السعادة والصفاء

السعادة والصفاء

سر الوصول إلى السعادة والصفاء والسلام النفسي ،أسراروأنوار القلوب التى صفت وأشرقت بعلوم الإلهام وأشرفت على سماوات القرب وفاضت بعلوم لدنية ومعارف علوية وأسرار سماوية



    كيف نتأسى بسيدنا رسول الله في إسرائه ومعراجه؟

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 1162
    تاريخ التسجيل : 29/04/2015
    العمر : 51

    كيف نتأسى بسيدنا رسول الله في إسرائه ومعراجه؟

    مُساهمة من طرف Admin في الجمعة أبريل 29, 2016 8:29 am

    كيف نتأسى بسيدنا رسول الله في إسرائه ومعراجه؟

    نحن جميعاً علمنا كيف نتأسى به في الملبس، وكيف نقتدي بهديه في المطعم، وكيف نكون كحاله في المشرب، وكيف ننفذ هيئته وسنته في المشي والكلام ومعاشرة الزوجات والأولاد والجيران والأقارب وغيرها من خصال البر والخير، لكن كيف نتأسى به في الإسراء والمعراج؟




    فنحن جميعاً نعتقد أن هذا أمرٌ قد خصَّه به الله،، ولم يخص به أحدٌ سواه ولو مِنْ أنبياء الله ورسل الله عليهم السلام أجمعين. لكن يا إخواني الأمر سهل ويسيروالله عزَّ وجلَّ يضرب لنا المثل جميعاً لحضرة البشير النذير صلَّى الله عليه وسلَّم.

    فنحن نسير في ضروب هذه الحياة نتعرض للمشاكل ونتعرض للمصائب ونتعرض للمتاعب، ونتعرض لفنون وألوان من تعب النفس، أو من قلق القلب أو من عذاب الضمير، أو غيرها من أنواع الآلام النفسية أو الاجتماعية أو الأسرية.

    ما العلاج الأمثل لهذه الآلام؟ وما المفتاح السحري الذي يقضي على كل هذه المواجع والمشاكل في لمح البصر أو في طرفة عين أو أقل؟

    مهما تعرضنا لصنوف البلاء ولأنواع الإيذاء فلن نتعرض لما تعرض له سيد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، فمن مكث في قومه أو في بلدة عشرة سنين يدعوهم إلى الله ويأمرهم بتوحيد الله، وينهاهم عن عبادة الأصنام والأوثان، لا يطلب منهم مالاً ولا يطلب منهم جاهاً أو سلطاناً، ولا يطلب منهم مكانة أو منزلة على هذا الأمر، بل إنما يقول لهم كما قال الله عنه وعن جميع أنبياء الله:

    { فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ} (72يونس). 

    ومع ذلك كذّبوه، ولم يكتفوا بذلك بل سبّوه وشتموه وعابوه، وجرحوه وأهانوه، ولم يكتفوا بذلك بل كانوا يقلِّبُون العرب والملأ والقبائل عليه، ويقبّحون صورته، ويشنّعون على دعوته، ويتهمونه بما لا يستطيع واحدٌ منّا أن يتحمل تهمة واحدة منها في حياته الدنيا

     ولم يكتفوا بذلك بل أخرجوه وطردوه، فذهب إلى الطائف يرجو خير أهلها ويدعوهم إلى الله عزَّ وجلَّ، لكنهم قد أرسلوا قبْله من يحرّضهم عليه، فقاموا بإيذائه حتى خرج من البلد، وعند خروجه من البلد أمروا من عندهم من العبيد والصبيان أن يطاردونه ويسبّونه ويشتمونه ويقذفونه بالحجارة حتى دَميت قدماه الشريفتان صلوات الله وسلامه عليه، كل هذا في سبيل تبليغ دعوة الله وتنفيذ أمر الله عزَّ وجلَّ، فينزل عليه إلهام الله في الحال بماذا يصنع؟

    فرفع الأمر إلى الله لأنه يعلم أن تسيير دفة الأمور كلها بيد الله عزَّ وجلَّ. ولو شاء لهدى الناس جميعاً لكنه يهدي من يشاء، ويضل من يشاء لحكمة يعلمها عزَّ وجلَّ في علمه الأزلي ولن نعلمها جميعاً إلا يوم العرض والجزاء، فندرك حكمة ذلك فيمن يشاء  سبحانه وتعالى.

    فرفع الأمر إلى الله واستجار بالله وقال فيما أنبأنا عنه الرواة:

    {اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى عَدُّوَ يَتَجَهَّمُنِي، أَمْ إِلَى قَرِيبٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إِنْ لَمْ تَكُنْ سَاخِطَاً عَلَيَّ فَلاَ أُبَالِي، غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي. أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الْكَرِيمُ الذِي أَضَاءَتْ لَهُ السَّموَاتُ وَالأَرْضُ، وَأَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، أَنْ تُحِلَّ عَلَيَّ غَضَبَكَ، أَوْ تُنْزِلَ عَلَيَّ سَخَطَكَ، وَلَكَ الْعُتْبَى? حَتَّى تَرْضَى?، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِكَ }(1 ) 

    مفتاح عظيم فتح به النّبِيُّ الكريم أبواب الإجابة في السماوات، ففتحت أبوابها، وتحركت جنودها، ووقفوا جميعاً على أهبة الاستعداد، وقدموا طلبات إلى المُنعم الجواد، يستأذنونه في النزول لتنفيذ أمر هذا النَّبِيِّ الكريم صلوات الله وسلامه عليه.

