحق يكرم الله به أولياءه.
    فلماذا لم يلهم الله الصحابة رضوان الله عليهم الحق ويدلهم عليه ويفض بينهم النزاع ؟؟؟ اليس الصحابة أهل للاهام واحق به من غيرهم ؟؟؟ وهل هذا يدل على عدم وجود الالهام الصادق من الله تعالى للاولياء ؟؟ اذن عدم وقوعها لا يعني عدمها بالكلية .

    رابعاً : لنا أن نقول في رد الادلة الخمس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بهذه الفتن وعين أهل الحق فيها من غيرهم وذلك في حياته صلى الله عليه وسلم , فلا معنى حينئذ للقول لم لم يروه يقظة بعد وفاته ليخبرهم بما اخبرهم به في حياته .
    ففي حديث الزهري عن ابي إدريس الخولاني سمعت حذيفة بن اليمان يقول (والله إني لاعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة وماذاك أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني من ذلك شيئاً أسره إلي لم يكن حدث به غيري ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يحدث مجلساً انا فيه سئل عن الفتن وهو فيهن ثلاث لاتذوق شيئاً منهن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار قال حذيفة فذهب أولئك الرهط كلهم غيري). رواه مسلم . والامام احمد .
    عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً فما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك الي قيام الساعة الا حدثه حفظه منا من حفظه ونسيه من نسيه قد علمه اصحابه هؤلاء وإنه ليكون منه الشيئ فاذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا راه عرفه) رواه البخاري ومسلم .
    اذن لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم فتنة من الفتن الي قيام الساعة الا وتحدث عنها و بينها وهذا واضح في الاحاديث . وعلى الناس فقط الرجوع الي السنة, وهو القائل تركتكم على المحجة البيضاء .
    فكيف يطلب المعترض مجيئه صلى الله عليه وسلم في اليقظة ليكرر مافعله مرة اخرى , وهل كان مجيئه صلى الله عليه وسلم واجب ؟؟؟ ومن الذي أوجب عليه ذلك ؟؟؟ وأين هو النص في ذلك ؟؟؟ .

    قال المنكر: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يُرى في الدنيا لماذا لم يره الصحابة ورآه شيوخكم؟.
    فأقول له هل المزية تقتضي الأفضلية؟؟؟
    أي هل كل مزية عند المفضول يجب أن تكون عند الفاضل؟ فإن قال "لا" انفضّ النزاع, وإن قال "نعم" فاسأله أيهما أفضل أبو بكر أم عمر؟؟؟ فسيقول أبو بكر.. فاقول له هل عندكم أي دليل على أنه إذا سلك أبو بكر فجًا سلك الشيطان فجًا غيره؟؟؟ ومعلوم أن أبا بكر أفضل من عمر!!! بل إن الذي هو أفضل منهما وهو النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الشيطان ساوره في صلاته قال فخنقته حتى اندلق لسانه على يدي, فهذه مزية لعمر دون غيره. وكذلك قصة الخضر مع سيدنا موسى؟؟؟ وكذلك كانت الملائكة تستحي من سيدنا عثمان ولا تستحي من ابي بكر وعمر، والشواهد في ذلك كثيرة لا نريد أن نطيل بها.

    وهل أنت تعلم كل الذي حصل للصحابة من خصوصيات ؟؟؟؟ فمن المحتمل أن يكون حدث ذلك لهم وقاموا بإخفائه, ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم لا يصرحون بمزاياهم ويؤثرون عدم إظهارها , مثل عمران بن حصين رضي الله عنهما كان يرى الملائكة يقظة وكانت تسلم عليه ولم يخبر بذلك إلا عند وفاته, وقصته رواها مسلم في صحيحه.

    كما ان رؤيته صلى الله عليه وسلم في اليقظة حصلت لضمرة ابن ثعلبة وهو من الصحابة في الحديث المشهور وهو (أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أدع الله لي بالشهادة فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم حرم دم ابن ثعلبة على المشركين والكفار قال فكنت أحمل في عرض القوم فيتراءى لي النبي صلى الله عليه وسلم خلفهم فقيل ياابن ثعلبة إنك لتغرر تحمل على القوم فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم يتراءى لي خلفهم فأحمل عليهم حتى أقف عنده ثم يتراءى لي أصحابي فأحمل حتى أكون مع اصحابي قال فعمر زماناً طويلاً من دهره).
    [قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد رواه الطبراني واسناده حسن].


    اعتراضات أخر ى:
    1 / أن فيها مخالفة لنص القرآن ، بغير حجة شرعية ، حيث قال تعالى ، لنبيه صلى الله عليه وسلم {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}. الزمر /30/ ، {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}. آل عمران / 144/ {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} الإسراء /93/ {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} الكهف /110/.

    الرد : هذه المخالفة إنّما تحصُل لو قُلنَا أنّ الجَسَد الشّريف الَّذِي بالمدينة المُنَوَّرَة يخرج إلى حيث يَرَاهُ الولي ، بحيث يكون القبر الشّريف خاليًا ، فتكون رؤية الولي له صلى الله عليه وسلم رؤية حقيقيّة أي في عالم المُلك ، وهُنَا ستستوي رؤية الولي له صلى الله عليه وسلم ورؤية سائر النّاس ..
    أمَّا والكلام عَن رُؤيَة النبي صلى الله عليه وسلم في عالم المَلَكُوت ، بحيث يراه الولي أو الأولياء في المكان الَّذِي قد يكون فيه ناس ولا يرونه صلى الله عليه وسلم ، فَهُنَا خَرَجَت الرُّؤيَة عن عالم المُلك والحس والمادّة ، إلى ما وراء ذلك ..
    وهذه النُّقطَة لا يليق بالمعترضين إغفالهم إيَّاها .. فهل هُم يُؤمنون بأنّ سيّدنا موسى عليه السَّلام ما زال حيًّا أم أنّه قد توفّاه الله ؟
    فهم قائلون وبلا شك أنّه عليه السّلام قد توفَّاه الله ، فبعد هذا بماذا سيفسِّرون أنّ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه يُصَلِّي في قبره أثناء الإسراء والمعراج ، ثُمَّ يراهُ في السَّماء السّادسة ! ، ثم الصّلاة في بيت المقدس !!
    فإن نظرنا إلى (العلّة) في إرادتهم الاستدلال على عدم جواز رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة وهي أنّه قد توفَّاه الله ، فالعلّة قد حصلت هُنَا أعني في قصّة الإسراء والمعراج ، فإنّ سيّدنا موسى أيضًا قد توفَّاه الله .

    2 / أنه ينبني على القول بحضور النبي صلى الله عليه وسلم ، يقظة ، القول بالرجعة بعد الموت ، كما تزعم بعض الفرق الضالة.

    الرد : هذا يتّضح جوابه في قراءة الكلام السّابق ، فقول هؤلاء (الفرق الضّالّة) بالرّجعة ، إنّما هُوَ في عالم المُلكُ والحسّ والمشاهدة ، بحيث يراهم جميع النّاس سواسية ، ويعودوا إلى حاجتهم للأكل والشَّرب وتجري عليهم ما يجري من قوانين الطبيعة .. وهل كل هذا ينطبق على الرؤية في عالم المَلَكُوت ؟ حاشا وكلاّ .

    3 / نقول لمن يقول بحضوره يقظة: لو كان لديكم أدنى معرفة في علوم الحديث لعرفتم مدى سخف كلامكم ، لأن مضمونه بإجماع العلماء الذين عرّفوا الصحابي أن مشايخكم الذين تدعون أنهم التقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظةً قد أصبحوا صحابة ، وبناء على ذلك فإن الصحبة لن تنقطع إلى يوم القيامة!!
    الرد : هذا أجاب عنه الإمام ابن حجر الهيتمي بما قد وضّحناه سابقًا ، وهو أنّ شرط الصُّحبَة الرُّؤيَة في عالم المُلك .. وهنا تجدهم اختلفوا فيمن يرى النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته وقبل دفن جسده الشَّريف صلاة الله عليه وسلامه .
    أمّا لو كانوا يُسَوُّون بين الرُّؤية في عالم الملك وعالم الملكوت ، فيلزمهم أن ينفوا جواز رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، لأنّها ستلزم عدم انقطاع الصُّحبَة أيضًا !! وهم لا يقولون بهذا .
    من العرض السابق نرى أن رؤية الصالحين للنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة قد تحدث، ولا يوجد مانع عقلي أو شرعي يمنعها، ولكن هذا باب عزيز ليس مفتوحًا لكل أحد، وينبغي على من رآه أن لا يحدث من لا طاقة له بهذا حتى لا يكذب فمخاطبة الناس بما يعقلون أولى، والله تعالى أعلى وأعلم.

    وقد يقول احدهم رؤيته يقظة تعني دخوله في الصحابة . فنقول :
    1- لم يدعي الصحبة عاقل بل لم ينقل عن احد من السادات الكرام .
    2- ان القول ان اليقظة هي يوم القيامة كلام لايستقيم من جهة اللغة ونحن عرب ، فقوله صلى الله عليه وسلم (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ...) ، فنحن نعلم ان اليقظة و المنام لاتكون الا في الدنيا ، ويعلم هذا الصغار فما بالنا بغيرهم !!!! .
    3- ثم انه ليس من اسماء يوم القيامة ( اليقظة ) التي ذكرت في الكتاب والسنة ، فكيف يأول الحديث بها !!!!!! .
    4- واذا سلمنا لمعترضين انه يوم القيامة ، فاي خصوصية ترجى لمن رآه ، اذ ان الناس كلهم يرونه حتى الكفار ، وحديث الشفاعة يختصر علينا الموضوع ، ويجعل اقوالهم هباءا منثورا .
    5- ومن جهة اخرى ، فهذا الحديث لايعرف قيمته الا من راى ، فكيف يخوض فيه من ام يرى ؟!!!!!!! .
    وقد يقول المعترضون إن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة لم تنقل عن أحد من الصحابة , وهذه شهادة على النفي وهي مردودة عند الفقهاء فإنه لاحجة في عدم النقل بعدم الجواز .

    و هذا الزعم مردود أيضاً بما نقل عن الصحابي ضمرة ابن ثعلبة رضي الله عنه (أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أدع الله لي بالشهادة فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم حرم دم ابن ثعلبة على المشركين والكفار قال فكنت أحمل في عرض القوم فيتراءى لي النبي صلى الله عليه وسلم خلفهم فقيل ياابن ثعلبة إنك لتغرره تحمل على القوم فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم يتراءى لي خلفهم فأحمل عليهم حتى أقف عنده ثم يتراءى لي أصحابي فأحمل حتى أكون مع اصحابي قال فعمر زماناً طويلاً من دهره).[قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد رواه الطبراني واسناده حسن].

    ولو أننا أوردنا لك القصص والشواهد من السلف والخلف في مثل هذا الشأن لطال بنا المقال, ولكننا نكتفي بالنصوص وأقوال العلماء.

    من المعلوم شرعًا والثابت نصًا ثبوت رؤية هلال شهر رمضان تكون بثلاثة أشياء. أولها رؤية الجماعة المستفيضة للهلال, أو رؤية عدلين أو إكمال العدة بثلاثين يومًا, وقال الفقهاء في البلد الذي لا يتهم أهله برؤية الهلال يجب الصوم برؤية العدل الواحد. فإذا كان صوم المسلمين الذي هو ركن من أركان الدين الإسلامي يعتمد في ثبوته برؤية عدلين من المسلمين, وبرؤيتهما يجب الصوم على المسلمين إلزامًا. ومن لا يصوم برؤيتهما يكون آثمًا وعليه القضاء والكفارة
    إذا كان هذا في أهم وأساسيات العبادة التي يتأثرون بها تأثير مباشرًا فكيف يكون الحال في المناقب والكرامات ..
    أخيرًا أذكر بعض أسماء العلماء الذين أقروا برؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة ووقفنا على أقوالهم.
    "يقول الآلوسي رحمه الله تعالى في: "روح المعاني"(22/36) : " قد وقعت رؤيته صلى الله تعالى عليه وسلم بعد وفاته لغير واحد من الكاملين من هذه الأمة والأخذ منه يقظة "أ.هـ"
    قال الإمام الشعراني رحمه الله تعالى في الطبقات الصغري في ترجمة الشيخ شهاب الدين البلقيني :
    وكذلك بلغنا أنه كان يجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظة ويحادثه ، أي بجتمع به في حالة بين النائم واليقظان كما هو مقرر في تأويل كلام القوم اهـ صـ 61 ط. مكتبة الثقافة الدينية
    يقول ابن حجر الهيتمي : « أنكر ذلك جماعة وجوزه آخرون وهو الحق، فقد أخبر بذلك من لا يتهم من الصالحين، بل استدل بحديث البخاري (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة) أي بعيني رأسه، وقيل بعين قلبه.
    كلمة فسيراني : تستخدم في اللغة العربية (للقــريــب) عكس كلمة : (فـسـوف يراني) فإنها تستخدم (للبعيد)، الرسول صلي الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى فهو منصور من الله تعالي لذلك كل كلمة تخرج من فيه الرسول عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم لابد وان تكون كلمة قوية لا لبس فيها ولا ادني مجال للشك .. فان كان المقصود من الرؤية رؤيته عليه السلام يوم القيامة لقال: (فسـوف يراني).



    - : ذكر الحافظ بن حجر في الفـتـح : أن الحديث قد روى بثلاثة ألفاظ (فسيراني في اليقظة - فكأنما رآني في اليقظة - فقد رآني) وذكـــــــر أن لأهــــــل العــــــلم في المســألة ستة أقوال أحدها(أنه يــراه في الدنــيــــــــا حـقـيـقــة ويـخــاطـــبــه)) أهـ

    وقال الحافظ بن حجر في الفتح أيــضــاً: ((وكذلك من كشـــف - بضم الكاف - لــــــه عنه من ألأولياء فرآه كذلك علي طريق الكرامة)) اهـ 7/ 4

    *: قال ابن القيم رحمه الله في رده علي من حاول التشكيك برواية (فسيراني) في كتابه تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته ما نصـــــه :-
    (( ولم يشك البخاري منه بل قال :
    من رآني في المنام فسيراني في اليقظة )) أهـ


    هذه المكرمة الربانية الكبيرة والدرجة العالية الالتقاء بالرسول صلي الله عليه وسلم يقظة في الدنيا للخواص الذين اصطفاهم الله تعالي من الأولياء الاتقياء .. قال تعالي( : قل الحمد للـــــــه وسلام علي عباده الذين اصطفي ) 59 النمل.
    المصطفين : منهم الأنبياء عليهم السلام ومنهم الأولياء : مثال ذلك العبدين الصالحين في سورة الكهف والعبد الصالح في سورة النمل.
    ومثال الالتقاء بالرسول صلي الله عليه وسلم يقظة: التقاء الرسول صلي الله عليه وسلم بالانبياء عليهم السلام يقظة في المسجد الاقصي و الائتمام بهم في الصلاة المشهـــــورة عند الاسراء به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى .. حيث الذي جعله يلتقيهم يقظـة يستطيع أن يجمعك به يقظة ( كرامة وخرقا للعادة والنواميس ) والله علي كل شيء قدير ..
    ولقد ذكرنا بحثا متكاملا عن جواز رؤية النبى صل الله عليه وسلم فى اليقظة
    وكلام العلماء والحفاظ فى ذلك


    Admin
    Admin

    المساهمات : 1128
    تاريخ التسجيل : 29/04/2015
    العمر : 50

    هل يمكن رؤية النبي صل الله عليه وسلم في اليقظة ؟

    مُساهمة من طرف Admin في الإثنين يونيو 22, 2015 3:11 pm

    * هذه الفتوى ننشرها باسم الفقيه الذي أفتى بها في كتبه القديمة لغرض إفادة الباحثين من هذا العمل الموسوعي، ولا تعبر بالضرورة عن ما تعتمده دائرة الإفتاء.
    اسم المفتي : سماحة الدكتور نوح علي سلمان رحمه الله (المتوفى سنة 1432هـ)
    الموضوع : هل يمكن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة
    رقم الفتوى : 2593
    التاريخ : 02-08-2012
    التصنيف : النبوات
    نوع الفتوى : من موسوعة الفقهاء السابقين

    السؤال :

    هل يمكن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة؟


    الجواب :

    هذا أمر لم تجرِ به العادة ولا يُستبعد أن يحصل هذا لبعض الأولياء كرامةً لهم من الله تعالى، لأنَّ الكرامة كما عرّفها العلماء: أمرٌ خارق للعادة، فلو ادَّعى شخص أنَّه رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم في اليقظة لا ننكر عليه ذلك إن كان ظاهر الصلاح، ولكن إذا قال أنه رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقظةً أو مناماً فأمره بكذا أو نهاه عن كذا ويريد بذلك أن يزيد في أحكام الشريعة لا نقبل منه، لأن الله تبارك وتعالى أتمَّ لنا الدين ولا مجال لزيادة فيه ولا نقص، وقد قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) المائدة/3، فإذا احتجَّ بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي) رواه البخاري، نقول له: النائم لا يصلح للتَّلقِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن من شرط التلقِّي في رواية الحديث اليقظة، كما أن الشكَّ يتطرَّق إلى من يريد تغيير أحكام الدين برؤيا في المنام، ولو فُتِح هذا الباب لتلاعب الناس بالإسلام، ولهذا اتَّفق العلماء على أن الاحتجاج بالرؤيا باطل، إذا صادم نصّاً من القرآن أو السنة.
    "فتاوى الشيخ نوح علي سلمان" (فتاوى الحياة العامّة / فتوى رقم/68)

    Admin
    Admin

    المساهمات : 1128
    تاريخ التسجيل : 29/04/2015
    العمر : 50

    الدكتور علي جمعة ورؤية النبي في اليقظة

    مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء يونيو 23, 2015 2:42 pm



    فضيلة العلامة الدكتورعلي جمعة
    مفتي الديار المصرية الأسبق

    س 3 هل يمكن فعلا رؤية النبي صلى الله عليه وسلم أثناء اليقظة وما حقيقة الامر ؟




    الجواب : عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة ليست من المسائل التشريعية التي يترتب عليها زيادة في الدين . او نقص فيه . وانما هي مسألة واقعية يتحمل مسئوليتها من ادعى ذلك . وهي من قبيل المبشرات ومن قبيل الكرامة . وهذه الرؤية لا تتنافى مع كونه صلى الله عليه وسلم انتقل من حياتنا هذه. ولا يلزم منها دعوى الصحبة . ولا يترتب عليها أي شيء .

    إذا عرفنا ذلك ننظر هل هذه الدعوى مستحيلة عقلا او لا ؟ فالمستحيل العقلي هو وجود أي ذات في مكانين في وقت واحد ودعوى رؤيته صلى الله عليه وسلم لايلزم منها وجوده في مكانين في وقت واحد : اذ مكانه صلى الله عليه وسلم روضته الشريفة يحيا فيها صلى الله عليه وسلم يصلي لربه ويانس به كما أن الانبياء جمعيهم احياء في قبورهم فعن أنس رضي الله عنه قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الانبياء أحياء في قبورهم يصلون " اخرجه ابو يعلي في مسنده والديلمي في الفردوس وذكره ابوبكر الهيثمي في مجمع الزوائد. ويؤكد " قوله صلى الله عليه وسلم مررت على موسى ليلة اسري بي عند الكثيب الاحمر وهو قائم يصلي في قبره " اخرجه احمد في المسند ومسلم والنسائي وابن حبان . ورؤيته صلى الله عليه وسلم لاتعد الا ان تكون انكشافا لولي عن حاله الذي هو في قره صلى الله عليه وسلم يقظة . وهذا لا ينكره العقل . ويؤيده النقل فقد ثبت عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه كان يخطب فكشف الله له عن حال سارية كرامة له رضي الله عنه وهو ببلاد نهاوند بفارس وناداه قائلا " يا سارية الجبل وسمع سارية النداء " رواه الطبراني في تاريخه وابن عبدالبر في الاستيعاب وذكره ابن حجر في الاصابة. وطالما جاز وقوعه لغير النبي صلى الله عليه وسلم فلا يقتصر على عمر بن الخطاب رضي الله عنه او حتى الصحابة وحدهم . وكذلك المرئي فقد يكون سارية او غيره .

    وقد تكون الرؤية رؤية صورة النبي صلى الله عليه وسلم الحقيقية بمعنى ان النبي صلى الله عليه وسلم في مكانه في روضته الشريفة ز والرائى رأى صورته الشريفة وتسمة صورة من عالم المثال . وذلك ينتج من كثرة المحبة والتفكير في شخصه الشريف صلى الله عليه وسلم فالانسان قد تتعدد صورته بتعدد الاسطح العاكسة كالمرايا وغيرها.

    وقد ورد النص النبوي الذي يؤكد إمكانية وقوع رؤية النبي صلى الله عليه وسلم بقظة ز فعن ابي هريرة قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول " من راني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي " أخرجه البخاري في صحيحة وابو داود في سننه . فعبارة النبي صلى الله عليه وسلمفسيراني في اليقظة تدل على إمكان رؤيته له في حياته . وتخصيص اليقظة بعيد . لامرين الاول ان امته صلى الله عليه وسلم ستراه يوم القيامه من راه في المنام ومن لم يره . الثاني ان الحديث لم يقيد بيوم القيامة . وهذا التخصيص بغير مخصص تحكم ومعاندة.

    ولقد ثارت هذه المسالة في زمن العلامة السيوطي فصبف كتابا خاصا وسماه " تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك" وقال في مقدمته : فقد كثر السؤال عن رؤية ارباب الاحوال للنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة وان طائفة من اهل العصر ممن لا قدم لهم في العلم بالغوا في انكار ذلك والتعجب منه . وادعوا أنه مستحيل . فألفت هذه الكراسة في ذلك وسميتها : " تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك ". ولقد ساق في تلك الرسالة الادلة والبراهين على جواز وإمكان رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة وكذلك سماع صوته صلى الله عليه وسلم والملائكة

    يقول ابن حجر الهيتمي : " انكر ذلك جماعة وجوزه اخرون وهو الحق. فقد اخبر بذلك من لا يهتم من الصالحين بل استدل بحديث البخاري ( من راني في المنام فسيراني في اليقظة )
    أي بعيني رأسه . وقيل بعين قلبه


    واحتمال إرادة القيامة بعيد من لفظ اليقظة . على انه لا فائدة في التقييد حينئذ ! لان أمته كلهم يرونه يوم القيامة من راه في المنام ومن لم يره في المنام. وفي شرح أبن أبي جمرة للاحاديث التي أنتقاها من البخاري ترجيح بقاء الحديث على عمومه في حياته ومماته لمن له اهلية الاتباع للسنة ولغيره . قال : ومن يدعي الخصوص بغير تخصيص منه صلى الله عليه وسلم فقد تعسف . ثم ألزم منكر ذلك بأنه غير مصدق بقول الصالدق وبانه جاهل بقدرة القادر وبانه منكر لكرامات الاولياء مع ثبوتها بدلائل السنة الواضحة "الفتاوي الحديثة لابن حجر الهيتمي .

    ويقول العلامة النفراوي المالكي : " يجوز رؤيته عليه الصلاة والسلام في اليقظة والمنام باتفاق الحفاظ . وإنما اختلفوا هل يرى الرائي الذات الشريفة حقيقة او يرى مثالا يحكيها فذهب الى الاول جماعة وذهب الى الثاني : الغزالي والقرافي واليافعي وأخرون واحتج الاولون بأنه سراج الهداية ونور الهدى وشمس المعارف كما يرى النور والسراج والشمس من بعد والمرئي جرم الشمس بأعراضه فكذلك البدن الشريف فلا تفارق ذاته القبر الشريف بل يخرق الله الحجب للرائي ويزيل الموانع حتى يراه كل راء ولو من المشرق والمغرب او تجعل الحجب شفافة لا تحجب ما وراءها . والذي جزم به القرافي ان رؤياه مناما إدراك بجزء لم تحله أفة النوم من القلب فهو بعين البصيرة لا بعين البصر بدليل أنه قد يراه الاعمى . وقد حكى أبن أبي جمرة وجماعة أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يقظة. وروي : " من راني مناما فسيراني يقظة ". ومنكر ذلك محروم لانه إن كان ممكن يكذب بكرامات الاولياء . فالبحث معه ساقط لتكذيبه مما أثبتته السنة أشار إالى جميع ذلك شيخ مشايخنا اللقاني في شرح جوهرة التوحيد " الفواكه الدوائي للنفراوي.


    وقال ابن الحاج في المدخل :" بل بعضهم يدعى رؤيته عليه الصلاة والسلام وهو في اليقظة وهذا باب ضيق وقال من يقع له ذلك الامر الا من كان على صفة عزيز وجودها في هذا الزمان بل عدمت غالبا مع انا لا ننكر من يقع له هذا من الاكابر الذين حفظهم الله تعال في ظواهرهم وبواطنهم " المدخل لابن الحاج .0

    بل إن الشيخ عليش تكلم عن أن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم من أسباب تأييد أراء العلماء المجتهدين فقال : " وسمعت سيدي عليا الخواص يقول لايصح خروج شيء من أقوال الائمة المجتهدين عن الشريعة أبدا عند أهل الكشف قاطبة وكيف يصح خروجهم عن الشريعة مع أطلاعهم على مواد أقوالهم في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ومع أجتماع روح أحدهم بروح رسول الله صلى الله عليه وسلم وسؤاله عن كل شيء توقفوا فيه من الادلة : هل هذا من قولك يا رسول الله أم لا ؟ يقظة ومافهة وكذلك كانوا يسألونه صلى الله عليه وسلم عن كل شيء من الكتاب والسنة قبل أن يدونوه في كتبهم ويدينوا الله تعال به ويقولون يا رسول الله قد فهمنا كذا من اية كذا وفهمنا كذا من قولك في الحديث الفلاني كذا فهل ترضاه ام لا ويعملون بمقتضى قوله وإشارته صلى الله عليه وسلم ومن توقف فيما ذكرناه من كشف الائمة ومن أجتماعهم برسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث الارواح قلنا له هذا من جملة كرامات الاولياء بيقين " فتح العلي المالك للشيخ عليش 0

    من العرض السابق ترى أن رؤية الصالحين للنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة قد تحدث ولا يوجد مانع عقلي أو شرعي يمنعها ولكن هذا باب عزيز ليس مقتوحا لكل أحد ونبغي على من رأه أن لا يحدث من لا طاقة له بهذا حتى لا يكذب فمخاطبة الناس بما يعقلون أولى . والله تعال أعلى وأعلم 0

    Admin
    Admin

    المساهمات : 1128
    تاريخ التسجيل : 29/04/2015
    العمر : 50

    دكتور محمود أحمد الزين ورؤية النبي فى اليقظة

    مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء يونيو 23, 2015 2:46 pm

    رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم في اليقظة
    بقلم الدكتور محمود أحمد الزين رحمه الله
    (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة )
    بسم الله الرحمن الرحيم
    له الحمد وبه المستعان وعلى حبيبه سيدنا محمد وأحبابه أفضل الصلاة والسلام
    السؤال : كنت في مجلس وجرى فيه الحوار عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة حيث ذكر أحد الحاضرين أن شيخه يرى النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة فاختلف الحاضرون وطال الحوار ، ولم يصل الحاضرون إلى جواب ، أحببت أن أرسل إليكم هذا لعلي أسمع من الجواب مايقنعني وينفعني إن شاء الله