    هذا المفتاح يا إخواني سلَّمه الله عزَّ وجلَّ لرسوله وألهمه به، وسلمه صلَّى الله عليه وسلَّم لنا، فلا يقع واحد منا في كرب، ولا تصيبه نكبة، ولا يلم به شدة، فيتوجه بهذا الدعاء إلى الله إلا وتفتح له أبواب السماء في الحال، وتنزل له من عند الله جنود لا يعلمها إلا الواحد المتعال، تكون طوع أمره، ورهن إشارته، لأنه تأسى برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

    فإنه صلَّى الله عليه وسلَّم ما كاد ينتهي من الدعاء، واسمعوا لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: 

    { فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي. فَقَالَ: إنَّ اللّهَ عزَّ وجلَّ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ. ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إنَّ اللّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ. فَمَا شِئْتَ؟ إنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ (جبلين محيطين بمكة)، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللّهَ وَحْدَهُ، لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً }(2 ). 

    وهكذا علّمنا وأدّبنا، علمنا ألا ندعو حتى على أعدائنا في وقت الشدة، فضلاً عن أنفسنا، وفضلاً عن أهلينا، وفضلاً عن أموالنا، وفضلاً عن أبنائنا، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: 

    {لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَوْلاَدِكُمْ، وَلاَ تَدْعُوا عَلَى خَدَمِكُمْ، وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لاَ تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً نِيلَ فِيهَا عَطَاءٌ فَيُسْتَجَابَ لَكُمْ}(3)

    وهنا وقفة جانبية: بعضنا - وهذا يحدث كثيراً - عندما يُصيبه همٌّ أو غمٌّ أو كربٌ يدعو بأن يتوفاه الله، أو يدعو بأن يصيبه بالبلاء والأمراض، أو يدعو بأن ينتقم منه الله. وهذا أمرٌ منافٍ لسُنَّةِ الإسلام يا إخواني. يعني يقول الرجل:

    (ربنا يموّتني ويريحني منكم)، عندما يتعبه أولاده. أو يقول لزوجته: (ربنا يأخذني ويريحني من وشّك) مثل هذا الكلام نسمعه كثيراً وهي أيضاً تقول لأولادها عندما يغضبونها: (ربنا يريحني منكم)، يعني ربنا يموّتني، أو: (ربنا يعمل فيّ كذا وكذا علشان أبعد عنكم ولو حتى أروح السجن، أو مستشفى الأمراض العقلية، أو فى مصيبة) أهذا يصحُّ ياأيها المسلمون ؟ هذا أمرٌ لا يليق.

    وكذا الدعاء على الأموال، كأن يحاول الإنسان مثلاً أن يدير سيارته فلا تدور فيدعو عليها فيقول لها: (ربنا يوقَّف حالك)، وهذا الكلام نسمعه كثيراً ألا تدري أنه إذا أوقف حالها فإنه يُوقِفُ حالك أنت، وأنت الذي تتعب وتتعرض للمشاق؟ ما الأفضل؟ أن تقول لها ربنا يوقف حالك، أم تقول لها ربنا يهديك، أو ربنا يصلح شأنك؟

    فالمؤمن يا إخواني لا يدعو على أحد أبداً، بل يدعو بالهداية، فيدعو لزوجته بدلاً من أن يدعو عليها، فلا يقول لها: ربنا يخلصني منك، أو ربنا يريحني منك، بل يقول لها: ربنا يصلح حالك، ربنا يهديك، ربنا يُحَسِّنْ أخلاقك، ربنا يكرمك ويضع الإيمان والتقوى في قلبك. وبدل أن يدعو على أولاده يدعو الله لهم بالهداية، ويدعو الله عزَّ وجلَّ لهم بالإيمان، ويدعو الله عزَّ وجلَّ لهم بأن يقوموا بأوامر الله، ويتأسوا بسنة سيدنا رسول الله. هذا هو مبدأ الإسلام يا إخواني.

    ولو عادى الإنسان منا إنساناً لا يدعو عليه قال صلَّى الله عليه وسلَّم: 

    { مَنْ دَعَا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ فَقَدِ انْتَصَرَ }(4) ، 

    يعني أخذ حقَّه. فالذي دعا ولو كان مظلوماً يكون أخذ حقه، يعني لا يحق له أن يرفع قضية على هذا الظالم يوم القيامة إن شاء الله، ولو رفع القضية فإن إدارة المحكمة الإلهية تُسقط دعواه، لأنه دعا على هذا الظالم بالويل والثبور والنكبات والأمراض وغيرها في هذه الحياة، فلا ترفع لك القضية ولو على ظالم إلا إذا كنت لم تنتصر عليه إلا بالله، وكنت كما قال نَبِيُّ الله موسى عليه السلام:

    {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}(44غافر).

     ولذا لما كان صلَّى الله عليه وسلَّم يدعو قومه لم يدعُ عليهم مع أنهم ظلموه على اليقين، وآذوه وكلكم تعلمون وتتأكدون، ولكن كان يقول لهم وعليهم:

     

    { اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }(5)



    (1)(رواه الطبراني في مجمع الزوائد عن عبد الله بن جعفر).

    (2)( صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنهَا)

    (3)(صحيح مسلم - باب حديث جابر الطويل عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، وفي صحيح ابن حبان عن جابر بن عبد الله عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت).

    (4)(مسند أبي يعلي عن عائشة رضي الله عنهَا)

    (5)(رواه البخاري في كتاب الأنبياء عن ابن مسعود رضي الله عنهُ). 




      الوقت/التاريخ الآن هو السبت أكتوبر 20, 2018 7:20 am