    الجواب : بقلم الدكتور محمود الزين

    أخي السائل هذه المسألة لها جوانب متعددة يختلف الجواب بحسب الجانب الذي يراد الحديث عنه
    هل السؤال عن موقف الشرع وثبوت إمكان هذه الرؤية في أدلة الشريعة ؟ أو السؤال عن المراد بهذه الرؤية ومتى تكون ؟ أو السؤال عمن يكون مؤهلاً لهذه الرؤية إن كانت ممكنة شرعاً ؟ فقد سمعنا أن بعض الشيوخ كان يقول للحاضرين عنده وهو يشير إلى مكان معين : لاتجلسوا هنا فهذا المكان يجلس فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، بينما كان غير هذا الشيخ يقول : إن هذه الرؤية مجرد تركيز التخيل على صورة يتخيلها صاحبها على الوصف النبوي الذي جاء في كتب الشمائل المحمدية على صاحبها أكمل الصلاة والسلام ، أو هي تركيز على تخيل صورة النبي صلى الله عليه وسلم كما رآها هذا الإنسان في منامه قبل ذلك ، وليس هناك رؤية حقيقية تكون في اليقظة تشبه مايراه الإنسان في منامه
    ولعل الله تعالى ييسر الإجابة المفصلة بعض الشيء عن هذه الجوانب كلها بفضله ، وأرجو أن يكون ذلك بياناً للحقيقة لايراد منه جدل ورد على جدل ، والله تعالى هو الموفق للصواب بفضله
    وبعد
    فإن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة جاء فيها حديث في صحيح البخاري في باب مَنْ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ ) فاختلف العلماء فيه من حيث ترجيح اللفظ الأثبت و اختلفوا في معناه ولاسيما الخلاف في معنى الرواية التي تقول من رآني في المنام فسيراني في اليقظة .
    ومعرفة إمكانية الرؤية شرعاً لاتتوقف على هذا الحديث ، وإن كان يمكن تقوية ثبوتها به ،
    وبيان ذلك هو أنه ثبت بالأحاديث الصحيحة القريبة من التواتر – إن لم تكن متواترة حقيقة - إمكان رؤية الأرواح مجردة عن أجسادها كما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء ثم في المعراج وأنها رؤيت في صورة تشبه صورة أجسادها التي كانت عليها في الدنيا – وهذا بغض النظر عن شخص الرائي صلى الله عليه وسلم بل بالنظر إلى إمكان حصول الرؤية في نفسها – وهو من معجزاته صلى الله عليه وسلم المشهور ثبوتها .
    ثم قد علم أن مذهب أهل السنة والجماعة في كرامات الأولياء هو أن كل ماصح أن يكون معجزة لنبي صح أن يكون كرامة لولي إلا أن يقوم دليل على الخصوصية ، ذكر ذلك جماعة من الأئمة كالنووي في شرح مسلم ، وذلك لإن الكرامة والمعجزة كلاهما أمر خارق للعادة ، وكلاهما يكون بفضل الله عزوجل ، والفارق بينهما ليس في إمكان الوقوع وإنما الفارق في كون المعجزة للتحدي وإثبات النبوة ، والكرامة ليست لذلك ، إنما هي تفضل وإكرام لمن أجراها الله على يده ، والكرامات الكثيرة التي ثبتت في القرآن والسنة للأولياء ليس لها ضابط إلا إمكان الوقوع بقدرة الله تعالى مع افتراق طبيعة كل نوع منها عن غيره كرؤية السيدة مريم لجبريل وكلامها معه ، وكإحضار الذي عنده علم من الكتاب عرش بلقيس بلمح البصر ، وغير ذلك .
    وبناء على ثبوت رؤية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم للأنبياء في الإسراء وفي المعراج وهي معجزة له يقال : إنه يصح أن ترى الأرواح كلها يقظة لأي ولي بطريق خرق العادة إكراماً من الله تعالى ، والقول بأن كل الأرواح يمكن أن ترى يقظة مبني على أن مارؤي منها في الإسراء والمعراج لم تكن رؤيته لخصوصية له فيكون ذلك عاماً
    والقول بأن ماصح أن يكون معجزة لنبي صح أن يكون كرامة لولي مبني على أدلة قوية ، وذلك أن البحث في وقوع أي أمر يحتاج على دليلين : الأول : الإمكان عقلاً أي ألا يكون ممتنعاً عقلاً ، وهو ماليس فيه تناقض كالقول بأن هذا الشيء المعين مضيء مظلم في آن واحد من جهة واحدة لإن الظلمة معنى ينفي النور والنور معنى ينفي الظلمة ، ولذلك يقال في تعريف المستحيل عقلاً إنه مالا يتصور في العقل وجوده أو هو ماكان تعريفه متناقضاً ، فالإنسان لايمكنه أن يتخيل النور والظلمة في شيء واحد ولو مجرد تخيل .
    ومعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء كلها من هذا القبيل ، والمستحيل عقلاً لايمكن وقوعه حتى في الخيال ، وإحياء الموتى ثبت في القرآن الكريم لسيدنا عيسى عليه السلام ، وهذا هو جانب إثبات الوقوع ، وإحياء الموتى من أعظم المعجزات ، ولكن عدم الرواية بوقوعه لغيره لايدل على أنه ممتنع وقوعه من غيره ، فهناك فرق بين مايمكن وقوعه ومالم يثبت وقوعه ، ولم تأت روايات صحيحة السند عند المحدثين أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم أحيى الموتى وهو أقرب إلى الله من سيدنا عيسى عليه السلام وأعلى منزلة عنده ، و لكن الإمام الشافعي رضي الله عنه كان يقول : ما أعطي نبي معجزة إلا أعطي نبينا صلى الله عليه وسلم من جنسها ماهو أعظم منها فلما سئل عن إحياء سيدنا عيسى الموتى قال : حنين جذع النخلة في هذا الباب أقوى )
    فإحياء الموتى هو رد الحياة لشيء من شأنه الحياة ، أما حنين الجذع فهو منح الحياة – الشبيهة – بحياة الإنسان لشيء ليست الحياة الإنسانية من شأنه ، وقد روى بعض العلماء عن عدد من الصالحين من أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا هذه معجزات لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وكل كرامة لولي هي معجزة لنبيه لإنه نالها باتباعه له فيكون ماحصل من هؤلاء الصالحين معجزات لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو في نفس الوقت مؤيد يقوي ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من إحياء الموتى بأسانيد غير قوية
    فالمعجزة تحتاج إلى الإمكان العقلي وإلى الثبوت النقلي ، وكذلك الكرامة إلا أن الفرق هو دعوى النبوة في الأولى دون الثانية ، ومعجزات الأنبياء الثابتة يجب الايمان بكل منها في نفسه ، أما كرامات الأولياء فالواجب الايمان بها إجمالاً لا الايمان بكل واحدة منها إلا التي ثبتت في القرآن الكريم والحديث الشريف
    وفيما يتعلق برؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة يقال : إنه ممكن شرعاً وعقلاً
    أما العقل فقد تقدم بيانه ، وأما الشرع فقاعدة (( ماصح أن يكون معجزة لنبي صح أن يكون كرامة لولي )) وعلى ذلك اعتمد ابن أبي جمرة في شرح مختصر البخاري كما نقل ابن حجر 16/191 ثم إن النقل الشرعي في حديث البخاري مثبت للوقوع كقاعدة لكل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب ( التعبير ) : (( من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولايتمثل الشيطان بي )) وذكر البخاري بعد هذه الرواية مباشرة رواية أخرى عن أنس رضي الله عنه : (( من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لايتخيل بي ، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)) .
    وقد تناول ابن حجر رحمه الله هذا الحديث بشرح مفصل ونقل متعدد لآراء العلماء 16/188 وما بعدها من فتح الباري وذكر وجوهاً سبعة عن العلماء في معناه ، وإذا كان إبداء هذه الأقوال وعرضها أمراً مشروعاً مع مافي بعضها من التأويل البعيد فلا شك أن ذكر القول الموافق لظاهر الحديث مع إثبات عدم الحاجة إلى تأويله أكثر مشروعية وأحق ذكراً ، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله عند ذكر دليله .
    الوجه الأول :
    (( أن المراد بالرواية الأولى التشبيه كما في الرواية الثانية )) وكأن مرادهم بذلك أنه من رآه صلى الله عليه وسلم مناماً في الدنيا فسيراه في الآخرة كذلك لإن الشيطان لايتمثل به ، وهذا التأويل خلاف الظاهر ، وإنما دعا قائل هذا إلى مخالفة الظاهر أنه استبعد أن ترى روح النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن متعددة بآن واحد إذا تعدد الراؤون - وهذا افتراض مجرد لايصلح أن يكون دافعاً للمعنى الظاهر محوجاً للتأويل – ولو سلم لكان الممتنع هو اتحاد وقت رؤية الجميع لا امتناع الرؤية أصلاً .
    ولأن رؤيتهم له إنما تكون بأن يقوي الله الرؤية في أرواحهم فيرونه صلى الله عليه وسلم حيث كان ، ولقوة هذه الرؤية يشعرون أنه في مكانهم الذي هم فيه أو هم في مكانه ، ثم مستند المنع غير صحيح بعد ثبوت الإمكان عقلاً وشرعاً .
    الوجه الثاني
    (( أنه سيراه أي يرى تأويل رؤياه ))
    وهذا لايصح لإن كل رؤيا حق يرى الإنسان تأويلها فلا يكون في رؤياه صلى الله عليه وسلم خصوصية ، ويكون الإخبار به من باب الإخبار بجزء من المعنى الشامل لكل رؤية ، وهي فائدة مخالفة للظاهر مبنية على عدم إمكان الرؤية حقيقة ، وقد ثبت أنه ممكن شرعاً وعقلاً ، فالمانع وهمي
    الوجه الثالث :
    أنه خاص بأهل عصره على معنى أن من رآه منهم في منامه قبل أن يراه في يقظته فلا بد أن يراه في الواقع ، وهذا تخصيص بلا دليل مع أن لفظه العموم (( من رآني في المنام فسيراني في اليقظة )) فتخصيص هذا اللفظ العام بمن عاصره صلى الله عليه وسلم تخصيص بدليل ضعيف لايرقى عن أن يكون شبهة دليل
    الوجه الرابع :
    أنه يراه في المرآة يقظة إن أمكنه ذلك ، قال ابن حجر 16/191 وهذا من أبعد المحامل ) قلت : وأظن أن ضعفه من جهتين جهة تخصيصه بالمرآة ولفظه عام (( في اليقظة )) وكذا تخصيصه بمن يمكنه ذلك ، واللفظ عام في كل من رآه مناماً صلى الله عليه وسلم .
    الوجه الخامس :
    أنه يراه يوم القيامة أي من رآه في الدنيا مناماً فسيراه في الآخرة يقظة ، ويجاب عن هذا أيضاً بأن رؤيته صلى الله عليه وسلم يوم القيامة عامة لكل مسلم يدخل الجنة وهو يخالف تعليق رؤيته في اليقظة برؤيته في المنام ، ولذلك حاول بعض من قال هذا القول أن يقرب ذلك بأنه يراه رؤية خاصة يوم القيامة من مزيد قرب ورضا ونحو ذلك أي فسيراني في اليقظة يوم القيامة رؤية أتم وأكمل من رؤية الذين لم يروني في الدنيا مناماً )
    وهذه الأقوال كلها تأويل بلا داع وتخصيص بلا مخصص إلا شبهة امتناع المعنى الظاهر للحديث دون مستند شرعي صحيح
    الوجه السادس :
    أنه يراه في الدنيا حقيقة ويخاطبه ، وفيه إشكال ، قلت : بل الإشكال شبهة مجرد عن صحة الاستدلال ، بل الاستدلال يؤيد الوقوع وهذه الاشتباه مدفوع كما تقدم
    الوجه السابع :
    ونقل ابن حجر عن القرطبي قولاً آخر هو أن رؤيته صلى الله عليه وسلم في المنام رؤية لمعنى الشريعة لإنه كانت الشريعة صفته فإذا رآه يأمره بأمر أو ينهاه فمعناه أن شرعه كذلك كذا قال القرطبي ، فماذا يقال لو رأى صورته صلى الله عليه وسلم دون كلام ونحوه ؟ وهذا الذي قاله احتمال ليس أكثر لايؤخذ به إلا عند اجتماع الظاهر لإن الظاهر راجح بنفسه كما هو معلوم من قواعد الأصول
    وقد تقدم الجواب عن دعوى القرطبي في الرد على الوجه الأول حيث زعم أن حمل الحديث على ظاهره يؤدي إلى محال هو أن يرى جماعة متفرقون النبي صلى الله عليه وسلم في آن واحد في أماكن متعددة وسبق أنها لو سلمت هذه الدعوى فليس فيها إلا امتناع أن تراه الجماعة في آن واحد ، ولاتقتضي منع أصل الرؤيا فثبوتها في أوقات متعددة كاف في صحة حمل الحديث على ظاهره ومانع من التأويل ، والله تعالى أعلم .
    وكان ابن حجر قبل ذكر هذه الأقوال نقل عن جماعة من الصالحين أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة فسألوه عن أشياء فأخبرهم فكان الأمر كذلك .
    ثم استشكله جداً من جهة أنه يجعلهم صحابة وأن الصحبة تكون باقية ، وهو استشكال منقوض بأن هذا يثبت صحبة روحية لاجسدية والممنوع هو الثاني ، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم رأى أمته كلها ورأى أمة موسى عليه السلام كما رواه البخاري ، ولم يقل أحد إنهم صحابة لإن الصحبة المعروفة في اصطلاح المحدثين وغيرهم هي الصحبة التي تكون باللقاء جسداً وروحاً في حال الحياة الطبيعية
    ثم قال : ويعكر على القول بأنهم يرونه في الدنيا يقظة رؤية حقيقية أن جماعة أخبروا بأنهم رأوه في المنام ولم يخبر أحد منهم أنه رآه بعد ذلك في اليقظة وإخباره لايمكن أن يتخلف وقوعه .
    وهذا أيضاً منقوض من ثلاثة وجوه :
    أحدها : أنه ليس بلازم أن يخبروا برؤيتهم له في اليقظة بل يتوقع غالباً ألا يخبروا مباعدة للرياء كما هو شأنهم
    ثانيها : أن جماعة منهم أخبروا بذلك كما نقله ابن حجر نفسه قبل ذكر هذه الوجوه السبعة حيث نقل عن جماعة من الصالحين أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة فسألوه عن أشياء فأخبرهم فكان الأمر كذلك ، ولا تلازم بين الإخبار بالرؤيا في اليقظة وبالرؤيا في المنام فقد يخبرون بهذه دون تلك أو العكس وإذا كان هؤلاء قليلين فلا يضر ، وهذا أمر معروف مشهور لدى كبار الأئمة الصوفيين مذكور في كتبهم ، ولايصح أن يقال إن في ذلك رياء لإن العلماء نصوا على جواز أن يخبر الإنسان عن نفسه بالخير إذا تجنب قصد الرياء ، وهي مسألة مشهورة يذكرونها عادة عند تفسير قول سيدنا يوسف عليه السلام : قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ، ويذكرونها في شروح الحديث عند الروايات التي تذكر مدح بعض الصحابة أنفسهم ، ومثل ذلك مايجري على أيدي الصالحين من الكرامات حيث يقصدون تأييد دين الله بإظهار الكرامة كما جرى لجماعة من الصحابة لا الرياء فمن قصد بإخباره الناس أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة تأييداً لظاهر هذا الحديث لامراءاة بما وهبه الله فقصده التأييد محمود في الدين مأجور عليه ، ومن كان كذلك كان في أخلاقه ومعاملته الخالق والخلق مايشهد لصحة نيته تلك
    الثالث من الوجوه في الجواب عن قول ابن حجر السابق أنهم لم يخبروا لإن الرؤية قد تحصل لهم في آخر الحياة عند بشائر الخير في القدوم على الله تعالى قبل الغرغرة وقبل خروج الروح
    ثم لابد أن ينتبه المنصف إلى أن كثرة الأقوال وتعددها يعني أن القضية عند هؤلاء المختلفين اجتهادية ، وما كان كذلك يقول فيه كل ذي قول : قولي صواب يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب اتباعاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه في مسألة التحكيم : (( فإنك لاتدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا )) والاجتهاديات لاتنتج اليقين القاطع إنما تنتج الرجحان عند قائلها نفسه فلو افترضنا رجحان تأويل الحديث لم يكن ذلك إبطالاً لحمله على ظاهره
    ثم أقول : والمعول في ذلك على ما أخبر به الأكابر من رجال التقى والصلاح – ولاسيما أهل التصوف – فهم أهل الاختصاص عند من يعرفهم ويؤمن بكلامهم وهم الأكابر من علماء الأمة ، أما من لا يؤمن بكلامهم فليس هذا الموضع هو مجال الرد عليه
    وقد خص الشيخ عبد العزيز الدباغ رضي الله عنه هذا الموضوع بكلام مفصل أبان فيه عن هذه الرؤية وشروط الأهلية لمن تكمل عنده الرؤية ، وذكر شروطاً عظيمة من محبة النبي صلى الله عليه وسلم وكمال متابعته ، وذكر عمن يدعونها باطلاً أنهم يسألون عن تفصيل أحواله صلى الله عليه وسلم فيعرفون لإن الفرق بين من يخبر عما سمع وبين من يخبر عما رأى هو فرق كبير لايلتبس على عاقل وبذلك يرد على كل صاحب ادعاء باطل ، ولا سيما أولئك الذين يقولون : افسحوا مجالاً ليجلس فيه النبي صلى الله عليه وسلم والأرواح لاتحتاج إلى مكان ومساحة كاحتياج الأجسام فقولهم هذا ناقض لدعواهم
    وأما الذين يزعمون أن هذا مجرد تخيل فيقال لهم : إن كنتم من منكري التصوف فليس هذا هو مكان الرد عليكم ، وإن كنتم ممن يعتقد بما يقوله رجال التصوف فهذا كلامهم ، وإن كان قصدكم الرد على شخص معين فلا تلجؤوا إلى رد الفكرة لأجله من أصلها فالخطأ لايرد بالخطأ ولا بالتأويل الضعيف ، ولكن إن قدرتم أن تثبتوا عدم أهليته بإظهار بعده عن الشروط المؤهلة لهذه الكرامة السامية فصرحوا وبينوا وإلا فأنتم لا تنفون هذه الرؤية الكريمة إلا عن أنفسكم وأمثالكم وعمن رأيتموه من العلماء والصالحين الذين لم يبلغوا هذه المنزلة أو بلغوها ولم يخبروكم بذلك فليس بواجب عليهم أن يخبروا بكل ماوهبهم الله من الكرامات
    والله تعالى أعلم بالصواب وهو المرجو أن يوفق الجميع إلى ما هو خير

    Admin
    Admin

    المساهمات : 1128
    تاريخ التسجيل : 29/04/2015
    العمر : 50

    رد: الرد على منكري رؤية النبي فى اليقظة

    مُساهمة من طرف Admin في الإثنين ديسمبر 19, 2016 6:10 pm

    أخرج البخاري في صحيحه في باب من رأي النبيّ في المنام ، من طريق أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثّل بي الشيطان » . وأخرجه مسلم من طريق أبي هريرة أيضا بزيادة « أو لكأنما رآني في اليقظة ». وقد اختلف شراح الحديث في حمله على ظاهره ، وصرفه عنه ، ودونك صفوة الأقوال في ذلك ، مصدرة بما قاله الذين رأوا تركه على ظاهره ، خيرا من صرفه عنه . 


    كلام العارف ابن أبي جمرة في الحديث


    قال في شرح الحديث ، من كتابه بهجة النفوس ، ما نصّه باختصار : « ظاهر الحديث يدل على حكمين : أحداهما أن من رآه في المنام فسيراه في اليقظة ، والثاني الإخبار بأنّ الشيطان لا يتمثل به . والكلام عليه من وجوه ، أحدها أن يقال : هل هذا على عمومه في حياته وبعد مماته ، أو هذا كان في حياته ليس إلا ؟ وهل يتمثل بغيره من الأنبياء والرسل صلوات الله عليه وعليهم أجمعين ، أو هذا من الأمور الخاصة به ؟ وهل لكل من رآه مطلقا أو خاص بمن فيه الأهلية والإتّـباع لسنته ؟ أما قولنا : هل هو على العموم في حياته ومن بعد مماته ، أو في حياته لا غير ؟ اللفظ يعطي العموم ، ومن يدعي الخصوص فيه بغير مخصص منه فمتعسف . وقد وقع في بعض الناس عدم التصديق بعمومه ، وقال على ما أعطاه عقله ، وكيف يكون من هو في دار البقاء يرى من في دار الفناء ، وفي هذا القول من المحذور وجهان خطيران ، أحدهما : أنه يقع في عدم التصديق بعموم قول الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ، والثاني : الجهل بقدرة القادر وتعجيزها ، كأنه لم يسمع في سورة البقرة قصة البقرة وكيف قال الله :  فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى (1) فضُرِبَ قبرُ الميت ، أو هو نفسه ببعض البقرة فقام حيّاً سويّاً ، وأخبرهم بقاتله ، وذلك بعد أربعين سنة على ما ذكره أهل العلم ، لأن بني إسرائيل تأخّر طلبهم في طلب البقرة على الصفة التي نعتت لهم أربعين سنة ، وحينئذ وجدوها . وكما أخبر أيضا ، في السورة نفسها ، في قصة العزير ، وقصة إبراهيم في الأربع من الطير وكيف قص علينا في شأنهما . فالذي جعل ضرب الميت ببعض البقرة سببا لحياته ، وجعل دعاء إبراهيم سببا لإحياء الطيور ، وجعل تعجب العزير سببا لإحيائه وإحياء حماره بعد بقائه مائة سنة ميتا ، قادر على أن يجعل رؤيته في النوم سببا لرؤيته في اليقظة. وقد ذكر بعض الصحابة وأظنه ابن عباس رضي الله عنهما : " أنه رأى النبي في النوم فتذكر هذا الحديث ، وبقي متفكرا فيه ، ثم دخل على بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأظنها ميمونة رضوان الله عليها ، فقص عليها قصته ، فقامت وأخرجت له جبة ومرآة ، وقالت له : هذه جبته وهذه مرآته ، قال : فنظرت في المرآة فرأيت صورة النبي صلى الله عليه وسلم ولم أر لنفسي صورة . وقد ذُكِر عن السلف والخلف ، إلى هلم جرا ممن كانوا رأوه عليه الصلاة والسلام في النوم ، وكانوا ممن يحملون هذا الحديث على ظاهره ، فرأوه بعد ذلك في اليقظة ، وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين ، فأخبرهم بتفريجها ، أو نصّ لهم الوجوه التي منها يكون فرجها ، فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص. والمنكر لهذا لا يخلو أن يصدق بكرامات الأولياء أو يُكذّبَ بها ، فإن كان ممن يكذب بها فقد سقط البحث معه ، فإنه يكذب ما أثبتته السنة بالدلائل الواضحة ، وقد تكلمنا على هذا أول الكتاب ، وبيناه بما فيه كفاية بفضل الله تعالى ، وإن كان مصدقا بها فهذه من ذلك القبيل ، لأن الأولياء يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء في العالمَيْنِ ـ العلوي والسفلي ـ عديدة ، فلا تنكر هذا مع التصديق بذلك . وهنا إشارة لو عرفها المنكر ما أنكر ، وذلك أنّ المحب فيمن أَحَبّـَهُ فَانٍ ، قد أخرجه الإشتغال بمن أحبَّ عن هذه الدار وأهلها ، فلما كان معدودا في الفانين لَحِقَ بأهل دار البقاء برؤية أهلها ، والتنعم بمشاهدتهم ، وكانت جثته في هذه الدار كظاهر القبر في الدنيا ، وباطنه في الآخرة ، لأنه أول منزل من منازل الأخرى ، وقد تلوح مرارا على ظاهر القبر علامات مما هو داخله ، من خير أو غيره ، وهذا من الشهرة بين الناس خلفا عن سلف من حيث لا يحتاج أن يذكر له حكاية ولا خبر ».اهـ المقصود من كلامه .
    وحاصله أنه يُرى إبقاء الحديث على عمومه فيمن رآه عليه الصلاة والسلام في حياته ، ومن شرّفه الله برؤياه بعد موته ، وأن رؤيته في اليقظة من باب الكرامة ، وأنه ثبتت لبعض الصحابة وبعض السلف والخلف ، وأشار ، رحمه الله ، بما نقله عن بعض الناس من تخصيص الحديث ، إلى ما ذهب إليه بعض شرّاحه من حمله على من رآه في منامه وهو حي ، وسيأتيك ذلك عند الكلام على طريقة من صرف الحديث عن ظاهره ، وقد ختم ، رحمه الله ، كلامه بما قرّب به أمر هذه الرؤية ، وهو فناء المحب فيمن أحبه ، فلا غرابة أن يرى من في دار البقاء إذا عرفت أنه في دار الفناء وهو لطيفة صوفية .
    وقريب من كلامه في مسألة الرؤية ما قاله المناوي في شرح الشمائل ، عند الكلام على حديث من رآني فقد رآني حقا ودونك ما إليه الحاجة من كلامه في هذا الموضوع .


    كلام المناوي في مسألة الرؤية ، وما نقله عن القونوي فيها . وفيه تعرض لرد بعض ما قاله المنكرون


    قال رحمه الله تعالى ، بعد أن نقل كلام الغزالي في المنقذ من الضلال في رؤية أرباب القلوب ما نصه : « وقال القونوي : السبب الأقوى ، إجتماع بعضهم مع بعض من حيث صورهم في هذا العالم ، ومن حيث نفوسهم في العوالم العلوية يقظة ومناما ، وجود المناسبة وما به الإتحاد وكثرة الإجتماع ، وقِلَّـتُه راجعة إلى قوة آثارها وضعفها . فإن المناسبة قد تثبت من حيث الصفات والأحوال والأفعال ، وقد تثبت من حيث الأفعال فحسب ، وإنِ انضَمّ إلى ذلك حكم الإشتراك في المرتبة كان أقوى ، فإن قُـدِّرَ مع ذلك ثبوت المناسبة من حيث الذات فقد تم الأثر . فمَنْ ثبتت المناسبة بينه وبين الأرواح الكُمّل من الأنبياء والأولياء ، اجتمع بهم يقظة ومناما ، وقد كان شيخنا الأكمل متمَكّناً من الإجتماع بروح من شاء من الأنبياء والأولياء على ثلاثة أنحاء . إن شاء استنزل روحانيته في هذا العالم وإدراكه متجسدا في صورة مثالية ، شبيهة بصورته الحسية العنصرية التي كانت له في حياته الدنيا ، ولا ينخرم منها شيء ، وإن شاء أحضره في نومه ، وإن شاء انسلخ عن هيكله واجتمع به . ولا تَستبعدْ مثل هذا فتفر إلى تأويل سخيف ، فغيرك والله قد رأى غير واحد من هؤلاء . إلى هنا كلامه ـ أي القونوي ـ.وأنكر ذلك طائفة ، منهم القرطبي ، محتجين بأن القول به جنون لاستلزامه خروجه من قبره ، ومشيِهِ بالأسواق ، ومخاطبته الناس ، وخُلُوّ قبره عنه ، ورؤية اثنين له في اليقظة في مكانين ، وغير ذلك ، ويبطله ما تقرر أن من كرامات الأولياء خرق الحجب ، فلا مانع عقلا ولا شرعا ولا عادة ، أنّ الولي البعيد يكرمه الله سبحانه بأن لا يجعل بينه وبين الذات ساترا ولا حاجبا ، كالزجاج يحكي من وراءه ، وهو حيّ في قبره . فلا مانع أنْ يُكرَمَ ، إذ الولي بمحادثته ورؤيته بعين البصيرة ، فلا أثر للقرب والبعد في مكانه . وقول الحافظ ابن حجر ما ذكره الأولون ـ أيّ مثبتو الرؤية في اليقظة ـ ولو حُمِلَ على ظاهره لكان هؤلاء صحابة ، وبقيتْ الصّحبة للقيامة ، رُدَّ بأنّ شرط الصحبة الرؤية في الحياة ، وهذه خوارق ، والخوارق لا تنقض لأجلها القواعد الكلية » . اهـ. ما قاله المناوي .
    أما الذين صرفوا الحديث عن ظاهره ، فمنهم الإمامان عياض والمازري ، والحافظ بن حجر . ودونك كلام كل واحد من هؤلاء الثلاثة ، ولنبدأ منها بكلام المازري والقاضي عياض ، ثم نقفي على أثرهما بكلام الحافظ .


    ما قاله المازري والقاضي عياض على ما نقله عنهما الشيخ الأبي في شرح صحيح مسلم .


    قال الابي في شرح الحديث ما نصه : « قال المازري : " هو شك من الراوي ، فإن كان المسموع الثاني فتأويله ما تقدم ، وإن كان المسموع الأول ، فيحتمل أن يريد من لم يهاجر من أهل عصره ، وأنه إذا رآه في المنام فسيراه في اليقظة ، ويكون الله جعل رؤياه علماً على ذلك ، وأوحى اليه به ". اهـ . وقال القاضي عياض : " وقيل المعنى أنه يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة ، وقيل : المعنى يراه في الآخرة في اليقظة ، وبَعّدَهُ بعضُهم ، لأنه يراه في الآخرة كلّ أمته ، من رآه ومن لم يره . ولا يبعد عندي أن تكون رؤيا خاصة بالقرب منه ، والشفاعة فيه . وقد قيل في قوله صلى الله عليه وسلم في المسلم والكافر : لا تتراءى نارهما لا يجتمعان في الآخرة ، ويبعد كل منهما عن صاحبه .  وفيه تأويلات معروفة ، ولا يبعد أن يعاقب الله بعض المذنبين بمنع رؤيته مرة » اهـ .


    ما قاله الحافظ بن حجر ، وهو أجمع ما رأيته في الموضوع .


    قال رحمه الله في شرح الحديث من كتابه فتح الباري ، بعد كلام ليس من موضوعنا في شيء ، ما نصه : « وقال ابن بطال : قوله فسيراني في اليقظة ، يريد تصديق تلك الرؤيا في اليقظة ، وصحتها وخروجها على الحق ، وليس المراد أنه يراه في الآخرة ، لأنه سيراه يوم القيامة في اليقظة ، فتراه جميع أمته ، من رآه في النوم ومن لم يره منهم . وقال ابن التين : المراد من آمن به في حياته ولم يره ، لكونه حينئذ غائبا عنه ، فيكون هذا مبشرا لكل من آمن به ولم يره أنه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته ، قاله القزاز . وقال المازري : إن كان المحفوظ فكأنما رآني في اليقظة ، فمعناه ظاهر ، وإن كان المحفوظ فسيراني في اليقظة ، إحتمل أن يكون أراد أهلَ عصره ممن لم يهاجر إليه ، فإنه إذا رآه في المنام جعل ذلك علامة على أنه يراه بعد ذلك في اليقظة ، وأوحى الله بذلك إليه . وقال القاضي : وقيل معناه سيرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها ، وقيل معنى الرؤية في اليقظة ، أنه سيراه في الآخرة ، وتعقب بأنه في الآخرة يراه جميع أمته ، مَنْ رآه في المنام ومن لم يره . يعني فلا يبقى لخصوص رؤيته في المنام مزية . وأجاب القاضي عياض باحتمال أنْ تكون رؤياه له في النوم على الصفة التي عُرِفَ عليها ووصف بها، موجبة لتكرمته في الآخرة ، وأنْ يراه رؤية خاصة من القرب منه ، والشفاعة له بعلوّ الدرجة ، ونحو ذلك من الخصوصيات . قال : ولا يبعد أنْ يعاقب الله المذنبين في القيامة بمنع رؤية نبيه مرة . وحمله ابن أبي جمرة على محملٍ آخر ، فذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أو غيره ، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ، فبقي بعد أن استيقظ متفكرا في هذا الحديث ، فدخل على بعض أمهات المؤمنين ، ولعلها خالته ميمونة رضي الله عنها ، فأخرجت له المرآة التي كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ، فنظر فيها ، فرأى صورة النبي عليه الصلاة والسلام ولم ير صورة نفسه . ونُقِلَ عن جماعة من الصالحين أنهم رأوا النبي في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة ، وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين ، فأرشدهم إلى طريق تفريجها ، فجاء الأمر كذلك . قلت - أي ابن حجر - وهذا مشكل جدا ، ولو حُمِلَ على ظاهره لكان هؤلاء صحابة ، ولَأَمْكَنَ بقاء الصحبة إلى يوم القيامة . ويعكر عليه أنّ جمعا رأوه في المنام ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة ، وخبر الصادق لا يتخلف . وقد اشتد إنكار القرطبي على من قال : من رآه في المنام فقد رأى حقيقته ، ثم يراها كذلك في اليقظة كما تقدم قريبا . وقد تفطن ابن أبي جمرة لهذه ، فأحال بما قال على كرامات الأولياء . فإن يكن كذلك ، تعين العدول عن العموم في كل راء . ثم ذكر أنه عامّ في أهل التوفيق ، وأما غيرهم فعلى الإحتمال ، فإنّ خرق العادة يقع للزنديق بطريق الإملاء والإغواء ، كما يقع للصديق بطريق الكرامة والإكرام ، وإنما تحصل التفرقة بينهما باتباع الكتاب والسنة . انتهى .
    والحاصل من الأجوبة ستة :
    أحدها : أنه على التشبيه والتمثيل ، ودلّ عليه قوله في الرواية الأخرى فكأنما رآني في اليقظة .
    ثانيها : أنّ معناه سيُرى في اليقظة ، تأويلها بطريق الحقيقة أو التعبير .
    ثالثها : أ انه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه .
    رابعها : أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ، ذلك وهذا من أبعد المحامل .
    خامسها : أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية ، لا مطلق من يراه حينئذ ممن لم يره في المنام .
    سادسها : يراه في الدنيا حقيقة ويخاطبه ، وفيه ما تقدم من الإشكال . وقال القرطبي : قد تقرر أن الذي يُرى في المنام أمثلة المرئيات لا أنفسها ، غير أن تلك الأمثلة تارة تقع مطابقة ، وتارة يقع معناها ، فمِنَ الأول : رؤياه صلى الله عليه وسلم عائشة وفيه : فإذا هي أنتِ  ، فأخبر أنه رأى في اليقظة ما رآه في نومه بعينه ، ومِنَ الثاني : رؤيا البقر التي تنحر ، والمقصود من الثاني التنبيه على معاني تلك الأمور . ومن فوائد رؤيته تسكين شوق الرائي لكونه صادقا في محبته ، ليعمل على مشاهدته ، وإلى ذلك الإشارة بقوله : فسيراني في اليقظة ، أي من رآني رؤية معظم لحرمتي ، ومشتاق إلى مشاهدتي ، وصل إلى رؤية محبوبه ، وضفر بكل مطلوبه ،  قال - أي القرطبي - : ويجوز أن يكون مقصود تلك الرؤيا معنى صورته ، وهو دينه وشريعته ، فيعبر بحسب ما يراه الرائي من زيادة ونقصان ، أو إساءة وإحسان . قلت ـ أي ابن حجر ـ وهذا جوابٌ سابع ، والذي قبله لم يظهر لي، فإنْ ظهر فهو ثامن » اهـ كلام الحافظ بن حجر .


    الموازنة بينه و بين كلام ابن أبي جمرة


    علمتَ أنّ ابن أبي جمرة جريء في فهم الحديث على ما ما يقتضيه ظاهره ، وأنه أيد ما ذهب إليه بالواقع ، إذ جاء أن ابن عباس أو غيره من الصحابة رضي الله عنهم رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المرآة ، ونُقِلَتْ الرؤية في اليقظة أيضا عن جماعة من السلف والخلف ، وأنّ المسألة من باب الكرامة . وأما الحافظ بن حجر ، فكل ما ذكره من تأويلات الحديث ، بعيد عن ظاهره بشهادة الذوق البريء من التعصب ، وقد اعترف هو نفسه ببعد بعضها ، وهو الرابع كما سبق في كلامه . وقد ذكر ما حمل ابن أبي جمرة الحديث عليه ، واستشكله من وجهين : 
    أحدهما استلزامه أن يكون هؤلاء الراؤون صحابة فلا تنقطع الصحبة إلى يوم القيامة .
    وثانيهما أنّ جمعا رأوه في المنام ثم لم يذكروا أنهم رأوه في اليقظة .
    وكِلاَ الأمرين مرفوع .
    أما الاول ، فبما ذكره ابن حجر المكي ، وهو أنّ هذه الرؤية في عالم الملكوت ، وهي لا تفيد صحبة .
    وأما الثاني ، فبأن عدم ذكرهم الرؤية في اليقظة ، لا يقتضي انتفاء وقوعها ، إذ قد يتشرف بها عند الاحتضار ، كما صرّح به ابن حجر المكي ، أو يكرمه الله بها من قبل ، ولكن لا يذكرها لأنها من الكرامات كما علمت ، والولي يتستر من الكرامة كما تتستر المرأة من دم الحيض ، وما يؤْثَر عن بعض الأولياء من ذكرها ، فلِأَمرٍ داعٍ إلى ذلك ، مثل ما يدعو إلى إظهار غيرها من الكرامات . ثم إنّ الحديث إذا لم يحمل على ظاهره ، وصُرِفَ إلى وجهٍ آخر ، لم يكن مقتضيا لثبوت الرؤية ، ولكنه لا يقتضي انتفاءها ، وحينئذ نَسْلُكُ في إثباتها طريقا آخر ، وهو أن ما أُعطيه الرسول من المزايا فلأمته نموذج منه إلاّ ما قام الدليل فيه على الخصوصية ، كما علمت من كلام الإمام الشاطبي . وإذا كان الرسول اجتمع ليلة الإسراء بفريق من الأنبياء في السماء يقظة ، عليه وعليهم الصلاة والسلام ، وجرى الحديث بينهم وبينه ، فالخاصة من أمته يجتمعون بالأنبياء ، وبسيدنا محمد وهو أصل هدايتهم ، وَوَلِيّ نعمتهم . وممن جرى على هذه الطريقة في الإثبات ، الشيخ ابن الحاج ، وستمر بكلامه إن شاء الله تعالى .
    هذا وقد قال بما ذهب إليه العارف ابن أبي جمرة ، في مسألة الإجتماع بالرسول ، جماعة من أهل العلم ، من المتقدمين والمتأخرين ، منهم الإمام الغزالي ، والقاضي أبو بكر بن العربي ، والشيخ ابن الحاج صاحب المدخل ، وجلال الدين السيوطي .


    كلام الإمام الغزالي .


    تقدم قول حجة الإسلام ، رحمه الله . فبكتابه المنقذ من الضلال ،عند الكلام على طريق التصوف : « ومن أول الطريقة تبتدئ المكاشفات والمشاهدات ، حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة ، وأرواح الأنبياء ، ويسمعون منهم أصواتا ، ويقتبسون منهم فوائد الخ » .


    كلام أبي بكر بن العربي وابن الحاج صاحب المدخل


    نقَلَ كلامَ هذين الإمامين ، الشيخ ابن حجر المكي في فتاويه فقال ، بعد أن نقل كلام الغزالي في المنقذ من الضلال ما نصه : « وقال تلميذه أبو بكر بن العربي المالكي ، رؤية الأنبياء والملائكة ، وسماع كلامهم ممكن للمؤمن كرامة ، وللكافر عقوبة . وقال ابن الحاج في مدخله : رؤيته صلى الله عليه وسلم في اليقظة باب ضيق ، وقَلَّ مَنْ يقع له ذلك ، إلاّ من كان على صفةٍ عزيزٌ وجودُهَا في هذا الزمان ، بل عُدِمَتْ غالبا ، مع أننا لا ننكر مَنْ يقع له ذلك من الأكابر الذين حفظ الله ظواهرهم وبواطنهم ، ولا ينكره إلاّ جاهل بما يرد عليهم من الأحوال التي يشاهدون فيها ملكوت السموات والأرض ، وينظرون الأنبياء أحياء غير أموات ، كما نظر النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى جماعة من الأنبياء في السماء ، وسمع خطابهم ، وقد تقرر أنّ ما جاز للأنبياء معجزة ، جاز للأولياء كرامة بشرط عدم التحدي »اهـ .


    كلام جلال الدين السيوطي


    تعرض الجلال ، رحمه الله ، لهذه المسألة في رسالته الإعلام بحكم نزول عيسى عليه الصلاة والسلام ، وأفاض القول فيها في كتابه تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك ، فقال في الإعلام ، عند الكلام على مسالة : إن عيسى ، عليه الصلاة والسلام ، إذا نزل يجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فلا مانع أن يأخذ عنه ما احتاج إليه من شريعته ما نصه : « الثالث أن جماعة من أئمة الشريعة نصوا على أن من كرامات الولي أنه يرى النبي صلى الله عليه وسلم ، ويجتمع به في اليقظة ، ويأخذ عنه ما قسم له من معارف ومواهب . وممن نص على ذلك من الشافعية ، ومن أئمة المالكية ، القرطبي ، وابن أبي جمرة وابن الحاج في المدخل » اهـ. فأنت تراه نقل هذا القول وأقره فيكون مذهبه في المسالة . وقال في رسالته تنوير الحلك ما نصه : « ولا يمتنع رؤية ذاته الشريفة بجسده وروحه ، وذلك لأنه وسائر الأنبياء أحياء ، رُدّتْ إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا » الخ ما قال . ومن شعره رحمه الله :


    رؤيـة الأنبياء بعـد الممات     أدخلوهـا فـي حيـز الممكنـات 
    قل لمن قـال أنها  مستحيـل     أترك الخوض عنك في الغمـرات 
    أنت لا تعرف المحال ولا الـمـ    مكـن إمـا بالغـير أو بالـذات 
    واحـذرن  أن تـزَلّ زلـة كفر   وتَـوَقّ  مـواقــع    الـزلات 

    ولعله عَنَى ، رحمه الله ، بقوله : واحذرن أن تزَلّ زلة كفر ، أن تذهب إلى إنكارها بناء على أن القدرة الإلهية غير صالحة للتعلق بها .




    ذكر جماعة ممن روي أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة


    علمت ، من كلام الشيخ ابن أبي جمرة ، أنّ جماعة من السلف والخلف قيل بثبوت هذه الرؤية لهم ، وذكر قصة ابن عباس وغيره من الصحابة رضي الله عنهم في رؤيته في المرآة . وممن رُويَتْ له هذه المنقبة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه. يُروى أنه دخل عليه عبد الله بن سلام في اليوم الذي قُتِلَ فيه ، فقال له عثمان : أترى هذه الطاقة ؟ فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تراءى لي منها فقال : أحَصَرُوك يا عثمان ؟ قلت : نعم ، بأبي أنت وأمي فقال : إِنْ شئتَ نُصِرْتَ عليهم ، وإن شئت أفطرتَ عندنا ، فقلت : بل أفطر عندكم ، فقُتِلَ قبل غروب الشمس من ذلك اليوم . ذكر هذه الحكاية الحافظ جلال الدين السيوطي في الخصائص الكبرى ، ثم قال : « قال الشيخ أبو منصور في رسالته يقال : أن الشيخ أبا العباس القسطلاني دخل مرة على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : أخذ الله بيدك يا أحمد . وعن الشيخ أبي السعود أنه قال : كنت أزور شيخي أبا العباس ، وغيره من صلحاء مصر ، فلما فُتِحَ عليّ لم يكن لي شيخ إلاّ النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه كان يصافحه عقب كل صلاة ». وقد ذكر الشيخ الألوسي ، عند الكلام على هذه المسألة في تفسير آية  ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيئين (2) ، جملة ممن رُويَتْ لهم هذه الكرامة ، وتعَرّض للخلاف في أنّ المرئيَّ ذاته الشريفة أو مثاله ، ودفع بعض ما يعترض المسالة من الشبه ، ودونك ما يهمنا نقله من كلامه في الموضوع .


    كلام الألوسي في الرؤية ومن ثبتت له واختلاف العلماء في المرئي ودفع بعض الشبه في هذا المقام


    قال ، رحمه الله ، إذْ تكلم على مسالة نزول سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام فيما كتبه على الآية الشريفة :  ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيئين (3) ، من تفسيره روح المعاني ما نصه : « وقيل أنه يأخذ الأحكام من نبينا صلى الله عليه وسلم شفاها بعد نزوله ، وهو في قبره الشريف ، وأيّدَ بحديث أبي يعلي : والذي نفسي بيده لينزلن عيسى ابن مريم ثم لئن قام على قبري ، وقال : يا محمد ، لأجيبنه  ، وجوز أن يكون ذلك بالإجتماع معه عليه الصلاة والسلام روحانية ، ولا بدع في ذلك فقد ، وقعت رؤيته ، بعد وفاته ، لغير واحد من الكاملين من هذه الأمة ، والأخذ منه يقظة .  قال الشيخ سراج الدين بن الملقن في طبقات الأولياء : قال الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الظهر ، فقال لي : يا بنيّ لِمَ لا تتكلم ، فقلت : يا أبتاه أنا رجل أعجم ، كيف أتكلم على فصحاء بغداد ؟ ، فقال : إفتح فاك ، ففتحته فتفل فيه سبعا ، وقال : تكلم على الناس ، وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة . فصليت الظهر وجلست ، وحضرني خلق كثير ، فارتج عليّ ، فرأيت عليا كرم الله تعالى وجهه قائما بإزائي في المجلس ، فقال لي : يا بني لِمَ لا تتكلم ؟ ، فقلت : يا أبتاه قد ارتج علي ، فقال : إفتح فاك ، ففتحته ، فتفل فيه ستا ، فقلت : لِمَ لا تُكْمِلْه سبعا ؟ ، قال : أدبا مع رسول الله ، ثم توارى عني فقلت : غوّاص الفكر يغوص في بحر القلب على درر المعارف فيستخرجها إلى ساحل الصدر ، فينادي عليها سمسار ترجمان اللسان ، فتُشْرَي بنفائس أثمان حسن الطاعة في بيوتٍ أذِنَ الله أن ترفع " . وقال أيضا ، في ترجمة الشيخ خليفة بن موسى النهر ملكي : " كان كثير الرؤية لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة ومناما ، فكان يقال : إنّ أكثر أفعاله يتلقاه منه يقظة ومناما . ورآه في ليلة واحدة سبع عشر مرة ، قال له في إحداهن : يا خليفة لا تضجر مني ، فكثير من الأولياء ماتوا بحسرة رؤيتي ". وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في لطائف المنن : " قال رجل للشيخ أبي العباس المرسي : يا سيدي صافِحْنِي بكفك هذه فانك لقيتَ رجالا وبلادا ، فقال : والله ما صافحت بكفي هذه إلاّ رسول الله ". قال : وقال الشيخ : " لو حُجِبَ عنّي رسول الله طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين " . ومثل هذه النقول كثيرة في كتب القوم جدا . وفي تنوير الحلك لجلال الدين السيوطي ، الذي رَدّ به على منكري رؤيته صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في اليقظة ، طرف معتد به من ذلك ، ثم نقل عنه شيئا من أدلة مثبتي الرؤية ، ونقل كلام ابن أبي جمرة ، ثم قال ما نصه : " واختلفوا في حقيقة المرئي ، فقال بعضهم المرئي ذات المصطفى بجسمه وروحه ، وأكثر أرباب الأحوال على أنه مثاله ، ثم نقل كلامه ، وقال بعد : واستحسنه الجلال السيوطي " ».
     ثم قال الألوسي ، بعد كلام ، في أنه لم يؤثر ظهوره للصحابة وأهل بيته ما نصه : « وبالجملة عدم ظهوره صلى الله عليه وسلم لأولئك الكرام ، وظهوره لمن بعدهم ، مما يحتاج إلى توجيه يقنع به ذوو الأفهام ، ولا يحسن مِنّي أنْ أقول كل ما يُحكى عن الصوفية من ذلك كذب لا أصل له لكثرة حاكيه ، وجلالة مدعيه ، وكذا لا يحسن مني أن أقول إنهم إنما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فظنوا لِخِفة النوم ، وقِلّة وقته ، يقظة ، فقالوا رأيناه يقظة ، لما فيه من البعد ، ولعل في كلامهم ما يأباه . وغاية ما أقول أن تلك الرؤية من خوارق العادات كسائر كرامات الأولياء ، ومعجزات الأنبياء عليهم السلام ، وكانت الخوارق في الصدر الأول لقرب العهد بشمس الرسالة قليلة جدا ، وأنّى يُرى النجمُ تحت الشعاع ، أو يظهرُ كوكبٌ وقد انتشر ضوء الشمس في البقاع ، فيمكن أن يكون قد وقع ذلك لبعضهم على سبيل الندرة ، ولم تقتض المصلحة إفشاءه ، ويمكن أن يقال أنه لم يقع لِحِكمَة الإبتلاء أو لخوف الفتنة ، أو لأنّ في القوم من هو كالمرآة له صلى الله عليه وسلم ، أو ليسرع الناس إلى كتاب الله تعالى وسنته فيما يهمهم ، فيتسع باب الإجتهاد ، و تنشر الشريعة ، وتعظم الحجة التي يمكن أن يعقلها كل أحد ، أو لنحو ذلك . وربما يدعى أنه عليه الصلاة والسلام ظهر ، ولكن كان مستترا في ظهوره ، كما روي أنّ بعض الصحابة أحب أن يرى رسول الله ، فجاء إلى ميمونة ، فأخرجت له مرآته ، فنظر فيها فرأى صورة رسول الله ولم ير صورة نفسه . فهذا من الظهور الذي يدّعيه الصوفية ، إلاّ أنه بحجاب المرآة وليس من باب التمثيل الذي قوي بالنظر إلى مرآته عليه الصلاة والسلام ، وملاحظة أنه كثيرا ما ظهرت فيه صورته حسبما ظنه ابن خلدون . فإن قُبِلَ قولي هذا ، وتوجيهي لذلك الأمر ، فبها ونعمت ، وإلاّ فالقول مشكل ، فاطلب لك ما يحله ، والله سبحانه الموفق للصواب » اهـ. المقصود من كلام الألوسي . فتحصل مما جلبناه ، أولا وآخرا ، أن رؤيته في اليقظة قال بها جماعة من أهل العلم ، وأيّدوها بالحديث الصحيح بناء على أحد محامله ، وهو أظهرها ، وأنها نُقِلتْ عن كثير من أهل الولاية ، وأن ما أقامه بعضهم في وجه إثباتها مدفوع ، كما علمت ، من كلام ابن حجر المكي والألوسي .
    فادعاء الشيخ التجاني رضي الله عنه هذه الرؤية ، لا يصلح أن يكون مجالا للإنكار .
     هذا ما يسّرَهُ الله تعالى في مسألة رؤيته يقظة بعد وفاته . وأما مسألة التلقي منه ، فقد علمت ، مما تقدم أوائل هذه الرسالة ، كلام الإمام الشاطبي فيها ، وقد فرضها في رؤياه المنامية . وحاصل كلامه أن رؤيا غير الأنبياء لا يحكم بها شرعا على حال إلاّ أن تُعْرَض على الشريعة ، فإن سوغنها عمل بمقتضاها ، وخرج على هذا رؤيا الكتاني للنبي صلى الله عليه وسلم وسؤاله إياه دعاء الله أن لا يميت قلبه وقوله له قل : كل يوم أربعين مرة يا حيّ يا قيّوم . وقريب من موضوعنا هذا ، قال الشيخ زروق في الإلهام ، ونقله عنه الشيخ عبد القادر الفاسي في بعض أجوبته ، وهو أنه يعمل به فيما لا ينافي الحكمة ، ولا يغير الحُكم . ونقل عن شيخ شيوخه ، أبي عبد الله محمد القصار ، أنه إذا كان في الأمة محدث أو مكلّم ، كما قال ، فما المانع من أن يقول قيل لي ، أو نوديتُ في سري ؟ وكلام القوم في تصانيفهم أكثر من أن يحصى . أفاض الله علينا من نفحات بركاتهم ، وقد نقلته من الأجوبة بالمعنى مختصرا .
    هذا ، وقد علمت أنّ ما ذكره المعترض على الشيخ التجاني رضي الله عنه لا شيء منه بمخالف للشريعة عند تحقيق النظر. 

    Admin
    Admin

    المساهمات : 1128
    تاريخ التسجيل : 29/04/2015
    العمر : 50

    ما المقصود برؤية النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ؟

    مُساهمة من طرف Admin في الإثنين ديسمبر 19, 2016 6:14 pm


    قال الإمام الغزالي في كتابه المسمى لعل العالم الذي طبعه قريب من طبع العوام يفهم أن من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقد رأى حقيقة شخصه المودع في روضتة المدينة بأن شق القبر وخرج مرتحلا إلى موضع الرؤية, ولا شك في جهل من يتوهم ذلك, فإنه قد يرى ألف مرة في ليلة واحدة في وقت واحد في ألف موضع بأشخاص مختلفة فكيف يتصور شخص واحد في مكانين في لحظة واحدة وكيف يتصور شخص واحد في حالة واحدة بصور مختلفة شيخ وشاب طويل وقصير الخ ويرى على جميع هذه الصور ومن انتهى حمقه إلى هذا الحال فقد انخلع عن ربقة العقل فلا ينبغي أن يخاطب ثم حقق أن المرئي مثال صار واسطة بينه وبينه وذلك أن جوهر النبوة أعني الروح المقدسة الباقية من النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته منزهة عن اللون والشكل والصور, ولكن العبد ذاته بواسطة مثال محسوس من نور وغيره من الصور الجميلة التي تصلح أن تكون مثالا للجمال الحقيقي المعنوي الذي لا صورة له, ولا لون, ويكون ذلك المثال صادقا حقا وواسطة في التعريف فقول الرائي: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام لا بمعنى أني رأيت ذات روحه أو ذات شخصه بل بمعنى أنه رأى مثاله لا مثله ; إذ المثل المساوي في جميع الصفات, والمثال لا يحتاج فيه إلى المساواة ; إذ العقل معنى لا يماثله غيره مماثلة حقيقية ولنا أن نضرب الشمس له مثالا لما بينهما من المناسبة في شيء واحد. وهو أن المحسوسات تنكشف بنور الشمس كما تنكشف المعقولات بالعقل فهذا القدر من المناسبة كاف في المثال ويمثل في النوم السلطان بالشمس, والوزير بالقمر والسلطان لا يماثل الشمس بصورته ولا بمعناه, ولا الوزير يماثل القمر إلا أن السلطان له استعلاء على الكل, ويعم أمره الجميع, والشمس تناسبه في هذا القدر, والقمر واسطة بين الشمس والأرض في إفاضة النور كما أن الوزير والسلطان والرعية في نور العدل فهذا مثال, وليس بمثل, وقال الله – تعالى – الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة الآية , ولا مماثلة بين نوره وبين الزجاجة والمشكاة وعبر النبي صلى الله عليه وسلم عن اللبن في المنام بالإسلام والحبل بالقرآن , وأي مماثلة بين اللبن والإسلام وبين الحبل والقرآن إلا في مناسبة , وهو أن الحبل يتمسك به في النجاة , واللبن غذاء الحياة الظاهرة , والإسلام غذاء الحياة الباطنة فكل من هذه مثال , وليست بمثل ا هـ المراد فمن هنا قال الأصل : إن جواب الصوفية عن استشكال كون رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يرى في مكانين في الآن الواحد بأنه عليه السلام كالشمس ترى في أماكن عدة , وهي واحدة باطل فإن الإشكال لم يرد في رؤيته عليه السلام من مواضع عدة , وهو في مكان واحد حتى يصبح الجواب عنه بذلك بل إنما ورد فيه كيف يرى في مواضع عدة بجملة ذاته عليه السلام مع اتفاق العلماء على أن حلول الجسم الواحد في الزمن الواحد في مكانين محال فأين أحدهما من الآخر فلا يتجه الجواب إلا بأن المرئي مثاله عليه السلام لا ذاته . وكذلك كل مرئي من بحر أو جبل أو آدمي أو غير ذلك إنما يرى مثاله لا هو بذاته وبه يظهر معنى قوله صلى الله عليه وسلم من رآني فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي وأن التقدير من رأى مثالي فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بمثالي, وأن الخبر إنما يشهد بعصمة المثال عن الشيطان, ونص الكرماني في كتابه الكبير في تأويل الرؤيا أن الرسل والكتب المنزلة والملائكة كذلك معصومة عن تمثل الشيطان بمثلها وما عدا ذلك من المثل يمكن حقا ويمكن أن يكون من قبل الشيطان, وأنه تمثل بذلك المثال ا
    من رآني في المنام فسيراني في اليقظة : بفتح القاف أي يوم القيامة رؤية خاصة في القرب منه أو من رآني في المنام ولم يكن يهاجر يوفقه الله للهجرة إلي والتشرف بلقائي ويكون الله تعالى جعل رؤيته في المنام علما على رؤياه في اليقظة وعلى القول الأول ففيه بشارة لرائيه بأنه يموت على الإسلام , وكفى بها بشارة وذلك لأنه لا يراه في القيامة تلك الرؤية الخاصة باعتبار القرب منه إلا من تحققت منه الوفاة على الإسلام . كذا في شرح القسطلاني لصحيح البخاري . أو لكأنما رآني في اليقظة : قال في مرقاة الصعود : هذا شك من الراوي , ومعناه غير الأول لأنه تشبيه وهو صحيح لأن ما رآه في المنام مثالي وما يرى في عالم الحس حسي فهو تشبيه خيالي انتهى .
    وفي فتح الباري : هو تشبيه ومعناه أنه لو رآه في اليقظة لطابق ما رآه في المنام فيكون الأول حقا وحقيقة والثاني حقا وتمثيلا ولا يتمثل الشيطان بيقال القسطلاني هو كالتتميم للمعنى والتعليل للحكم أي لا يحصل له أي للشيطان مثال صورتي , ولا يتشبه بي , فكما منع الله الشيطان أن يتصور بصورته الكريمة في اليقظة كذلك منعه في المنام لئلا يشتبه الحق بالباطل انتهى . قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم .
    قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله : ولم يشك البخاري فيه بل قال من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي .
    وفي الصحيحين من حديث أبي قتادة قال . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رآني في المنام فقد رأى الحق وأخرجه البخاري من حديث أبي سعيد , وزاد ” فإن الشيطان لا يتكونني ” . وفي لفظ له في حديث أبي قتادة فإن الشيطان لا يتراءى بي وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم من رآني في النوم فقد رآني فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي وفي لفظ آخر فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي .
    من رآني في المنام فقد رآني في اليقظة
    (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة : بفتح القاف أي يوم القيامة رؤية خاصة في القرب منه أو من رآني في المنام ولم يكن يهاجر يوفقه الله للهجرة إلي والتشرف بلقائي ويكون الله تعالى جعل رؤيته في المنام علما على رؤياه في اليقظة وعلى القول الأول ففيه بشارة لرائيه بأنه يموت على الإسلام , وكفى بها بشارة وذلك لأنه لا يراه في القيامة تلك الرؤية الخاصة باعتبار القرب منه إلا من تحققت منه الوفاة على الإسلام . كذا في شرح القسطلاني لصحيح البخاري . أو لكأنما رآني في اليقظة : قال في مرقاة الصعود : هذا شك من الراوي , ومعناه غير الأول لأنه تشبيه وهو صحيح لأن ما رآه في المنام مثالي وما يرى في عالم الحس حسي فهو تشبيه خيالي انتهى .
    وفي فتح الباري : هو تشبيه ومعناه أنه لو رآه في اليقظة لطابق ما رآه في المنام فيكون الأول حقا وحقيقة والثاني حقا وتمثيلا ولا يتمثل الشيطان بي قال القسطلاني هو كالتتميم للمعنى والتعليل للحكم أي لا يحصل له أي للشيطان مثال صورتي , ولا يتشبه بي , فكما منع الله الشيطان أن يتصور بصورته الكريمة في اليقظة كذلك منعه في المنام لئلا يشتبه الحق بالباطل انتهى . قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم .
    قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله : ولم يشك البخاري فيه بل قال من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي .
    وفي الصحيحين من حديث أبي قتادة قال . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رآني في المنام فقد رأى الحق وأخرجه البخاري من حديث أبي سعيد , وزاد ” فإن الشيطان لا يتكونني ” . وفي لفظ له في حديث أبي قتادة فإن الشيطان لا يتراءى بي وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم من رآني في النوم فقد رآني فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي وفي لفظ آخر فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي .
    حدثنا علي بن محمد حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من رآني في المنام فقد رآني في اليقظة فإن الشيطان لا يتمثل على صورتي
    قوله ( فقد رآني في اليقظة ) أي فرؤياه حق بحيث كان رؤيته تلك رؤية في اليقظة ( لا يتمثل ) أي لا يظهر بحيث يظن الرائي أنه النبي صلى الله عليه وسلم قيل هذا يختص بصورته المعهودة فيعرض على الشمائل الشريفة المعروفة فإن طابقت الصورة المرئية تلك الشمائل فهي رؤيا حق وإلا فالله أعلم بذلك وقيل بل في أي صورة كانت وقد رجحه كثير بأن الاختلاف إنما يجيء من أحوال الرائي وغيره والله أعلم قيل وجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم مظهر الاسم الهادي ولذلك قال تعالى وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم والشيطان مظهر المضل والهداية والإضلال ضدان فمنع الشيطان عن ظهور صورته صلى الله عليه وسلم
    وقال ابن بطال قوله ” فسيراني في اليقظة ” يريد تصديق تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها وخروجها على الحق وليس المراد أنه يراه في الآخرة لأنه سيراه يوم القيامة في اليقظة فتراه جميع أمته من رآه في النوم ومن لم يره منهم .
    وقال ابن التين : المراد من آمن به في حياته ولم يره لكونه حينئذ غائبا عنه فيكون بهذا مبشرا لكل من آمن به ولم يره أنه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته قاله القزاز ,
    وقال المازري إن كان المحفوظ ” فكأنما رآني في اليقظة ” فمعناه ظاهر وإن كان المحفوظ ” فسيراني في اليقظة ” احتمل أن يكون أراد أهل عصره ممن يهاجر إليه فإنه إذا رآه في المنام جعل علامة على أنه يراه بعد ذلك في اليقظة وأوحى الله بذلك إليه صلى الله عليه وسلم .
    وقال القاضي : وقيل معناه سيرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها , وقيل معنى الرؤيا في اليقظة أنه سيراه في الآخرة وتعقب بأنه في الآخرة يراه جميع أمته من رآه في المنام ومن لم يره يعني فلا يبقى لخصوص رؤيته في المنام مزية , وأجاب القاضي عياض باحتمال أن تكون رؤياه له في النوم على الصفة التي عرف بها ووصف عليها موجبة لتكرمته في الآخرة وأن يراه رؤية خاصة من القرب منه والشفاعة له بعلو الدرجة ونحو ذلك من الخصوصيات , قال ولا يبعد أن يعاقب الله بعض المذنبين في القيامة بمنع رؤية نبيه صلى الله عليه وسلم مدة . وحمله ابن أبي جمرة على محمل آخر فذكر عن ابن عباس أو غيره أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فبقي بعد أن استيقظ متفكرا في هذا الحديث فدخل على بعض أمهات المؤمنين ولعلها خالته ميمونة فأخرجت له المرآة التي كانت للنبي صلى الله عليه وسلم فنظر فيها فرأى صورة النبي صلى الله عليه وسلم ولم ير صورة نفسه , ونقل عن جماعة من الصالحين أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها فجاء الأمر كذلك . قلت : وهذا مشكل جدا ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة , ويعكر عليه أن جمعا جما رأوه في المنام ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة وخبر الصادق لا يتخلف , وقد اشتد إنكار القرطبي على من قال من رآه في المنام فقد رأى حقيقته ثم يراها كذلك في اليقظة كما تقدم قريبا , وقد تفطن ابن أبي جمرة لهذا فأحال بما قال على كرامات الأولياء فإن يكن كذلك تعين العدول عن العموم في كل راء ثم ذكر أنه عام في أهل التوفيق وأما غيرهم فعلى الاحتمال , فإن خرق العادة قد يقع للزنديق بطريق الإملاء والإغواء كما يقع للصديق بطريق الكرامة والإكرام , وإنما تحصل التفرقة بينهما باتباع الكتاب والسنة انتهى .
    والحاصل من الأجوبة ستة :
    1- أنه على التشبيه والتمثيل , ودل عليه قوله في الرواية الأخرى ” فكأنما رآني في اليقظة ” .
    2- أن معناها سيرى في اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة أو التعبير.
    3- أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه.
    4- أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ذلك وهذا من أبعد المحامل .
    5- أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية لا مطلق من يراه حينئذ ممن لم يره في المنام .
    6- أنه يراه في الدنيا حقيقة ويخاطبه وفيه ما تقدم من الإشكال .
    تقدم أن المدرك إنما هو المثال , وبه خرج الجواب عن كون رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى في الآن الواحد في مكانين فإن المرئي في المكانين مثالان فلا إشكال إذا تعددت المظروفات بتعدد الظروف إذ المشكل أن يكون في مكانين في زمان واحد , وأجاب الصوفية بأنه عليه السلام كالشمس ترى في أماكن عدة , وهي واحدة , وهو باطل فإنه عليه السلام يراه زيد في بيته ويراه عمرو بجملته في بيته أو داخل مسجده والشمس إنما ترى من أماكن عدة , وهي في مكان واحد فلو رئيت داخل بيت بجرمها استحال رؤية جرمها في داخل بيت آخر , وهو الذي يوازن رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتين أو مسجدين , والإشكال لم يرد رؤيته عليه السلام من مواضع عدة , وهو في مكان واحد إنما ورد فيه كيف يرى في مواضع عدة بجملة ذاته عليه السلام فأين أحدهما من الآخر مع اتفاق العلماء على أن حلول الجسم الواحد في الزمن الواحد في مكانين محال فلا يتجه الجواب إلا بأن المرئي مثاله عليه السلام لا ذاته , وكذلك كل مرئي من بحر أو جبل أو آدمي أو غيره إنما يرى مثاله لا هو بذاته , وبه يظهر معنى قوله عليه السلام : من رآني فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي وأن التقدير من رأى مثالي فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بمثالي , وأن الخبر إنما يشهد بعصمة المثال عن الشيطان , ونص الكرماني في كتابه الكبير في تأويل الرؤيا أن الرسل والكتب المنزلة والملائكة أيضا كذلك معصومة عن تمثل الشيطان بمثلها وما عدا ذلك من المثل يمكن أن يكون حقا ويمكن أن يكون من قبل الشيطان وأنه تمثل بذلك المثال
    وقال القرطبي قد تقرر أن الذي يرى في المنام أمثلة للمرئيات لا أنفسها , غير أن تلك الأمثلة تارة تقع مطابقة وتارة يقع معناها , فمن الأول رؤياه صلى الله عليه وسلم عائشة وفيه ” فإذا هي أنت ” فأخبر أنه رأى في اليقظة ما رآه في نومه بعينه ومن الثاني رؤيا البقر التي تنحر والمقصود بالثاني التنبيه على معاني تلك الأمور ,
    ومن فوائد رؤيته صلى الله عليه وسلم تسكين شوق الرائي لكونه صادقا في محبته ليعمل على مشاهدته , وإلى ذلك الإشارة بقوله ” فسيراني في اليقظة ” أي من رآني رؤية معظم لحرمتي ومشتاق إلى مشاهدتي وصل إلى رؤية محبوبه وظفر بكل مطلوبه , قال ويجوز أن يكون مقصود تلك الرؤيا معنى صورته وهو دينه وشريعته , فيعبر بحسب ما يراه الرائي من زيادة ونقصان أو إساءة وإحسان . قلت : وهذا جواب سابع والذي قبله لم يظهر لي فإن ظهر فهو ثامن .
    قوله ولا يتمثل الشيطان بي في رواية أنس في الحديث الذي بعده فإن الشيطان لا يتمثل بي ومضى في كتاب العلم من حديث أبي هريرة مثله لكن قال لا يتمثل في صورتي وفي حديث جابر عند مسلم وابن ماجه إنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل بي وفي حديث ابن مسعود عند الترمذي وابن ماجه إن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل بي وفي حديث أبي قتادة الذي يليه وإن الشيطان لا يتراءى ” بالراء بوزن يتعاطى , ومعناه لا يستطيع أن يصير مرئيا بصورتي , وفي رواية غير أبي ذر ” يتزايا ” بزاي وبعد الألف تحتانية , وفي حديث أبي سعيد في آخر الباب فإن الشيطان لا يتكونني أما قوله ” لا يتمثل بي ” فمعناه ” لا يتشبه بي ” وأما قوله في صورتي ” فمعناه لا يصير كائنا في مثل صورتي , وأما قوله ” لا يتراءى بي ” فرجح بعض الشراح رواية الزاي عليها أي لا يظهر في زيي , وليست الرواية الأخرى ببعيدة من هذا المعنى , وأما قوله لا يتكونني أي لا يتكون كوني فحذف المضاف ووصل المضاف إليه بالفعل والمعنى لا يتكون في صورتي , فالجميع راجع إلى معنى واحد , وقوله ” لا يستطيع ” يشير إلى أن الله تعالى وإن أمكنه من التصور في أي صورة أراد فإنه لم يمكنه من التصور في صورة النبي صلى الله عليه وسلم .
    وقد ذهب إلى هذا جماعة فقالوا في الحديث : إن محل ذلك إذا رآه الرائي على صورته التي كان عليها , ومنهم من ضيق الغرض في ذلك حتى قال لا بد أن يراه على صورته التي قبض عليها حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التي لم تبلغ عشرين شعرة ,
    والصواب التعميم في جميع حالاته بشرط أن تكون صورته الحقيقية في وقت ما سواء كان في شبابه أو رجوليته أو كهوليته أو آخر عمره , وقد يكون لما خالف ذلك تعبير يتعلق بالرائي قال المازري اختلف المحققون في تأويل هذا الحديث فذهب القاضي أبو بكر بن الطيب إلى أن المراد بقوله من رآني في المنام فقد رآني أن رؤياه صحيحة لا تكون أضغاثا ولا من تشبيهات الشيطان , قال ويعضده قوله في بعض طرقه ” فقد رأى الحق ” قال وفي قوله ” فإن الشيطان لا يتمثل بي ” إشارة إلى أن رؤياه لا تكون أضغاثا . ثم قال المازري وقال آخرون بل الحديث محمول على ظاهره والمراد أن من رآه فقد أدركه ولا مانع يمنع من ذلك ولا عقل يحيله حتى يحتاج إلى صرف الكلام عن ظاهره , وأما كونه قد يرى على غير صفته أو يرى في مكانين مختلفين معا فإن ذلك غلط في صفته وتخيل لها على غير ما هي عليه وقد يظن بعض الخيالات مرئيات لكون ما يتخيل مرتبطا بما يرى في العادة فتكون ذاته صلى الله عليه وسلم مرئية وصفاته متخيلة غير مرئية , والإدراك لا يشترط فيه تحديق البصر ولا قرب المسافة ولا كون المرئي ظاهرا على الأرض أو مدفونا , وإنما يشترط كونه موجودا , ولم يقم دليل على فناء جسمه صلى الله عليه وسلم بل جاء في الخبر الصحيح ما يدل على بقائه وتكون ثمرة اختلاف الصفات اختلاف الدلالات كما قال بعض علماء التعبير إن من رآه شيخا فهو عام سلم أو شابا فهو عام حرب , ويؤخذ من ذلك ما يتعلق بأقواله كما لو رآه أحد يأمره بقتل من لا يحل قتله فإن ذلك يحمل على الصفة المتخيلة لا المرئية . وقال القاضي عياض : يحتمل أن يكون معنى الحديث إذا رآه على الصفة التي كان عليها في حياته لا على صفة مضادة لحاله فإن رئي على غيرها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة , فإن من الرؤيا ما يخرج على وجهه ومنها ما يحتاج إلى تأويل . وقال النووي هذا الذي قاله القاضي ضعيف , بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها كما ذكره المازري وهذا الذي رده الشيخ تقدم عن محمد بن سيرين إمام المعبرين اعتباره والذي قاله القاضي توسط حسن , ويمكن الجمع بينه وبين ما قاله المازري بأن تكون رؤياه على الحالين حقيقة لكن إذا كان على صورته كأن يرى في المنام على ظاهره لا يحتاج إلى تعبير وإذا كان على غير صورته كان النقص من جهة الرائي لتخيله الصفة على غير ما هي عليه ويحتاج ما يراه في ذلك المنام إلى التعبير , وعلى ذلك جرى علماء التعبير فقالوا : إذا قال الجاهل رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يسأل عن صفته فإن وافق الصفة المروية وإلا فلا يقبل منه وأشاروا إلى ما إذا رآه على هيئة تخالف هيئته مع أن الصورة كما هي فقال أبو سعد أحمد بن محمد بن نصر : من رأى نبيا على حاله وهيئته فذلك دليل على صلاح الرائي وكمال جاهه وظفره بمن عاداه ومن رآه متغير الحال عابسا مثلا فذاك دال على سوء حال الرائي , ونحا الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة إلى ما اختاره النووي فقال بعد أن حكى الخلاف : ومنهم من قال إن الشيطان لا يتصور على صورته أصلا فمن رآه في صورة حسنة فذاك حسن في دين الرائي وإن كان في جارحة من جوارحه شين أو نقص فذاك خلل في الرائي من جهة الدين , قال وهذا هو الحق وقد جرب ذلك فوجد على هذا الأسلوب , وبه تحصل الفائدة الكبرى في رؤياه حتى يتبين للرائي هل عنده خلل أو لا , لأنه صلى الله عليه وسلم نوراني مثل المرآة الصقيلة ما كان في الناظر إليها من حسن أو غيره تصور فيها وهي في ذاتها على أحسن حال لا نقص فيها ولا شين وكذلك قال في كلامه صلى الله عليه وسلم في النوم إنه يعرض على سنته فما وافقها فهو حق وما خالفها فالخلل في سمع الرائي , فرؤيا الذات الكريمة حق والخلل إنما هو في سمع الرائي أو بصره , قال وهذا خير ما سمعته في ذلك . ثم حكى القاضي عياض عن بعضهم قال خص الله نبيه بعموم رؤياه كلها ومنع الشيطان أن يتصور في صورته لئلا يتذرع بالكذب على لسانه في النوم , ولما خرق الله العادة للأنبياء للدلالة على صحة حالهم في اليقظة واستحال تصور الشيطان على صورته في اليقظة ولا على صفة مضادة لحاله إذ لو كان ذلك لدخل اللبس بين الحق والباطل ولم يوثق بما جاء من جهة النبوة , حمى الله حماها لذلك من الشيطان وتصوره وإلقائه وكيده , وكذلك حمى رؤياهم أنفسهم ورؤيا غير النبي للنبي عن تمثيل بذلك لتصح رؤياه في الوجهين ويكون طريقا إلى علم صحيح لا ريب فيه
    ولم يختلف العلماء في جواز رؤية الله تعالى في المنام وساق الكلام على ذلك . قلت : ويظهر لي في التوفيق بين جميع ما ذكروه أن من رآه على صفة أو أكثر مما يختص به فقد رآه ولو كانت سائر الصفات مخالفة , وعلى ذلك فتتفاوت رؤيا من رآه فمن رآه على هيئته الكاملة فرؤياه الحق الذي لا يحتاج إلى تعبير وعليها يتنزل قوله ” فقد رأى الحق ومهما نقص من صفاته فيدخل التأويل بحسب ذلك ويصح إطلاق أن كل من رآه في أي حالة كانت من ذلك فقد رآه حقيقة .
    ( تنبيه ) : جوز أهل التعبير رؤية الباري عز وجل في المنام مطلقا ولم يجروا فيها الخلاف في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وأجاب بعضهم عن ذلك بأمور قابلة للتأويل في جميع وجوهها فتارة يعبر بالسلطان وتارة بالوالد وتارة بالسيد وتارة بالرئيس في أي فن كان فلما كان الوقوف على حقيقة ذاته ممتنعا وجميع من يعبر به يجوز عليهم الصدق والكذب كانت رؤياه تحتاج إلى تعبير دائما , بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم فإذا رئي على صفته المتفق عليها وهو لا يجوز عليه الكذب كانت في هذه الحالة حقا محضا لا يحتاج إلى تعبير .
    وقال الغزالي ليس معنى قوله ” رآني ” أنه رأى جسمي وبدني وإنما المراد أنه رأى مثالا صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسي إليه وكذلك قوله ” فسيراني في اليقظة ” ليس المراد أنه يرى جسمي وبدني , قال والآلة تارة تكون حقيقة وتارة تكون خيالية , والنفس غير المثال المتخيل , فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى ولا شخصه بل هو مثال له على التحقيق , قال ومثل ذلك من يرى الله سبحانه وتعالى في المنام فإن ذاته منزهة عن الشكل والصورة ولكن تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره , ويكون ذلك المثال حقا في كونه واسطة في التعريف فيقول الرائي رأيت الله تعالى في المنام لا يعني أني رأيت ذات الله تعالى كما يقول في حق غيره . وقال أبو قاسم القشيري ما حاصله : إن رؤياه على غير صفته لا تستلزم إلا أن يكون هو فإنه لو رأى الله على وصف يتعالى عنه وهو يعتقد أنه منزه عن ذلك لا يقدح في رؤيته بل يكون لتلك الرؤيا ضرب من التأويل كما قال الواسطي من رأى ربه على صورة شيخ كان إشارة إلى وقار الرائي وغير ذلك . وقال الطيبي المعنى من رآني في المنام بأي صفة كانت فليستبشر ويعلم أنه قد رأى الرؤيا الحق التي هي من الله وهي مبشرة لا الباطل الذي هو الحلم المنسوب للشيطان فإن الشيطان لا يتمثل بي .
    وكذا قوله ” فقد رأى الحق ” أي رؤية الحق لا الباطل , وكذا قوله ” فقد رآني ” فإن الشرط والجزاء إذا اتحدا دل على الغاية في الكمال , أي فقد رآني رؤيا ليس بعدها شيء . وذكر الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ما ملخصه : أنه يؤخذ من قوله فإن الشيطان لا يتمثل بي أن من تمثلت صورته صلى الله عليه وسلم في خاطره من أرباب القلوب وتصورت له في عالم سره أنه يكلمه أن ذلك يكون حقا , بل ذلك أصدق من مرأى غيرهم لما من الله به عليهم من تنوير قلوبهم انتهى . وهذا المقام الذي أشار إليه هو الإلهام , وهو من جملة أصناف الوحي إلى الأنبياء , ولكن لم أر في شيء من الأحاديث وصفه بما وصفت به الرؤيا أنه جزء من النبوة .
    وقد قيل في الفرق بينهما : إن المنام يرجع إلى قواعد مقررة وله تأويلات مختلفة ويقع لكل أحد , بخلاف الإلهام فإنه لا يقع إلا للخواص ولا يرجع إلى قاعدة يميز بها بينه وبين لمة الشيطان , وتعقب بأن أهل المعرفة بذلك ذكروا أن الخاطر الذي يكون من الحق يستقر ولا يضطرب والذي يكون من الشيطان يضطرب ولا يستقر فهذا إن ثبت كان فارقا واضحا , ومع ذلك فقد صرح الأئمة بأن الأحكام الشرعية لا تثبت بذلك قال أبو المظفر بن السمعاني في ” القواطع ” بعد أن حكى عن أبي زيد الدبوسي من أئمة الحنفية أن الإلهام ما حرك القلب لعلم يدعو إلى العمل به من غير استدلال : والذي عليه الجمهور أنه لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها في باب المباح , وعن بعض المبتدعة أنه حجة واحتج بقوله تعالى فألهمها فجورها وتقواها وبقوله وأوحى ربك إلى النحل أي ألهمها حتى عرفت مصالحها , فيؤخذ منه مثل ذلك للآدمي بطريق الأولى , وذكر فيه ظواهر أخرى ومنه الحديث قوله صلى الله عليه وسلم اتقوا فراسة المؤمن ” وقوله لوابصة ما حاك في صدرك فدعه وإن أفتوك فجعل شهادة قلبه حجة مقدمة على الفتوى , وقوله ” قد كان في الأمم محدثون ” فثبت بهذا أن الإلهام حق وأنه وحي باطن , وإنما حرمه العاصي لاستيلاء وحي الشيطان عليه قال وحجة أهل السنة الآيات الدالة على اعتبار الحجة والحث على التفكر في الآيات والاعتبار والنظر في الأدلة وذم الأماني والهواجس والظنون وهي كثيرة مشهورة , وبأن الخاطر قد يكون من الله وقد يكون من الشيطان وقد يكون من النفس , وكل شيء احتمل أن لا يكون حقا لم يوصف بأنه حق قال والجواب عن قوله فألهمها فجورها وتقواها أن معناه عرفها طريق العلم وهو الحجج , وأما الوحي إلى النحل فنظيره في الآدمي فيما يتعلق بالصنائع وما فيه صلاح المعاش , وأما الفراسة فنسلمها لكن لا نجعل شهادة القلب حجة لأنا لا نتحقق كونها من الله أو من غيره انتهى ملخصا . قال ابن السمعاني وإنكار الإلهام مردود , ويجوز أن يفعل الله بعبده ما يكرمه به ولكن التمييز بين الحق والباطل في ذلك أن كل ما استقام على الشريعة المحمدية ولم يكن في الكتاب والسنة ما يرده فهو مقبول , وإلا فمردود يقع من حديث النفس ووسوسة الشيطان , ثم قال ونحن لا ننكر أن الله يكرم عبده بزيادة نور منه يزداد به نظره ويقوى به رأيه وإنما ننكر أن يرجع إلى قلبه بقول لا يعرف أصله , ولا نزعم أنه حجة شرعية وإنما هو نور يختص الله به من يشاء من عباده فإن وافق الشرع كان الشرع هو الحجة انتهى .
    ويؤخذ من هذا ما تقدم التنبيه عليه أن النائم لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأمره بشيء هل يجب عليه امتثاله ولا بد أو لا بد أن يعرضه على الشرع الظاهر , فالثاني هو المعتمد كما تقدم .
    ( تنبيه ) : وقع في المعجم الأوسط للطبراني من حديث أبي سعيد مثل أول حديث في الباب بلفظه لكن زاد فيه ” ولا بالكعبة ” وقال لا تحفظ هذه اللفظة إلا في هذا الحديث .
    من رآني في المنام فسيراني في اليقظة
    وحدثني أبو الطاهر وحرملة قالا أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أو لكأنما رآني في اليقظة لا يتمثل الشيطان بي
    وقال فقال أبو سلمة قال أبو قتادة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رآني فقد رأى الحق وحدثنيه زهير بن حرب حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن أخي الزهري حدثنا عمي فذكر الحديثين جميعا بإسناديهما سواء مثل حديث يونس
    وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث ح وحدثنا ابن رمح أخبرنا الليث عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من رآني في النوم فقد رآني إنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي وقال إذا حلم أحدكم فلا يخبر أحدا بتلعب الشيطان به في المنام
    وحدثني محمد بن حاتم حدثنا روح حدثنا زكرياء بن إسحاق حدثني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رآني في النوم فقد رآني فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي
    قوله صلى الله عليه وسلم من رآني في المنام فسيراني في اليقظة , أو لكأنما رآني في اليقظة قال العلماء: إن كان الواقع في نفس الأمر فكأنما رآني فهو كقوله صلى الله عليه وسلم ” فقد رآني ” أو ” فقد رأى الحق ” , كما سبق تفسيره , وإن كان سيراني في اليقظة ففيه أقوال : أحدها المراد به أهل عصره , ومعناه أن من رآه في النوم , ولم يكن هاجر يوفقه الله تعالى للهجرة . ورؤيته صلى الله عليه وسلم في اليقظة عيانا.
    والثاني معناه أنه يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار الآخرة ; لأنه يراه في الآخرة جميع أمته من رآه في الدنيا , ومن لم يره .
    والثالث يراه في الآخرة رؤية خاصته في القرب منه وحصول شفاعته ونحو ذلك. والله أعلم.
    وقال فقال أبو سلمة قال أبو قتادة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رآني فقد رأى الحق وحدثنيه زهير بن حرب حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن أخي الزهري حدثنا عمي فذكر الحديثين جميعا بإسناديهما سواء مثل حديث يونس
    وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث ح وحدثنا ابن رمح أخبرنا الليث عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من رآني في النوم فقد رآني إنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي وقال إذا حلم أحدكم فلا يخبر أحدا بتلعب الشيطان به في المنام
    وحدثني محمد بن حاتم حدثنا روح حدثنا زكرياء بن إسحاق حدثني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رآني في النوم فقد رآني فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي
    هل يرى الرائي ذاته الشريفة حقيقة أو يرى مثالا يحكيها
    ومنها : يجوز رؤيته عليه الصلاة والسلام في اليقظة والمنام باتفاق الحفاظ , وإنما اختلفوا هل يرى الرائي ذاته الشريفة حقيقة أو يرى مثالا يحكيها , فذهب إلى الأول جماعة وذهب إلى الثاني الغزالي والقرافي واليافعي وآخرون , واحتج الأولون بأنه سراج الهداية ونور الهدى وشمس المعارف كما يرى النور والسراج والشمس من بعد , والمرئي جرم الشمس بأعراضه فكذلك البدن الشريف , فلا تفارق ذاته القبر الشريف , بل يخرق الله الحجب للرائي ويزيل الموانع حتى يراه كل راء ولو من المشرق والمغرب أو تجعل الحجب شفافة لا تحجب ما وراءها , والذي جزم به القرافي أن رؤياه مناما إدراك بجزء لم تحله آفة النوم من القلب فهو بعين البصيرة لا بعين البصر بدليل أنه قد يراه الأعمى .
    وقد حكى ابن أبي جمرة وجماعة أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يقظة . وروي : من رآني مناما فسيراني يقظة . ومنكر ذلك محروم لأنه إن كان ممنرؤية النبي صلى الله عليه وسلم في مكانين في آن واحد
    حكم قول النبي صلى الله عليه وسلم أو فعله في الرؤيا
    من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يقول قولا أو يفعل فعلا فهل يكون قوله هذا أو فعله حجة يترتب عليها الحكم أو لا ؟ .
    ذكر الشوكاني في ذلك ثلاثة أقوال : –
    1- أنه يكون حجة ويلزم العمل به , وقد ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم منها الأستاذ أبو إسحاق ; لأن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام حق والشيطان لا يتمثل به .
    2- أ نه لا يكون حجة ولا يثبت به حكم شرعي ; لأن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وإن كانت رؤيا حق وأن الشيطان لا يتمثل به لكن النائم ليس من أهل التحمل للرواية لعدم حفظه .
    3- أنه يعمل بذلك ما لم يخالف شرعا ثابتا .
    قال الشوكاني : ولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم قد كمله الله عز وجل وقال : اليوم أكملت لكم دينكم ولم يأتنا دليل يدل على أن رؤيته في النوم بعد موته صلى الله عليه وسلم إذا قال فيها بقول , أو فعل فيها فعلا يكون دليلا وحجة , بل قبضه الله إليه بعد أن كمل لهذه الأمة ما شرعه لها على لسانه ولم يبق بعد ذلك حاجة للأمة في أمر دينها , وقد انقطعت البعثة لتبليغ الشرائع , وتبيينها بالموت وإن كان رسولا حيا وميتا , وبهذا تعلم أنا لو قدرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله صلى الله عليه وسلم أو فعله حجة عليه ولا على غيره من الأمة . وذكر صاحب تهذيب الفروق أيضا أنه لا يلزم من صحة الرؤيا التعويل عليها في حكم شرعي لاحتمال الخطأ في التحمل وعدم ضبط الرائي , ثم ذكر بعد ذلك ما يدل على أن ما يثبت في اليقظة مقدم على ما ثبت بالنوم عند التعارض , قال العز بن عبد السلام لرجل رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يقول له إن في المحل الفلاني ركازا اذهب فخذه ولا خمس عليك فذهب ووجده واستفتى ذلك الرجل العلماء , فقال له العز : أخرج الخمس فإنه ثبت بالتواتر , وقصارى رؤيتك الآحاد , فلذلك لما اضطربت آراء الفقهاء بالتحريم وعدمه فيمن رآه عليه السلام في المنام فقال له إن امرأتك طالق ثلاثا وهو يجزم أنه لم يطلقها لتعارض خبره عليه السلام عن تحريمها في النوم , وإخباره في اليقظة في شريعته المعظمة أنها مباحة له , استظهر الأصل أن إخباره عليه السلام في اليقظة مقدم على الخبر في النوم لتطرق الاحتمال للرائي بالغلط في ضبطه المثال قال : فإذا عرضنا على أنفسنا احتمال طرو الطلاق مع الجهل به واحتمال طرو الغلط في المثال في النوم وجدنا الغلط في المثال أيسر وأرجح , أما ضبط عدم الطلاق فلا يختل إلا على النادر من الناس , والعمل بالراجح متعين , وكذلك لو قال عن حلال إنه حرام , أو عن حرام إنه حلال , أو عن حكم من أحكام الشريعة قدمنا ما ثبت في اليقظة على ما رأى في النوم , كما لو تعارض خبران من أخبار اليقظة صحيحان فإنا نقدم الأرجح بالسند , أو باللفظ , أو بفصاحته , أو قلة الاحتمال في المجاز أو غيره , فما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أحدا في المنام
    ومن لطائف المقام ما في الفيض عن شيخ الإسلام زكريا أنه سئل عن رجل رأى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول مر أمتي بصيام ثلاثة أيام وأن يعيدوا بعدها ويخطبون فهل يجب الصوم أو يندب أو يجوز أو يحرم فأجاب لا يجب شيء من ذلك ولا يندب بل يكره أو يحرم ولكن إن غلب على الظن صدق الرؤيا فله العمل بما دلت عليه ما لم يكن فيه تغيير شرع ويحرم على الرائي أن يقول أمركم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بكذا بل يأتي بما رآه
    كذلك خبر اليقظة وخبر النوم يخرجان على هذه القاعدة.
    وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد واله وصحبه وبارك وسلم 

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 14, 2017 9:06 pm